|
المحامية ربا الحمود
|
|
2008-03-16 |
ألح علي هاتفي بالرنين.. سارعت بإخراجه من حقيبتي, رغم انشغالي الشديد، ولم أفاجأ برقم المتصل فقد انتظرته منذ الصباح.. ابتعدت عن أوراقي ومكتبي وعيونهم، لأتكلم بعيدا عن كل شيء..
أقفلت الهاتف بعد التأكيد على موعدنا بعد العمل.. على الغداء..!! لم نلتق منذ زمن؟!! راودني إحساس غريب وواجهني السؤال.. لم أستطع إلا أن أشيح بوجهي عنه.. لم انتظر أن أجيب نفسي.. ضربت به عرض الحائط... سؤالي..! والتقطت هاتفي، لأنهي معركتي مع نفسي ببضع كلمات: "لدي عمل.. سأتأخر حتى المساء..." وعدت إلى مكتبي بعيدا عن عملي، أفكر بلقائنا.. لم نلتق منذ مدة طويلة.. أخشى من حبي الذي توارى عني أعواما تجاهه.. فقد أهملني طويلا! لا، بل نسي وجودي تماما، غارقا في مهنته بعيدا عن الجميع.. وعني!! كنت يوما حبيبته وصديقته حسبما زعم، ومكمنا لأسرار دفنها في دهاليز قلبي المحب.. تعلمت منه الكثير، رغم شحّ عواطفه اتجاهي. انقطعت علاقتنا بعد زواجي، وأصبحت لقاءاتنا شحيحة.. وفي أطر ضيقة جداً.. لعله التزامي بزوجي، ومن ثم أطفالي، جعلاه يبتعد عني.. وربما قسوته التي لم يخفها يوما عني. مضى الوقت طويلا إلى أن وجدت نفسي انتظره على طاولة اخترتها بنفسي، بعيدا عن دكتاتوريته المعهودة. طلبت فنجان قهوتي وبدأ انتظاري يطول مع تأخره، ولوهلة توجّست من ذلك اللقاء الشخصي الوحيد وبدون ثالث لنا يدير دفة الحوار التي انقطعت منذ زمن. أخذت أفكر: كيف سأبدأ الحديث معه؟ وكيف لي أن أكسر جليداً استغرق ثقل سنواتٍ خمسٍ من البلادة؟!! هو –للأمانة- بادر ورغب بلقائي من جديد.. بعيداً.. ليكون على جانب من طرفي الحياد. اختلطت عليّ الأفكار لأفاجأ به أمامي، يرمي التحية ببرود.. يخلع عن جسده الضخم، رداءه الأسود الطويل، الذي اختزن واختزل في ذاكرتي كثيراً من الآلام، تجرعتها طوال سنين مضت تحت سلطته. بدأت برسم ملامح وجهه من جديد وكأني أحفظ تفاصيلها للمرة الأولى.. رأيته أكبر سنا من الصورة التي اختزنتها ذاكرتي.. وتلك التجاعيد حول عينيه، وكأنها تدعوني كي أنصت لقصص طويلة كان بطلها في جبروته وغطرسته. وذلك البريق في عينيه الخضراوين.. لازال نضراً.. لم يستطع يوماً إخفاؤه.. إنّه حنين هارب كبارقة أمل، درّبت نفسي على انتزاعه.جلس أمامي وطلب مثيلاً لقهوتي.. لطالما فضّلنا المشروب ذاته.. القهوة السوداء بدون إضافات.. كل هذا الوقت مضى بدون أن ينظر إليّ.. مرت لحظات طويلة من الصمت قبل أن يرفع عينيه إليّ، ويدقق في وجهي.. - اشتقت إليك... عبارةٌ انتفض قلبي لها.. وبدأ جبل الجليد بالذوبان! صمتٌ آخر يمضي.. قبل أن يترك كرسيه المقابل لي.. يااااااااااااااااه... إنّه يجلس قربي..!! احتضنتُ عينيه الجميلتين بمدى عينيّ النّهم.. واعتلت رائحة عطره صهوة مشاعري الجامحة.. ها هو بكل جبروته وألقه.. يلقي ظلّ حضوره الكثيف على تعثّري واضطرابي.. وكفّاه المعروقتان تداعبان أطراف ضفيرةٍ شردت عن أخواتها.. من جديد.. بفضّ بكارة الصمت: - كيف زوجك؟ أومأت: بخير... - زوجك رجلٌ واعٍ، علاقتكما طيبة.. لا شكّ؟!! أطرقت برأسي، وكأني أعلن عن عدم صحة توقعه.. كعادته.. التقط الإشارة.. وبدأ يتحسس جبل الجليد.. وضع يده على كتفي ضاغطاً كمن يريد تحطيم ذلك الجبل: - هل لنا بمغازلة النسيان؟!! لنرم ركام الماضي خلفنا.. أفتقدك كثيراً... كلماتٌ لامست ألماً دفيناً موغلاً في العصيان.. ودمعةً رفضت أن تعلن حضورها النازف.. - تكرهينني؟! - أبداً.. لا زلت تعشش في وجداني.. هناك.. في أعماق أعماقي.. لازلت تعني لي كل شيء... شعرت أني تسرعت... توجّست.. بدأ العرق يهاجمني من كل مسامات جسمي.. زاد صمته في حرجي وسرت قشعريرة باردة في جسدي.. خرقت صمتاً سيطر بضعة دقائق: - وزوجتك.. ماذا لو عرفت أنّك تتناول غداءك مع صبيةٍ صغيرةٍ مثلي؟!! ضحك... - زوجتي أيتها الخبيثة قد نسيت وجودي تماما, وانشغلت عني بكل ما يجعلها تنسى أني لازلت في هذه الدنيا... - ألستَ السبب؟!! - ربما..!! شعرت بغباء سؤالي عن زوجته، مع علمي بأنهما غير منسجمان! وهروباً من ارتباكي، طلبت الغداء.. أصرّ على أن أطلب له وجبته, أراد اكتشاف إن كنت أذكر ما يفضّل.. وأنا... لطالما عرفت ما يحب وما يكره.. وكم داويت جروحا افتعلتها له زوجته فيما مضى.. غادرنا المكان.. مشينا طويلاً.. لم نشعر بتعب.. ولا ببردٍ ممعنٍ بالقسوة.. ولا بالناس.. يدي ممسكة يده.. كنت أشعر بجريان الدم في عروقي.. أسمع دقات قلبي.. أكثر من ساعة.. لم ننطق بحرف.. لكنّنا لم نتوقّف عن الحديث..!! شعرت أني استعدته، وأن تلك السنوات الخمس التي مرت لم تكن إلا أياما قصيرة ولت إلى غير رجعة.. شعرت أنّ حبي له لم يمت, كما لقنتني نفسي ذات قهر.. كان اللقاء كافياً لترميم كل ما أورثه لي ابتعادي عنه من غضون.. فجأة.. وجدت نفسي أعانقه وسط الزحام.. وبين الناس.. وأصحاب المحلات وعيون المارة.. فاجأه عناقي الطويل.. وبكيت..رفع رأسي عن صدره.. تلقفت عيناه حرقة دموعي.. مسحها بيديه.. نظرت في عينيه.. لأرى دموعا صلبة تأبى أن تفصح.. أبعدني عنه بلطف محاولا إخفاء ذهول المارة من مشهد حبّ.. ممتزجاً بالبكاء.. كان المارة ينظرون إلينا بغضب وحنق..فقد تعودوا الحب في الظلام أمسكت يده من جديد.. نظرت في عينيه.. زفرت: - كم أحبّك يا أبي.. المحامية ربا الحمود، عضوة فريق عمل نساء سورية، (رجل غير زوجي) خاص: نساء سورية |