|
مارلين بيرتران، خبيرة حماية المرأة من العنف: العنف لا أخلاقي بحد ذاته |
|
|
|
بسام القاضي
|
|
2008-02-22 |
كنت قد أعددت بعض الأسئلة من أجل الحوار مع السيدة مارلين بيرتران، الخبيرة الكندية في مجال مناهضة العنف ضد المرأة، لكن خبراتها الواسعة تجاوزت الأسئلة ببساطة باتجاه نقاش مفتوح وعام لكل جوانب العنف ضد المرأة. وبدا هذا طبيعي في حوار مع امرأة أمضت حتى الآن أكثر من عقدين من الزمن في العمل مناهضة للعنف ضد المرأة في أكثر من دولة،
وكان لها دور أساسي في تحويل النظرة العامة إلى العنف ضد المرأة في كندا من قضية أسرية خاصة إلى قضية مجتمعية عامة، والتي لم تتحفظ على أي من أرائها في حوار ممتع ساهمت فيه بفعالية، وترجمته مشكورة، الأستاذة بغاثا تايلور المستشارة في السفارة الكندية التي كان لها الدور الأساسي في نجاح ورشة العمل التي أقامتها الجمعية الوطنية لتطوير دور المرأة (انقر هنا..). بدأنا الحوار بسؤالها عن ملاحظاتها على مشروع "واحة الأمان" الذي أطلقته الجمعية الوطنية، فأشارت إلى أن البناء الذي هو أفضل من العديد من الملاجئ التي زارتها في مناطق مختلفة من العالم، ويتمتع أيضا بميزة هامة أنه مكان من وسط المدينة يسمح بالوصول السهل إليه من قبل النساء، يعاني من ثغرات هامة. فالمبنى الذي لم يكن للجمعية حرية في تبنيه، فهو الوحيد المتاح، هو طابق ثالث يصعد إليه بدرج طويل. هذا يعني أنه سيكون من الصعب جدا الوصول إليه على النساء اللواتي قد يتطور العنف ضدهن إلى درجة التسبب بإعاقات مؤقتة أو دائمة، إضافة إلى صعوبة أن تصعد امرأة مسنة أو مريضة 44 درجة هي اللازمة الآن للوصول إلى الدار. كما أن تصميم الطابق داخليا لا يتلائم مع بعض المعايير التي شرحتها السيدة بيرتران بصفتها كانت مسؤولة عن تصميم العديد من الملاجئ. فالغرف فيه غير كافية لاستقبال النزيلات المحتملات. وبما أن الجمعية تتوقع أن يكون هناك أمهات مع أطفالهن، فقد كان يجب أخذ ذلك بالحسبان من حيث توفير أماكن ملائمة لأم وطفلها. الغرف تبدو ملائمة وهي فارغة، لكنها ستتحول إلى حال من الفوضى والازدحام مع إشغالها بالنساء والأطفال. على وجه العموم، يفضل في الملاجئ دائما أن تكون هناك مساحة مشتركة حيث يمكن للنساء أن تجتمع فيها وتمارسن بعضا من حياتهن الاجتماعية، وهو ما لم يلحظه المبنى الحالي. كذلك الأمر مع المساحات الخاصة، إذ إن الملجأ لا يختار نزيلاته، وبالتالي فقد يضم نساء من مستويات اجتماعية وخلفيات ثقافية مختلفة، وهن جميعا يرزحن تحت ضغوط نفسية شديدة ناجمة عن العنف الممارس ضدهن، وعن اضطرارهن للجوء إلى الدار، هذا يعني أنهن بحاجة أيضاً إلى مساحات خاصة للراحة. إذا، تصميم الدار المثالي يجب أن يراعي وجود ثلاثة مساحات رئيسية: 1- غرف للأطفال الصغار، متضمنا ذلك معلباً لهم وحضانة ملائمة. 2- غرفة للأولاد الأكبر سنا نظرا لاحتياجاتهم المختلفة نوعيا عن الأطفال الصغار. 3- مساحة خاصة للمرأة النزيلة أن تلجأ إليها لتأمين درجة من الخصوصية والراحة.
وأشارت السيدة بيرتران إلى أنه قد يكون ذلك محققا في ملاجئ مختلفة، كما هو الحال في كندا، حيث يمكن أن تجد المرأة الملجأ الأكثر ملائمة لوضعها الخاص.تتلقى الملاجئ في كندا دعماً مالياً من الحكومات المحلية. ففي مقاطعة مانيتوبا التي تضم 10 ملاجئ، تقول السيدة بيرتران، تتلقى جميعها دعما ماليا حكوميا رغم أنه تعد مقاطعة فقيرة نسبيا. وقد ارتفع الدعم خلال 15 سنة الماضية أكثر من 600 %. الوضع يختلف عموما من مقاطعة إلى أخرى، إلا أنها جمعيا تتلقى التمويل. ما يختلف هو نظام التمويل، فهناك نظامين عموما: واحد يقوم على تقديم كتلة مالية سنوية، والآخر يعتمد على تقديم كتل مالية بناء على الاحتياجات. ولكل من النظامين مؤيديه. إلا أن النظام المعتمد على تقديم كتل مالية بناء على الاحتياجات، رغم أنه أكثر بيروقراطية، فهو أكثر مرونة لأنه يسمح للدور بتلبية احتياجاتها بشكل عملي أكثر. ويسمح لها أن تطور أداءها دون الخوف من استنزاف الكتلة المالية لأنه يمكنها الطلب لكل بند على حدة، كما يسمح للحكومة أن تلبي الاحتياجات الطارئة للعمل والتي قد لا تكون ملحوظة عند منح الكتلة السنوية الواحدة، وطبعا تلبي الحكومة متطلباتها جميعا.الآن، في مقاطعة مانيتوبا، هناك هيئة عامة مسؤولة عن جميع الملاجئ في المقاطعة. وقد أقرت الهيئة نظام الدفع التفصيلي، إلا أن غالبية المقاطعات الأخرى ما زالت تعتمد نظام الكتلة السنوي.إلا أن حكومة المقاطعة، إضافة إلى التمويل، مسؤولة تماما عن شراء الأماكن المناسبة للملاجئ، وإشادتها ودفع تكاليف تجهيزها، وكذلك دفع كل مستحقاتها المالية (فواتير كهرباء وماء وهاتف وضرائب واحتياجات..)، وكذلك هي مسؤولة عن كامل تكاليف الحماية الأمنية للدور، بل وتقوم الحكومة كل عامين بدراسة للنظام الأمني لكل دار، وتقوم بتنظيف محيطه بشكل كامل.في تجربة السيدة بيرتران كمسؤولة عن نظام الملاجئ في المقاطعة: البنية التحتية والتمويل وتطوير الملاجئ والتعاون مع المجتمع المدني.. أطلقت نظام مراقبة للملاجئ لا يعتمد التشكيك بنزاهة عملها، وإن تخللت هذا العمل بعض الثغرات، لكن يعتمد مراقبة آليات الصرف المختلفة. فقد لاحظت أن بعض الدور لم تتقن توزيع الأموال بين البنود المختلفة التي منحت التمويل بناء عليها، كما لاحظت أنه قد يشغر مكان عمل في ملجأ دون أن تبذل الإدارة جهدا كافيا لملئه بمن يناسب. كما أنه قد تفيض أحيانا الأموال في نهاية السنة المالية للملجأ دون أن تستخدم، وهذا مؤشر إلى خلل مهم في العمل إذ كان يجب أن تستثمر الأموال كاملة في تحقيق العمل وتطويره. وكان على هذا النظام أن يدرس هذه الثغرات ويقدم المقترحات الملائمة لتطوير العمل.على وجه العموم، تقول السيدة بيرتران، وجود معايير مستقرة منبثقة من الخبرة والتجربة، ومن تشارك الحكومة مع المجتمع المدني الفاعل، هو أمر ضروري لأجل نظام شامل يؤدي دوره بشكل جيد. والواقع أن حكومة مانيتوبا كانت قد طلبت من السيدة بيرتران أن تقبل العمل معها بناء على اقتناع الحكومة بأهمية التجربة المتراكمة في المجتمع المدني الذي كان هو الأساس في إطلاق هذا العمل.أهم أوجه التشارك بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني تتمثل في وضع معايير العمل، والتوقعات المرئية من كل جانب. وهذا التشارك الذي يبدو جليا في مؤتمر يعقد لهذا الغرض، يشارك فيه الناس الفاعلون حقيقة، ويغوص في كافة التفاصيل الجزئية للعمل، إذ يجب أن تراعي المعايير كل شيء بوضوح تام.الملاجئ في كندا تضم فعلا نساء محتاجات. بالطبع قد يكون هناك حالات لسن محتاجات بسبب العنف، بل ربما لأسباب أخرى كالحصول على الخدمات الاجتماعية من الدولة. لكن ذلك جزء بسيط من الواقع. فأغلبية إدارات الملاجئ واعية لدورها وعملها. بالطبع، وفق قول السيدة بيرتران، هناك مؤسسات تعنى بشكل خاص بالمحتاجات للرعاية لأسباب أخرى غير العنف. وهذه تستطيع تقديم خدمات مختلفة للنساء. إلا أن النساء المعنفات اللواتي كن نزيلات دور الحماية، لديهن امتيازات خاصة في الحصول على السكن الشعبي الذي هو جزء من سياسة الحكومة في المقاطعة. فهن يحظين بالأولولية في الحصول على السكن.بعيدا عن الملاجئ، هل حقا ما يدعيه البعض أن النساء العاملات في قضايا المرأة، ومناهضات العنف ضد المرأة، هن نساء "معقدات" وفاشلات في حياتهن الزوجية، ومعنفات؟ (مع أن كونهن كذلك لا يعيبهن بحال من الأحوال).تقول السيدة بيرتران أنها مستقرة في زواجها، وزوجها لا يتفهم عملها وحسب، بل هو مساند له بقوة. لديها بنتان، وهي سعيدة في حياتها الأسرية.التفتت إلى هذه القضية الهامة، أي حماية النساء المعنفات، حين لاحظت مرة كيف تعرضت امرأة إلى عنف شديد في الشارع دفعها إلى اتخاذ قرار بالعمل على مناهضة هذا العنف. من هنا بدأت في ظروف كان الناس يعتقدون أن العنف ضد المرأة هو سلوك شخصي وأمر أسري لا يجب التدخل فيه. إلا أن العمل المواظب في شرح هذا العنف وآثاره تمكن أخيرا من اقتناع الناس أن العنف ضد المرأة هو شأن مجتمعي، وليس شأنا شخصياً.ليس العنف ضد المرأة أمراً خاصاً بمجتمع دون آخر، تؤكد السيدة بيرتران، بل هو شائع في جميع المجتمعات، حيثما ذهبت ستجد أن المرأة ما زالت مواطنة من الدرجة الثانية.لكن، أليست مناهضة العنف ضد المرأة هي دعوة إلى "الإنحلال الأخلاقي"؟ وألم تؤدي الخطوات الهامة التي أنجزتها بعض الدول الغربية إلى تفشي الفساد الأخلاقي؟ وفق ما يروجه دعاة العنف تحت مسميات شتى مثل "التأديب" و"حماية الأخلاق" و"حماية الأسرة".. إذا كان هناك عنف، تؤكد السيدة بيرتران، فلا توجد أية قيمة أخلاقية يمكن لها أن تكون مبررا له. العنف لا أخلاقي بحد ذاته.بالتأكيد هناك اختلافات بين منظوري وزوجي إلى الحياة، تقول السيدة بيرتران، وبين منظور بناتي مثلا. الجيل الحالي ينظر إلى الزواج بسهولة أكبر مما ننظر إليه نحن، وقد يتخلون عنه بسبب مشكلات يمكن تجاوزها برأينا بأشكال مختلفة مثل الحديث والحوار والصبر. وربما هذا لا يعجبنا. لكن هناك فرق كبير بين أن تكون الأسرة متماسكة بقيود أخلاقية داخلية ويبن أن تقوم على العنف أيا كان شكله.قد لا تعجبني بعض الأخلاق الجنسية السائدة الآن. لكن هناك مبالغات كثيرة في تصوير ذلك. في الواقع أن العلاقات الجنسية أصلا لا تشكل سوى جزء واحد من العلاقة بين الرجال والنساء. أنا من جيل مختلف، والواقع أنني لا أنظر بارتياح إلى ما يروج عبر التلفزيون بدون نظام. إلا أن ذلك أيضا لا يشكل سوى سبب جزئي من التغيرات الحاصلة. الواقع أن الحياة تتغير.لم يكن من السهل على السيدة مارلين أن تتحمل طويلا حواراً جاء بعد ثلاثة أيام حافلة بالنشاط. كانت متعبة بحق. مع ذلك لم تفارق ابتسامتها وجهها السمح. ولم تنسى أن تشير إشارة اعتزاز بالسيدات اللواتي حضرن الورشة، سواء من حيث اهتمامهن الجدي، أو من حيث تجربة بعضهن التي بدت مميزة، رغم عائق اللغة، إذ كانت الورشة تتم عبر الترجمة الفورية. متمنية فعلا لو أنها استطاعت أن تقدم أكثر.. مارلين بيرتران، سيرة ذاتية: في السابع والعشرين من كانون الثاني 2004، أعلن عن ترشيح مارلين بيرتران للوسام الكندي تقديراً لعملها في مجال منع العنف والتدخل الأسري. لقد لعبت مارلين على مدى عقدين من الزمن دوراً رائداً في مجال العنف ضد المرأة، فمن حركة حماية شعبية إلى تطوير أوسع شبكة خدمات مجتمعية مستمرة في البلاد، لم تتوقف مارلين بيرتران عن الدفاع عن المرأة وعن الوكالات التي تقدم خدماتها للنساء.
بدأت مارلين هذا العمل في بداية الثمانينيات عندما لعبت دوراً فعالاً في جمع الأموال وحشد دعم المجتمع من أجل دار حماية للنساء في براندون، مقاطعة مانيتوبا. حدث ذلك في وقت كان ينظر فيه إلى العنف الأسري على أنه مشكلة خاصة. بعد ثلاث سنوات من إدارة دار الحماية في براندون، عينت مارلين بمنصب مديرة "أسبورن هاوس" في مدينة وينييبنغ. أثناء توليها هذا المنصب قامت مارلين بتطبيق خطة استراتيجية نتجت عنها تسهيلات جديدة لدار الحماية أدت إلى توسيع صلاحيتها لتشمل خدمات وقائية.في عام 1998 نالت مارلين بيرتران جائزة المرأة المتفوقة بخدمات المجتمع ثناء على التزامها الدائم بمساعدة الأسر الواقعة في شرك دوامة العنف. ومنذ عام 1992 أصبحت مارلين مديرة برنامج منع العنف الأسري في دائرة الخدمات الأسرية والسكان في مقاطعة مانيتوبا، حيث يقوم هذا البرنامج بتقديم السياسة والتوجيهات العامة إضافة إلى التمويل لـ 35 وكالة في كافة أنحاء المقاطعة. وقد شملت إنجازات هذا البرنامج خلال فترة تولي مارلين للإدارة زيادة تمويل الوكالات الخارجية، وزيادة الرواتب والعائدات لمقدمي الخدمات، وتطوير المعايير لضمان جودة الخدمات المقدمة، والعمل مع المجتمع على تطوير خدمات جديدة كمراكز زيارة الأطفال الخاضعة للإشراف ومراكز تقديم الإرشاد للأزواج ومراكز مساعدة الرجال. إضافة إلى ذلك فقد أنشأت مارلين بيرتران علاقات هادفة مع دوائر حكومية وجماعات مدنية أخرى من أجل التخفيف من تجزئة الخدمات وضمان استمرارية الخدمات لمساعدة النساء في تأسيس حياة خالية من الظلم.وتعبيرا عن الامتنان لعملها تم ترشيح مارلين بيرتران من قبل زملائها لجائزة مانيتوبا للريادة في تميز الخدمات، والتي حصلت عليها في العام 1999. وفي عام 200 اختار قسم الاقتصاد بجامعة مانيتوبا برنامج منع العنف الأسري كونه أحد البرامج التي، في آن واحد، تعمل بشكل جيد وينظر إليها بصورة إيجابية من قبل الوكالات الممولة.خلال حياتها المهنية شغلت مارلين عضوية العديد من مجالس إدارة ولجان المجتمع. فهي عضوة منذ مدة طويلة في مجلس ريزولف مانيتوبا، وقد شاركت في مشروعي بحث هامين مع المركز كاستشارية رئيسية في دراسة العنف في الجيش، وكأحد المحققين الأساسيين في الدراسة المطولة قيد الإعداد حول النساء ودور الحماية. كما كانت مارلين بيرتران واحدة من ثلاثة أشخاص تم تعيينهم من قبل حكومة مانيتوبا عام 1998 في اللجنة المسؤولة عن تنفيذ توصيات تقرير شولمان المتعلق بالعنف المنزلي. أما على الصعيد الوطني فتشارك مارلين حالياً في رئاسة مجموعة عمل اتحادية/اقليمية/مناطقية حول العنف الأسري، كما تقوم بالتشاور مع المقاطعات الكندية بشأن تطوير المباني الآمنة والبرمجة الفعالة لخدمات المرأة.وقد دعيت مارلين بيرتران، بصفها خبيرة في مجال العنف الأسري، لإدارة عدد من المبادرات الدولية. وهي تعمل منذ عام 1998 مع الممثلين الرئيسيين لسانت لوسيا من أجل مساعدة الدولة في تنسيق الرد على العنف المنزلي وتطوير دور حماية النساء، وقد شاركت مؤخراً في عمل مشابه في كل من ترينيداد وجاليسكو بالمكسيك.
بسام القاضي، مشرف فريق عمل نساء سورية، (مارلين بيرتران، خبيرة حماية المرأة من العنف: العنف لا أخلاقي بحد ذاته)خاص: نساء سورية |