|
د. لين غرير
|
|
2008-02-23 |
راقبته وعيوني شبه غافية وهو يضع اللمسات الأخيرة على هندامه.. ثم يرش جسده بعطره المفضل ويسرح شعره الجميل ويلقي النظرة الأخيرة على حسنه قبل أن يخرج من البيت.. كان يظنني نائمة أو هكذا أردته أن يظن.. عندما صفق الباب خلفه رفعت غطائي وجلست..
علائم الغضب منه والشفقة عليه تتصارع على ملامحي فتارةً أزم شفتيّ غضباً وتارةً تتلاقى رموشي في إغماضةٍ ترافق تنهيدة حزناً على هذا الرجل الذي فقد كل أملاكه في قلبي.. حزناً على نفسي .. على حلمي به وشعوري الذي احتضر يوماً بعد يوم حتى مات تماماً بعد أن دخل منذ سنواتٍ في سباتٍ طويل.عندما تزوجته كان جماله الآسر مثار غيرة كل الفتيات مما أثار غيرتي عليه, أحببته حتى العبادة وشربت عشقه حتى ارتوى فؤادي, ومع حبي له وجاذبيته الصامتة كانت الغيرة تلعب بعواطفي وتصرفاتي لعبتها المفضلة. كنت أعلم أنه سعيدٌ بها رغم تأففه منها. في كل يومٍ أعيشه مع رحلي هذا أكتشف فيه مزيداً من الفراغ الذي يحتل أعماقه.. مزيداً من الكسل و اللامبالاة , من حب الذات والأنانية. زوجي الجميل لا يعرف شيئاً من الدنيا سوى أنه جميلٌ وقادرٌ بإشارةٍ من عينيه أنم يجر وراءه حبلاً من النساء الطامعات الراغبات بكلمة أو لمسة. زوجي الأنيق نظيف المظهر فارغ الباطن, تملأ قلبه خيوط العنكبوت لأنه لا يضمّ سكاناً.فالقلب الخالي من الأحبة الناس لا يجد من ينظفه ويعتني به , فيصبح مهجوراً يأكله غبار الأنانية والطمع. أف.. من أفكاري الصباحية المزعجة. تركت سريري الذي بتّ أكرهه لأنه يجبرني على البقاء ساعات بجانب هذا الرجل, والمضحك أن الكثيرات يحسدنني على ما يظنونه نعمة وأجده أنا جافاً , بارداً, خشناً. تذكرت أول سنواتي معه عندما كنت أركض إلى سريري محتميةً بصدره العريض من صقيع الشوق.. أغلف جسدي بأنفاسه وأترك حواسي كلّها في أمره يتصرف بها كما يهوى. كنت سجينة جماله, وكان حظي السيئ قد جعلني زوجته لأكتشف كم من الغباء أن ننظر إلى الأشكال ونجعلها تعمي بصيرتنا عن الأعماق. مشيت نحو المطبخ أعد لنفسي فنجان قهوة لعله يبعدني قليلاً عن أفكاري ويأسي. يرن الهاتف.. أرفع السماعة: ألو..ألو.. وتتركني الألو دون إجابة. أغلق السماعة دون اكتراث, أرفع كتفي معلنة ًعدم الاهتمام.. معاكساتٌ له ما عادت تعني لي شيئاً, حتى أنني أشك في أنه هو المتصل ليشعل رماد غيرةٍ خمدت منذ زمن. الماء يغلي, أسرع إلى المطبخ, أقف ممسكةً بالملعقة أحرك القهوة وأسرح بأفكاري.. منذ أيام اشتدّ غضبه على أمرٍ سخيفٍ لا يستحق, وعندما سألته لماذا هو غاضب كان جوابه مضحكاً بالنسبة لي: ما عدت تغارين عليّ.. لماذا لا أراكِ تفتشين ثيابي؟ أين ذهبت نظرتكِ المستفَزَة عندما كنت تحاولين كشف عطرٍ نسائي يغطي عطري؟؟ ضحكت حينها سخريةً ولم أتكلم.. تابعت عملي صامتةً فأي كلامٍ أقوله سيشعل حرباً بيننا. أأخبره أنني ما عدت أبالي لأنه بحماقته وقسوة طباعه خسر حبي!؟.. أ أقول له أن غروره الداخلي غطى على لمعانه الخارجي, فصار شكله بالنسبة لي زجاجاً شفافاً يكشف أعماقه السيئة مهما كان مزخرفاً وملونا.ًعندما يصبح الجمال هو الميزة الوحيدة لإنسان تكون أرخص لوحة أفضل منه.. لأنها تحكي الجمال بصمت وتؤدي دورها الذي وجدت لأجله.أما الإنسان فإذا لم يكن معجوناً بالعاطفة .. بالمشاعر.. ببعض الصفات الإنسانية فهو أشبه بالشبكة الممزقة لا تستطيع جمع المحبة وصيدها لأن كل سمكة تعلق بها قليلاً ثم تجد مخرجاً بسرعة لتنطلق إلى البحر الواسع, وكنت أنا تلك السمكة الوحيدة التي ظنت أنها بالحب تنجز المستحيلات, فربطت نفسي بالشبكة إلى الأبد, وحاولت أن أعلمهُ الصدق.. الأمانة.. الإحساس لكنني فشلت.. أعترف أنني فشلت وتقهقر حبي يجر وراءه ذيول الخيبة, فما عدت أؤمن به. لم أعد أرى زوجي جميلاً, بل وتثير سخريتي نظرات الإعجاب التي أراها في عيون النساء من حوله. أتمنى أن أمنحهم مكاني واحدةً تلو الأخرى لعل الاكتشاف يكون مذهلاً بالنسبة لهنّ, لعل نظراتهن تتحول عنهُ لتوجهني بالشفقة.ولمّا كانت هذه الرغبة مستحيلة فقد قررت أن أتنازل عن جمالهِ لهنَّ , وألتفت أنا إلى نفسي محافظةً عليها من أحاسيس الغيرة والحب ومعلنةً انسحابي من كل مشاعر الروح ليبقى جسدي قادراً على تحمّل البقاء تحت سقف واحد مع زوجي الجميل.
د. لين غرير، زاوية "بين السطور"، (زوجي الجميل) خاص: نساء سورية |