|
السرقة... سرقة.. اسطوانة غاز... |
|
|
|
د. طلال عبد المعطي مصطفى
|
|
2008-03-16 |
السرقة، سرقة، ولكن اعتدنا كأخصائيين اجتماعيين ونفسيين أن نأخذ بعين الاعتبار أحياناً بعض الظروف الشخصية أو الاجتماعية المحيطة بالسارق، والتي لعبت دوراً ما في دفعه إلى السرقة؟ ألا يمكننا في هذه الحالة تبرير ما قام به من عمل ولو بشكل جزئي؟ وهل هناك سرقة خاصة بالطبقات المحرومة؟ وسرقات خاصة بالياقة البيضاء؟
هذا السؤال لم يحضر في ذهني في البداية وإنما جاء من أحد الأفراد المتهمين بالسرقة من خلال مقابلة عينة من هؤلاء في إطار بحث علمي جامعي، بهدف الوصول إلى العوامل الاجتماعية التي تقف وراء السرقة، وتقديم تصور علمي بهدف العلاج الاجتماعي والنفسي لهؤلاء. وسأوضح ذلك من خلال حالة (ص)، والمتهم بسرقة اسطوانة غاز، وعند سؤال عن سبب ذلك أجابني ببساطة نتيجة الحاجة المادية والفقر، وعن كيفية الوصول إليه أجابني بكل بساطة بأنه لم ينتبه إلى وجود قطعة قماش خضراء كإشارة تدل على صاحب الاسطوانة، وبالتالي عدم وجود الذكاء الكافي لإخفاء سرقته، ولكن المفاجأة، والتي تدل على الذكاء الاجتماعي، عندما سألني عن موقفي اتجاه من يقوم بسرقة المقالات الصفية كما عبر عن ذلك، وأعطى مثال عن حالة (ف) والذي يبدو أن هناك معرفة شخصية بينهما، حيث أشار لي عن جريدة وطنية سورية أشارت إلى فعل السرقة لعدة مقالات صحفية من قبل أدعياء الثقافة (الياقة البيضاء)، واكتفت بالاعتذار من القراء الأعزاء، ووعدت بالا تنشر لهذا السارق المثقف في المستقبل، ولكن ليس هنا احتجاج (ص)، وإنما احتجاجه على عدم تقبل المجتمع المحيط به له باعتباره شخصاً منبوذا، بل يسمع كثيراً كلمة (حرامي) كإشارة لشخصه، والأنكى من ذلك أنه يسمع هذه الكلمة حتى من سارق المقالات الصحفية (ف)، ولا يكتفي بذلك، بل يجد نفسه منبوذا في العمل، لأن الجميع ليس بحاجة له، فهذه المعاملة قد تعيد به إلى الخلف كثيرا. وهذا الأمر طبيعي كون السرقة سلوك غير مقبول اجتماعيا، ولكن السؤال المطروح حقاً: لماذا لا يوجد هذا الرفض الاجتماعي لأصحاب السرقة الفكرية؟ هل لعدم الاطلاع الشعبي عن هذه السرقة؟ وهنا يطرح السؤال لماذا لا يوجد رفض من الوسط الثقافي لهؤلاء؟ كما هو ذلك اتجاه السرقات الأخرى والتي فعلا قد تكون نتيجة الحاجة المادية والفقر، وما حاجة هؤلاء ليقوموا بالسرقة الفكرية؟ وهذا ما استدعى التقصي عن حالة (ف)، حيث عدت إلى أرشيف الصحافة المحلية للتأكد من أقوال (ص)، حيث تبين أن هناك بعض أوجه التشابه بين الحالتين (ص) و(ف)، فكما لم ينتبه (ص) إلى الشريط القماشي الأخضر في اسطوانة الغاز، والتي دلت إلى السارق (ص)، كذلك اقتطع (ف) المقال الصحفي كما هو، فلم يلغي حتى الفاصلة والنقطة...الخ، ولكن أوجه الاختلاف أن (ص) قام بسرقته نتيجة الحاجة المادية والفقر أما (ف) قام بسرقة المقالة الصحفية نتيجة حاجته للمكانة الاجتماعية والثقافية في الوسط الثقافي (كعقدة نقص كما أعتقد)، وأيضا بالنسبة لحالة (ص) لم يجد التقبل الاجتماعي والاندماج الكامل في المجتمع، بينما حالة (ف) مازال يحصل على التقبل الاجتماعي والاندماج في الوسط الثقافي. أما عالم الاجتماع الفرنسي (إميل دوركهايم) فقد أكد أن الجريمة لا تكون إلا حيث يكون ثمة عقوبة لفعل مستنكر، وأضاف أن الأفعال المعتبرة مذمومة ترتبط بالتطور العام للأخلاق، هذا الكلام مقبول على المستوى العام، ولكن بعض الباحثين في علم الاجتماع أشاروا إلى أن القانون، إذا تعلق بالأخلاق يكون خاضعاً للتأثير النسبي للفئات الاجتماعية، في الوقت نفسه يمكن أن يكون شعور الرفض الذي يثيره فعل جرمي ضعيفا لدى من لا يدرك بوضوح التبعات الفردية للفعل المقصود، ولمن لا تسمح له تجربته ولا يسمح له وضعه بأن يضع نفسه مكان فاعل الجرم، إن السرقة لأسطوانة الغاز هي موضوع رفض عام. ولكن الأمر ليس كذلك مثلاً بالنسبة لسرقة مقال صحفي أو بحث علمي (جريمة الياقة البيضاء) إذ لا يندد بها غالبا، فيكتفي رئيس التحرير بالاعتذار من القراء الأعزاء!!!؟ فهل يتساوى سارق اسطوانة الغاز وسارق المقالة الصحفية اجتماعياً؟؟ وبالتالي إخضاع الاثنين للعلاج الاجتماعي والنفسي. د. طلال عبد المعطي مصطفى، جامعة دمشق – قسم علم الاجتماع، (السرقة... سرقة.. اسطوانة غاز...) خاص: نساء سورية |