|
العاملات المجهولات: الخادمات في سورية |
|
|
|
جيسكا سلابانك، ت:ردينة حيدر
|
|
2008-03-01 |
تراجع العاملات الوافدات إلى سورية الحكومة السورية وسفاراتهن بهدف حماية حقوقهن من أرباب العمل ووكالات التشغيل. أحضرت أمامي وكأنها مادة للبيع في المزاد، بدت كطفلة، جميلة ومرتبة. حالمة متفائلة من أصلها الفلبيني، وهاهي تصبح ملكية خاصة لوكالة تشغيل الخادمات في دمشق منذ حوالي أسبوعين، هي التي تبلغ التاسعة عشرة من عمرها.
تحدق في بدهشة واضحة وأنا أتظاهر بأني رب عمل مأمول، أسألها بلطف عن أسمها وفيما إذا كان لديها تجربة سابقة.
"لا" تجيب بخنوع قبل أن يتم اقتيادها إلى ما يشبه أرباع ا لحياة،وتختفي بأناقة وراء مكتب وكالة التوظيف اللامع والمرح. مشاهد مشابهة تحدث في سورية في هذه اللحظة لمئات الشابات من جنوب شرق أسيا وأفريقيا، بينما يصطفون ليتم اختيارهم، منتظرين مستقبلهم الغامض مع أرباب عمل مستعدون لدفع 2400 دولار أمريكي كعمولة لوكالة غير مرخصة. تتضمن الأجرة كلا أمرين، عقد لمدة ثلاثة سنوات وقدر الفتاة التي هي ليست أكثر من سلعة في السوق السوداء. كانت وكالات توظيف العاملات في المنازل قد منعت في عام 2002 من قبل القانون السوري والذي نص على أن توظيف العاملات الأجنبيات يكون قانونيا فقط إذا تعامل رب العمل مع الخادمة المتوقعة بشكل مباشر. لكن الطلب المتزايد على الخادمات مقرونا بالصعوبات التي تواجه أرباب العمل للتواصل مع الفتيات بشكل شخصي بعيدا في آسيا، أدى إلى إغراء بعض الوكالات ذات الأنوف القوية، إلى محاولة جني الأرباح من التدفق الضخم للعاملات الأجنبيات، وذلك من خلال العمل كسماسرة للنساء المحتاجات للتوظيف في البلدان التي يعتبر فيها العمل المنزلي وضيعا جداً للنساء المحليات. معالجة الاحتياجات بشكل غير عادل تأثير قانون الـ 2002 كان بلا قيمة بلا شك، يقول فادي ديبة القنصل الفخري للقنصلية الفلبينية "عندما كانت السوق مفتوحة تدفق آلاف الفلبينيين" داعما تأكيده بإحصاءات تظهر أن عدد العمال الفلبينيين ارتفع في سورية في الخمس سنوات الأخيرة من حوالي خمسين قبل الـ 2002 إلى 10500كما تشير الأرقام الحالية. كما شهدت سورية أيضا ارتفاعا بأعداد العاملات المنزليات الإندونيسيات. أكدت السفارة الأندونيسية في دمشق أن الرقم الإجمالي تزايد من حوالي 200 في الـ 2002 إلى ما يتراوح الـ 40.000 يعملون الآن في البلاد. ليلى واحدة من هؤلاء الـ 40.000 المجهولات، 24 سنة من جافا الشرقية، كانت ليلى قد وعدت بعمل مكتبي من قبل وكالة توظيف غير قانونية في جاكرتا، وصلت إلى سورية مع مفاجأة لقاء رب عملها الذي كان من حلب. وبعد أربع سنوات وثلاثة أشهر عادت ليلى إلى بلدها متحررة من الوهم والضغط. قالت لي أن تجربتها كانت سيئة. "عاملوني كحيوان"، "كان علي أن أنام في الشرفة، أخذوا تلفوني، وجواز سفري، لم يكونوا أبدا ليساعدوني، شعرت أني محتجزة"، تقول بينما يشوبها الارتباك حول سبب عدم دفع راتبها البالغ 300 دولار أمريكي للشهرين الأولين من مباشرتها العمل.أرقام عالية من العمال الآسيويين تعني حفنة كبيرة من الدولارات لوكالات التوظيف، التي تجني عمولة عالية بتسليم الفتيات إلى زبائن لم يتم التحقق منهم. وقد تبين في بحث غير منشور تناول ثلاث وكالات توظيف أنه لم يجر أي نوع من التحقق من خلفيات أرباب العمل المتوقعين. فنسخ عن جواز السفر، تفاصيل الوظيفة، وحفنة من الدولارات الأمريكية كافية بشكل عام للحصول على خادمة. يبدو أن هناك اهتمام قليل بمتابعة تصرفات أرباب العمل، حيث تغلق وكالة التوظيف الأبواب عليهم بثبات. وقد تلقيت نصيحة من واحد من أرباب هذا العمل في وكالتي توظيف بمصادرة كل من جواز سفر وجهاز وموبايل خادمتي.( ممرضات مثقفات، وفتيات حاصلات على شهادات يعملن في الخدمة)متوسط الدفع يبلغ 150 دولار أمريكي في الشهر، وقد تم تحذيري من وكالات التوظيف الثلاثة بقوة من إعطاء العاملة أي يوم عطلة. "قد تقابل العاملة أحداً في الشارع ولا تعود". حذرت إحدى وكالات التوظيف. "ليس لديها مكان لتذهب إليه، لذلك لا مبرر لإعطائها عطلة" قال آخر، وكأن كل الأفكار حول هذا الأمر سخيفة بالإجمال. بدت تلك الأمور وكأنها إجراءات لمنع الفتاة من العودة إلى وطنها خلال فترة الثلاثة سنوات التي ينص عليها العقد. أرباب العمل عادة يقاومون فكرة إعطاء الفتاة عطلة أو تركها تعود إلى الوطن لأنه سيتوجب عليهم دفع مبلغا من المال لوكالة التوظيف كنوع من "الكفالة" أوضح برانو براوريكوسومو، سفير السفارة الأندونيسية في دمشق، من المقدر أن هناك أكثر من مئة وكالة توظيف تعمل بشكل غير قانوني في سورية، وحوالي سبعين منهم في دمشق. متنوعون بالحجم، وكثير منهم يدارون من قبل أشخاص ذوي أعمال محدودة وبسيطة. "وكأننا نتعامل هنا مع أشباح". يقول ديبة موضحا بأن قنصلية الفلبين حاولت جاهدة للعمل مع وكالات التوظيف لضمان دور مشروع وعادل لكلا الطرفين. "المشكلة تكمن في الوكالات الأصغر" أضاف براوريكوسومو. "لا نمللك إلا أرقام التلفونات، وليس العناوين، في بعض الأحيان يفلسون ويغلقون أعمالهم، وتظهر واحدة جديدة، من الصعب جعلهم تحت المراقبة والمتابعة".(فاطمة، تتذكر باكية اليوم الذي عاقبها فيه رب عملها الأردني برمي زيت مغلي في فمها)محاولات الترخيص
في العام 2006، قررت الحكومة السورية أن تتصرف تجاه الارتكابات والإجراءات غير المضبوطة لتلك الوكالات. وتم إصدار قانون جديد لترخيص وكالات التوظيف في سورية. وبموجب هذا القانون فإن على الوكالة أن تلتزم بمعايير صارمة لشروط عمل الخادمات ومعاملتهن. ينص القانون أن الخادمة المتوقعة يجب أن تكون فوق عمر الثامنة عشر، ويجب أن تكون محتشمة ومهذبة اجتماعيا في العمل، قبل العثور على رب عمل لها. واحدة من وكالات التوظيف المرخصة كانت مهتمة بشدة بتطبيق المعايير وكانت بذلك تجازف بالخسارة لأن عليها أن تدفع للحكومة السورية مبلغا من المال كنوع من الضمانة. واحدة فقط من وكالات التوظيف نجحت في الحصول على الترخيص. القانون الـصادر عام 2006 ينص بوضوح أن استقدام العاملة الأجنبية المطلوبة إلى البلد عن طريق وكالة غير مرخصة هو أمر غير قانوني. قانون جديد آخر أصدر في تشرين الأول للعام 2007 كررت فيه نفس الشروط. وضعت تقييدات كبيرة على أرباب العمل في قانون العام 2007، وتتضمن فرض غرامات كبيرة في حال لم يتم إنجاز العمل بالترخيص وأوراق الإقامة في الوقت المطلوب وعبر قنوات رسمية، كما يتضمن فرض غرامات مالية على الوكالات في حال تم ضبطهم في استخدام الفتيات للعمل خارج إطار العمل المنزلي، "إذا طبق القانون الأخير فسيتم ترخيص الوكالات، وسنكون حللنا المشكلة بنسبة 80% " يقول ديبة. السفارة الأندونيسية متفائلة ومتشائمة على حد سواء. "إنها خطوة إيجابية من جهة الحكومة السورية، ونحن نشجعهم على المضي قدما في تنفيذ قوانين الترخيص الجديدة هذه." يقول براوروكوسومو." "لا نستطيع اجتثاث هذه الوكالات، يوجد الكثير منها ويمكن أن يكون منعها دافعا لتشغيلها بشكل سري. ما نتمنى أن نراه في هذه الصناعة هو أن تقدم الفائدة لكلا الطرفين، العاملات وأرباب العمل." وكالات عديدة الآن في طريقها للحصول على التراخيص، ومن المتوقع أنه ستتم الموافقة على ثلاثة منها مع نهاية الشهر. وبناء على ذلك، قررت أن أختبر الوضع، وأقوم بزيارة إلى إحدى هذه الوكالات. "تبعا للقوانين الجديدة، عليك أن تملئي طلبك وتنتظري لمدة شهر على الأقل." أخبرتني وكالة التوظيف، والأمور تسير بشكل جيد حتى الآن، نحتاج إلى الوقت لضمان إتمام أوراق العمل والفحوصات الطبية الضرورية للخادمة. هنا بدأت الأمور تتدهور. "لن نوصيك بعدم إعطائها أية عطلة." يقول ناصحاً. تم إعلامي أيضا بأنها من الأفضل أن لا أدفع لها خلال ثلاثة الأشهر الأولى، كنوع من ضمان عدم عودتها إلى الوكالة الشريكة في الفلبين. هنا أسأله فيما إذا كانت الخادمة تعرف هذه التفاصيل. "نعم هي تدرك ذلك، وتتوقعه." لم أصدقه بشكل غريزي، وفكرت بالعودة إلى متابعة محادثتي مع ليلى. الجانب الآخر إن تداعيات وكالة التوظيف الفلبينية، تضخم الأبعاد الواقعية للعالم الضبابي للتوظيف غير القانوني. "المشكلة في الواقع تقع على عاتق البلد الأصلي، وهو الفلبين هنا في هذه الحالة." يقول ديبة. "الفتيات يعملن هنا بشكل قانوني من وجهة النظر السورية. في الفلبين، تحتاج الفتاة إلى صيغة من الموافقة الرسمية من وزارة العمل في مانيلا إذا أرادات أن تعمل في الخارج، وتحتاج بذلك إلى عقد وفحص طبي للحصول عليها." لكن الوكالات غير القانونية تقف وراء هذا، ولتتمكن الفتيات في كثير من الأحوال من السفر يستخدمن التأشيرة السياحية، ويقلن أنهن ذاهبات في عطلة إلى دبي. لا يعرف أرباب العمل السوريون أي شيء عن هذه التفاصيل، ويمكن لهم ببساطة أن يتقدموا للحصول على موافقة من دائرة الهجرة لدى استلامهم نسخة عن جواز السفر، للموافقة على التأشيرة الشرعية لدى الوصول إلى مطار دمشق. العملية مشابهة في إندونيسيا، تؤكد سفارتهن، الأمر نفسه يحصل مع فتياتهن، أمر ( قانوني وغير قانوني). "تأخذ السفارة هذه القضية على محمل الجد، حيث بدأت مؤخرا باتخاذ إجراءات ملزمة تجاه الوكالات غير القانونية في إندونيسيا." يقول براوروكوسومو.تقول السفارتين إن نقص الفحوصات الصحية للفتيات على نقطة المغادرة أدى إلى خلق مشاكل عديدة في سورية فيما بعد، وفي بعض الأحيان قد تصل الخادمات إلى سورية في حالة أمراض خطيرة، أو حالات حمل مبكرة. "إن أفضل طريقة لإيقاف هذا، يكون بقيام سورية بوقف الموافقة على التأشيرة في المطار، والعبور من خلال السفارات." يعتقد ديبة. وبالتالي ما هو دافع هذه الفتاة لتغادر بلدها الاستوائي إلى الصحراء الغربية المتوسطة؟ "المال" يقول براوروكوسومو. "إمكانية عمل أفضل" يقول ديبة. "يأتون إلى هنا متوقعين أنها فرصة عظيمة." باحت العديد من الخادمات اللواتي قابلتهن أن وكالات التوظيف في البلد الأصلي، غالبا ما يعدون بأعمال غير موجودة في المكاتب أو الكليات. يغرون الفتيات وفي كثير من الأحيان يخدعونهم بتعليمهم العمل المنزلي، في ثلاثة سنوات من التخدير. "هناك ممرضات مدربات وفتيات حاصلات على الشهادات يعملن في مجال الخدمة في سورية." يبوح ديبة.(يتضمن الأجر كلا الأمرين، عقد لثلاثة سنوات وقدر الفتاة الشابة ليس أكثر من سلعة في السوق السوداء )تكذب الفتيات في كثير من الأحيان بشأن أعمارهن، للحصول على "بطاقة الطائرة الذهبية" التي يعتقدن أنها فرصة العمر. اعترفت العديد من الفتيات بأنهن كن أصغر من أعمارهن التي كتبت في جوازات سفرهن. "العمر القانوني للخادمات هو 24، لكن الأصغر تتمكن من القدوم إلى هنا بسبب حصولها على جواز سفر مزور، من الصعب أن نتعرف على أعمارهن، لكننا عندما نتمكن من معرفتها، نحاول أن نعيدها إلى وطنها." يقول براوروكوسومو. على الرغم من ذلك يؤكد براوروكوسومو أن تجربة عمل الفتيات في مجال الخدمة في سورية هو أفضل بكثير من عملهن في نفس المجال في مكان آخر بشكل عام. " إذا ما قارناه بما يحدث في بلدان الخليج, فإن عدد قليل من الفتيات نسبيا يعانين من مشاكل. لسورية سجل جيد في هذا المجال في الواقع." وجهة النظر هذه أيدتها فاطمة من سيرلينكا البالغة من العمر 46 عاما، محاربة قديمة في صناعة العاملات المنزليات، أمضت الخمسة عشرة سنة الأخيرة من عمرها في العمل ف الشرق الأوسط. "لطالما كانت سورية أفضل بلد للعمل في هذا المجال." تقول فاطمة متذكرة اليوم الذي عاقبها فيه رب عملها الأردني برمي زيت مغلي في وجهها. "لا أزال أعاني من مشكلة ضعف بصر في عين واحدة." تقول مشيرة إلى البقع السوداء على جلدها الناعم الزيتي اللون. "عملت في سورية لمدة عشر سنوات، ولطالما كان رب عملي لطيفا حقا، تمكنت من شراء منزلي الخاص في سيرلينكا بفضل النقود التي كسبتها هناك." تظهر وجهة نظر فاطمة الإيجابية وامتلاكها حظا جيدا الجوانب الأخرى لهذه الصناعة، ترتبط التجارب الفردية للخادمات بشكل كبير بشخصية رب العمل ومشاعره النبيلة، لكن السلطات السورية تقول الآن أنه حان الوقت لإيجاد آلية مناسبة لتفادي الأخطاء. بإمعان النظر يمكن التعرف على الانتشار الواسع للخادمات الأجنبيات في دمشق، حيث يمكن رؤيتهن يتجرجرن خلف العائلات في مركز (شام ستي سنتر)، حاملين الطفل، أو أغراض التسوق، والبعض الآخر يجلسن بهدوء خلف واجهات المحلات الفاحشة الغلاء. تحت الطلب دائما للمساعدة في حياة الآخرين، في حين أن حياتهن على قائمة الانتظار. يعتقد العديد أن من واجب وكالات التوظيف الأخلاقي أن تقوم بما هو أكثر من ذلك لحماية هؤلاء الفتيات الشابات. في كلمة لديبة "نتكلم عن كائن بشري هنا وعلينا مساعدتهن."
*- ترجمت هذه المادة وفق اتفاق خاص مع مجلة سيريا تودي، Syria Today (العدد 32، كانون الثاني 2007)*- العنوان الأصلي: العاملات المجهولات Ghost Workers بقلم: جيسكا سلابانك تصوير: قيس زكريا، فيل ساندس
ترجمة: ردينة حيدر، عضوة فريق عمل نساء سورية، (العاملات المجهولات: الخادمات في سورية)
خاص: نساء سورية
|