في بلد لا تزال تتبع في زراعته, التي هي عماد اقتصاده, الأساليب البدائية بدءا من الزراعة والري وحتى الجني, في هذا البلد الذي يحتاج عملا دؤوبا من المهندسين الزراعيين بشكل خاص, يتم فيه تهميش دورهم عبر التعيين كما عبر البطالة المقنّعة!
وفي مثل هذا الوقت من كل عام, تحلّ على المهندسين ذكرى المرسوم الخاص بفك التزام الدولة بتعيين المهندسين عامة, في الوقت الذي ينتظرون فيه على أحر من الجمر صدور قرار تعيينهم مهندسين ومهندسات, وان في محافظات بعيدة عن أماكن إقامتهم أو إقامتهن, كما جرى في السنوات السابقة حيث تم على سبيل المثال فرز أعداد لا بأس بها من المهندسين الزراعيين الى المنطقة الشرقية, دون أن يكون هنالك أية حوافز لتكبدهم مشقة السفر و الإقامة هناك, وذلك أسوة بالمدرسين المعيّنين في تلك المنطقة!
وبالطبع فان الكثيرات من هؤلاء المهندسات سيلجأن للزواج ليتم نقل عملهن الى مكان إقامة الزوج, كما سيلجأ عدد آخر من المهندسين للسعي بكافة السبل, المشروعة وغيرها, من أجل الانتقال عائدين الى محافظاتهم, وبذلك فان هذه المنطقة الذاخرة بالمحاصيل الإستراتيجية والهامة التي لا يكف الإعلام السوري عن تعدادها بغنائية لافتة ألا وهي القمح والقطن والشوندر السكّريّ, يتم حرمانها من الاهتمام والتطوير اللازم!هذا التعيين العشوائي, دون حساب النتائج التي صارت معروفة للجميع, يؤدي الى حاجة لهؤلاء المهندسين حيث يجب أن يكون هنالك عمل, وفائض, أو ما بات يدعى ببطالة مقنّعة حيث يكثرون دون أن تكون هنالك أية حاجة لعملهم!كذلك فان العشوائية في التعيين سبقها إقرار عشوائي لقانون الاستيعاب الجامعي الذي أقر دون دراسة كافية لحاجات المجتمع, ودون دراسة لأعداد الخريجين اللازمة للنهوض بكل قطاع من القطاعات الاقتصادية, ودون توفير الحوافز والخدمات المناسبة التي تمكّن الخريجين من أداء عملهم على أفضل وجه, بعد وضع كل منهم فرزا الى المكان الذي يحتاج الى قدراته!ولتكتمل الفوضى أتى قرار فك الالتزام الشهير في عزّ الامتحانات النصفية كما يذكر الجميع ولم يطل مفعوله فقط طلاب السنوات الدراسية الخمس والذين سجلوا أملا في التعيين أيا يكن معدّلهم, بل طال أيضا الخريجين الذين لم يكن يفصلهم عن قرار التعيين شهر واحد!أعداد كبيرة من المهندسين وجدت نفسها تبحث عن خلاصها في سوق العمل الذي لا يرحم, متخبطة أيما تخبط, بحثا عن فرصة معقولة, حتى أن الكثير من الوظائف المؤقتة التي يتم قبول الشهادات الأدنى فيها لم تعد تقبل المهندسين حتى وان رضوا هم بها, وذلك تحت حجج وذرائع كثيرة, منها عدم ملاءمتها لهم ولمكانتهم الاجتماعية, أو خوف صاحب العمل أن تأتي الوظيفة للمهندس يوما فيترك العمل لديه ويتضرر هو, وهكذا تحولت شهادة الهندسة في هذا البلد الى عبء على صاحبها!لا بل أضيف الى ذلك كله الرسوم الشهرية المرتفعة التي يجب سدادها الى نقابات المهندسين, تصل في نقابة المهندسين الزراعيين الى ما يقارب الألف ليرة شهريا, فقط للحصول على ورقة ضرورية لاستكمال الأوراق عند التقدم الى أية وظيفة عامة أو خاصة, دون أن يكون هنالك أية خدمات تقدمها النقابة, قروضا أو أراضي لاستثمارها بشكل جيد مهنيا بما يعود بالنفع على ميزانية النقابة, ودون أن يكون هنالك في أغلب الأحيان مقهى خاص بالمهندسين لتبادل الخبرات والأخبار حول العمل وسواه!ورغم أن نقابة المهندسين الزراعيين على سبيل المثال تقوم بصرف راتب خاص يمنح لمهندسيها بعد سن التقاعد سواء للمتقاعدين أو زملائهم من ذوي الأعمال الخاصة, فان المهندس غير المعيّن مطالب منذ تخرجه والى ذلك الحين بسداد هذا القسط الشهري المرتفع دون أن يكون لديه راتب يستطيع الاعتماد عليه, بل ودون أي دعم حقيقي من نقابته التي يتلخص دورها في مطالبته بسداد الأقساط مذكرة إياه بالفوائد المترتبة عن كل شهر من التأخير!أما بالنسبة للمهندسات غير المعيّنات فيضاف الى جميع ذلك معاناتهنّ الاجتماعية كنساء لا يتاح لهنّ البحث عن العمل إلا في ظل المضايقات الكثيرة التي تقيّد عمل المرأة في مجتمعنا, فهي امرأة, وهي في الآن ذاته مهندسة, والصفتان عبء كبير يجعلها تتردد كثيرا قبل القبول بأي وظيفة كما قد يجعل صاحب العمل الخاص يتردد في قبولها وان بأجر أقل من أجر الرجل, وفي أعمال ليس لها علاقة بدراستها الأكاديمية, فترى نفسها مدفوعة دفعا للبطالة, ولانتظار فرصة الزواج في منزل ذويها مستخدمة كتب دراستها الجامعية التي لا تقل عن ستين كتابا في "لفّ السندويش"!ووسط وعود أصبحت شبه أكيدة بأن خريجي هذه السنة من كليات الهندسة سيكونون آخر دفعة سيتم تعيينها حسب المعدّل, وأنه بدءا من السنة القادمة سيتم توظيف الخريجين وفقا لمسابقة تعلنها رئاسة مجلس الوزراء وحسب الحاجة, سيكون من الواجب التساؤل, أي حاجة هذه؟ وهل يتم دراسة هذه الحاجة منذ الآن؟ وما دور النقابات المعنية في كل هذا؟ وأسئلة أخرى كثيرة, فهل من مجيب؟
هنادي زحلوط, عضوة فريق عمل "نساء سورية"( خريجو كليات الهندسة..الى أين؟) خاص: نساء سورية |