|
التوقيف الاحتياطي.. إلى متى يستمر؟! |
|
|
|
المحامي محمد علي صايغ
|
|
2008-02-23 |
إذا كان التوقيف الاحتياطي تدبير احترازي نصت عليه التشريعات الجزائية في مختلف الدول، فان تلك التشريعات قد حددته بمده محدده لوضع حد لاستخدامه بما لا يتوافق مع طبيعته المؤقتة، وعلى أن تتوافر قرائن واضحة على ثبوت ارتكاب الفاعل للفعل الجرمي وبالحدود التي رسمها القانون.
ولقد اخذ التوقيف الاحتياطي في الآونة الأخيرة منحى آخر بحيث أصبح كل من يتقدم بالشكوى يعرض المشتكى منه للتوقيف الاحتياطي! حتى غاب الدليل في معظم الأحيان! مما دفع ضعاف النفوس إلى أن يستخدموا هذا التوجه وسيلة لتقديم ادعاءات كيديه بهدف الضغط والإساءة والانتقام فقط. ومعظم هذا النوع من الشكاوى تقوم على ادعاء كاذب بالسرقة أو ادعاء بالتهديد بالقتل مثلا، أو خلاف مدني أو دين يتم تحويله إلى خلاف جزائي أو خلاف زوجي يغلف بجرم أخلاقي.... الخ. ونتيجة للعدد الهائل لتلك الشكاوى فإن النيابة العامة تعتمد على ضبوط الشرطة التي تفتقد في بعض الأحيان إلى الدقة والمصداقية، والمعتمدة غالبا على أقوال الشاكي، ليتم توقيف المشكو منه بناء على أقوال الشاكي دون التقصي عن مدى صحة هذه الأقوال (مثل الشهود والأدلة الأخرى...) مما ينجم عن ذلك بقاء المشكو منه رهن التوقيف الطويل الذي، في العديد من الحالات، يتجاوز مدة موقوفيته، هذا إذا لم يكن التوقيف قائم أصلا على الشكوى الكيدية كما أسلفنا. ولابد من الإشارة إلى أن نسبة الموقوفين في كافة السجون تتراوح بين (80% إلى 85 %) من مجمل النزلاء! في حين أن المحكومين لا تتجاوز نسبتهم (15 % إلى 20 %)! ولا يخفى على احد الآثار السلبية الناجمة عن ارتفاع نسبة الموقوفين سواء بمنعكسانها السلبية على الموقوف وأسرته، أو بما تشكله من عبء مادي على ميزانية الدولة. الأمر الذي يظهر الأهمية الخاصة للتوقيف الاحتياطي وآثاره على الدولة والموطنين. ونرى أنه لا بد من اتخاذ الإجراءات التالية للحد من هذه المشكلة: أولا – تفعيل نص الفقرة الثانية من المادة / 117 / أصول جزائية والتي تنص على وجوب إخلاء السبيل بعد خمسة أيام من التوقيف في الجنح التي لا تتجاوز الحد الأقصى للعقوبة فيها مدة السنة. ثانيا - التنسيق بين السيد المحامي العام وقيادة الشرطة كبداية أولى من أجل توجيـــــه الأقسام بضرورة توخي الدقة وتقصي الحقائق والتوسع في التحقيق عند كتابة الضبوط، وذلك لما لضبط الشرطة من تأثير في إثبات وجود الجرم وتقرير التوقيف من عدمه. ثالثا – لقد أصبح ملحا الإسراع بندب قاض لكل قســـم من أقسام الشرطة للبت فـــي موضوع الضبـــوط، بهدف الإفراج عن، أو ترك من يحتجز بشكل غير قانونــــي أو بسبب كيـدي. مما يخفف العبء على القضاء والمواطنين رابعا – عدم اللجوء إلى التوقيـــف في حالات: السير، السكر العلني، التشرد.... الخ. إلا في حال التكرار. واستبدالها بعقوبات استبدالية كالغرامة. وذلك لان التوقيف الاحتياطي في مثل هذه الحالات وغيرها، وكما أثبتت التجربة العملية، لا يؤدي إلى الردع المطلوب. في حين أن الحكم بالغرامة المناسبة، وتنفيذها بشكل فوري يؤدي إلى تخفيف العبء المالي والإداري على الدولة، ويحقق إيراداًً لها، عدا ما يمكن أن يحكم به لجبر الضرر اللاحق بالمواطنين، كما ويقلل من حالات التوقيف وآثارها. خامسا – ما زال بعض الأطفال يتعرضــون للتوقيف الاحتياطــــــــي داخل السجون في غياب معاهد الرعاية والتأهيل، أو لعدم قدرة هذه المراكز على استيعاب العدد الكبير منهم نتيجة استمرار التوقيف لهم بسبب ضغط العمل في القضاء وخاصة قضاة التحقيق. ولحل هذه الإشكالية نرى أن إحالة الحدث مباشرة (بإصدار المرسوم اللازم) إلى محكمة الأحداث يقلل من إجراءات الدعوى والتقاضي، إضافة إلى انه مازال بعض الأطفال يتعرضون أحيانا، بسبب غياب شرطه خاصة بالأحداث، لإساءة المعاملة، أو يعاملون معاملة الكبار ويتواجدون مع الكبار في بعض مراكز الاحتجاز، أو في ملاحق خاصة بهم في هذه السجون خاضعة لأنظمة الكبار. وفي دراسة ميدانيه أجريت للأحداث تبين أن نسبة 38،29 % من الأحداث تعرضوا لسوء المعاملة من قبل الشرطة. لذلك لابد من إحداث (قسم شرطه) خاص بالأطفال الأحداث يتم اختيار عناصره بعناية ويخضعون لدورات تدريبيه خاصة بالتعامل مع الأحداث. إن هذه الإجراءات لا تغني عن ضرورة تعديل العديد من القوانين التي أصبحت بحاجه إلى تعديل أو إلغاء، وهي لم تعد تواكب التطور الحاصل في البلد، وبما يضمن تحويل بلدنا إلى دولة مؤسسات تحكمها سيادة القانون ويكون فيه القضاء ضمانه للمواطنين ومحلا لثقتهم.
المحامي محمد علي صايغ، (التوقيف الاحتياطي.. إلى متى يستمر؟!) خاص: نساء سورية |