|
من تحت خيمة نايلون تعيل أسرة! |
|
|
|
رنا محمد
|
|
2008-03-01 |
السيدة نبيلة أم نوار بسنوات عمرها التي تقارب الخمسين، وبتجاعيد بشرتها وبياض شعرها، تجابه كل مصاعب الحياة الاجتماعية والمناخية تحت خيمة نايلون على إحدى أرصفة اللاذقية... هي أم لخمسة أولاد، تعيلهم مع أبيهم ـ زوجها ـ العاجز تماماً على الحركة بعد تعرضه لحادث أثناء عمله تسبب في عجزه...
في شارع الثورة، وعلى طرف الرصيف، نصبت أم نوار لنفسها خيمة زرقاء لا تقيها من ريح الشتاء شيئاً، تبيع تحتها الفطائر لتعيل أسرة لا يوجد فيها معيل ولا منتج سواها!!!... كنت أتردد إليها لشراء الفطائر، ولما زرتها الآن لغير ذلك رحبت بالأمر كثيراً.
سألتها عن المكان إن كان مرخصاً أم لا، فاسترسلت تقول بين الغضب حيناً، والدموع المختبئة خلف خضرة عينيها حيناً آخر: «المكان غير مرخص، أتت البلدية أكثر من مرة لفك الخيمة ولم أسمح لهم بذلك... صرخت فيهم بأعلى صوتي... ألا يرون في كل الشوارع مخالفات غير هذه الخيمة التي أعلّم أولادي وأطعمهم منها!!!... هي مهنة لا تطلّع تعبها... آتي مع شريكتي منذ الصباح الباكر لتهيئة الحشوة والعجينة، نغلق ونرحل لهموم البيت... نعود عند الثالثة ظهراً ونبدأ العمل حتى ما بعد منتصف الليل... مقابل ماذا؟... من 100 إلى 200 ليرة، وأحياناً لاشيء... قد لا يعادل دخل النهار المصاريف التي دفعتها لثمن مواد الأولية للفطائر أو ثمن أدوية زوجي... فالغلاء فاحش والدنيا لا ترحم... في أحلى الأحوال الفليفلة 135 والزيت 100 والبقدونس 5 والبصل 25 والسلق 20 والجبنة 250 وكل يوم أسعار متغيرة حسب السوق». ـ هل تتفقين مع مزارع معيّن؟ * لا... لا أعتمد على شخص معين... حتى المزارعين المساكين عند حاجة أحد لهم يصبحون استغلاليين... أشتري من المحلات فيستغلون حاجتي قدر ما يستطيعون... وفوقها نبيع بأسعار بسيطة... مهنة لا تنفع بشيء لكنها حلي الوحيد...» سألتها: ألست موظفة، أنت أو زوجك أو أحد أولادك؟ حاولتْ ابتلاع غصتها وقالت بعد أن أشعلت سيجارتها: «بطلوع الروح استطعت الحصول على عقد ثلاثة أشهر بالزراعة، وانتهى العقد... ثم اشتغلت آذنة في روضة أطفال... واشتغلت في قطف الزيتون، وهي المهنة لم أتوقف عن القيام بها منذ أن تزوجت، كنت أقوم بمساعدة الناس بقطاف زيتونهم وآخذ حصتي وأؤمن مؤونة بيتي من الزيت والزيتون...» ـ والأولاد؟
* «ابني من يومين أنهى الخدمة الإلزامية ويبحث عن عمل... والبنات طالبات في الجامعة... ربما استطاعوا الحصول على وظيفة محترمة في الدولة». ـ كيف ستتوظفان في الدولة؟ هل عندك واسطة؟ * «واسطتي الله... هو الذي يفرجها» ـ وإذا لم يفرجها... ماذا بشأن العمل في القطاع الخاص؟ * «لن أسمح لهم أن يشتغلوا إلا في الدولة... لن أسمح لأرباب العمل الخاص باستغلالهم واستغلال حاجتهم... خاصة أنهن الآن طالبات في الجامعة، وأريد لهما أن تتخرجا... وحتى بعد أن تتخرجا لن أتركهما عرضة للاستغلال من القطاع الخاص...».. ـ بيتك أجار؟ * لما تزوجنا سكنا بالأجار، لكن عائلة زوجي أعطته قطعة أرض صغيرة بنينا فوقها غرفتين للسكن، والآن فتحت بجانبهم هذا المحل...» سألتها: خالة ألم تحاولي أن تحصلي على قرض بطالة للبدء بمشروع ما؟. أجابت: * «في عام 2002 حصلت على قرض بطالة على أساس أن أشتري بقرة. لكني وفيتُ بالمبلغ ديون زوجي التي تتراكم علينا والتي يطالب بها أصحابها ويزعجوننا في طلبهم غير مقّدرين أوضاعنا السيئة... بكثير من الجهد وبعملي الذي لم يتوقف تمكنت من إيفاء القرض الآن وأنا غير مدينة للدولة بشيء». ـ وزوجك ألا يعمل بشيء؟ نفثت دخانها بحسرة كبيرة، وقالت لي بين الذكرى والواقع: * «زوجي كان أجمل من أي شاب قد تصادفينه في الطريق، ومع أنه غير متعلم وأنا معي صف تاسع أحببته وتزوجنا وكان عمري 19 سنة وعمره 23 سنة... كان يعمل مبلطاً، وبحكم عمله القاسي تعرض لإصابات عمل كثيرة لم يعترف بها أصحاب الورشات التي كان يعمل لديهم ولم يدفعوا لنا أي تعويض... والكسر تلو الكسر، الوقعة تلو الوقعة، أصبح عنده هشاشة في الركب ـ بحكم عمله الطويل جاثياً على ركبتيه ـ وعجز في الأكتاف نتيجة كسر... هو الآن عاجز عن العمل تماماً ولا يستطيع فعل شيء...»... سكتت وحاولت أن تلملم دموعها بدون فائدة، فسألتها باستفزاز: دموع ندم؟ فأجابت: «29 سنة زواج لم أندم فيها ولا لحظة على زواجي منه... لم يؤذني يوماً بحرف... لم نتشاجر، لم يضربني يوماً... لم يحاول إهانتي ولا بموقف... أنا مقتنعة بنصيبي... ولأني مقتنعة بهذا النصيب أنا صابرة»... وعجزت شفتاها المرتجفتان عن المتابعة... ربما لاحظت حزني، فقالت لي: «إياكِ يا ابنتي والحزن... فالبكاء يجر بكاء... الحياة أمامك... حاولوا أن تعيشوا أفضل مما عشنا...» - سألتها، محاولة أن ألملم إرباكي: ما أكبر طموح لك؟. فأجابت: * «أهم شيء في حياتي أن أؤمن ابني الذي أنهى عسكريته للتو وينتظر أي عمل... معه شهادة ثانوية... أؤمنه بأي عمل محترم انحرمت أنا وأبوه منه... ثم حلمي أن أعمّر هذه الخيمة بلوكاً فنتّقي قليلاً شرّ هذا البرد... ويعطوننا قرض بطالة جديد لنبدأ بهذا المشروع، ونتعهد أن نوفي للدولة ما تستحق وفي الموعد المناسب... هذا كل ما أحلم به...»...قمت بالتقاط صور للمكان... ولم تسمح لي بالذهاب بدون أن آكل من فطائرها... أخذت فطيرتي وذهبت للسير في الشارع وأنا أفكر: أيعقل لإنسان أن يتحمل هكذا؟... أن يعطي ويصبر ويرضى هكذا؟... أيعقل لأحلامنا أن تتحجم بتلك الطريقة؟... أن تصبح حقوقنا الطبيعية أحلاماً لا نستطيع تحقيقها... وتتحول بديهيات الحياة إلى أكبر الهموم وأكثرها شغلاً لوقتنا؟؟!!!... أبعدت تلك الأفكار من رأسي وأسرعت في سيري وأنا آكل فطيرتي وأستمتع بلفح الهواء البارد... كنت أفكر متى سأصل للبيت لأتمكن من صياغة ما قالته لي... |