|
زواج أبناء الطوائف... شيفرة للحب والموت والعار: جريمة وعقاب.. تحت سقف القانون (1-2) |
|
|
|
جديع دوارة
|
|
2008-02-23 |
دُفنت ثناء (27 سنة) دون صلاة، جمع ذووها ثيابها وصورها وكل ما يخصها وأحرقوه (بأرض الدار). واتفقت العائلة على عدم ذكر اسمها. يروي شقيقها(ع) 29 سنة تفاصيل استدراجها إلى القرية إثر معرفتهم بزواجها من خارج الطائفة. ويضيف (كانت تجلس بتلك الغرفة، دخلتُ وأخذت أضربها وأدق رأسها بالجدار حتى ماتت). يصمت برهة ثم يضيف: (حين سلّمت نفسي لمخفر الشرطة قلت لهم عبارة واحدة: إصبعي عاب وقطعته).
قضى(ع) ستة أشهر في السجن، هي مجمل العقوبة التي حُكم بها، وقال بأنه (غير نادم) لقتله شقيقته التي ربطته بها علاقة مميزة انتصاراً (لكرامة العائلة)، مستفيداً من قانون العقوبات الذي يمنح أحكاماً مخففة للقتل (بدافع الشرف). بموازاة هذه الخصوصية في فهم (الكرامة والشرف)، فإن مختلفي الدين لا تزوجهم المحاكم الروحية للطوائف المسيحية، ولا المحكمة المذهبية الدرزية، والمادة 48 من قانون الأحوال الشخصية للمحاكم الشرعية تعدّ زواجهم باطلاً (زواج المسلمة بغير المسلم باطل)، مما يضطرهم إلى إشهار إسلامهم لتجاوز المنع القانوني، لكن اتباعهم للإجراءات القانونية تلك لا تحميهم من الملاحقة والقتل.يقتلون.. منع الزواج المختلط لا يتوقف فقط على قانون الأحوال الشخصية السوري الصادر عام 1953، فكل الدول العربية تمنعه. وتونس هي الاستثناء الوحيد عربياً التي تعتمد قانوناً مدنياً موحداً يطبق على الجميع، وأيضاً تركيا كواحدة من الدول الإسلامية تعتمد الزواج المدني. وثناء الطالبة الجامعية ليست الوحيدة التي تُقتَل لزواجها من خارج الطائفة، فقد قتلت زميلتها هدى في آب 2005، على يد شقيقها (ف) 53 سنة، سجن ستة أشهر، ثم خرج بكفالة وما تزال محاكمته جارية، وقال دون تردد: (الزواج من خارج الطائفة خط أحمر لن نسمح بتجاوزه). وفي العراق قتلت دعاء(17سنة) رجماً حتى الموت، في قرية قرب الموصل مطلع نيسان 2007 للسبب ذاته (1). (قانون العقوبات السوري يعفي الأهل في حالة القتل باسم الشرف، ويدرجون عمليات القتل لنساء تزوجن من دين مختلف تحت هذه التسمية)، الكلام للمحامية دعد موسى، المهتمة بقضايا المرأة. وتضيف: (يجب شطب المواد الثلاث، المادة 192 التي تعطي القاضي صلاحية تخفيض العقوبة إذا تبين له أن وراء القتل دافعاً شريفاً، والمادة 242 التي تبيح القتل بثورة الغضب والاستفزاز( يستفيد من العذر المخفف فاعل الجريمة الذي أقدم عليها بسورة غضب شديد ناتج عن عمل غير محق وعلى جانب من الخطورة أتاه المجني عليه). والمادة 548 تعفي الرجل من أي عقوبة إن قتل امرأة من الأصول أو الفروع حتى الدرجة الرابعة وقتل شريكها بحالة الزنى المشهود، والفقرة الثانية منها تخفف العقوبة في حال وجدهما بحالة مريبة). تتابع موسى: (مع وجود هذه القوانين هناك خروق ترتكب في التطبيق، المادة تشترط الجرم المشهود أو ثورة الغضب، والقاتل يكيف أقواله كما يريد مادامت الضحية ماتت. وتقرير الشرطة يعتمد بلاغ الجيران، والتحقيق يكون سطحياً، فأي استفزاز أو أي زنى مشهود حين يستدرج الأهل ابنتهم، أوحين يتربصون بها أشهراً وسنوات..!؟). تضيف موسى: (الحماية القانونية هي لبنة أساسية، لمنع هذه الجرائم، فحين تصدر أحكام تتناسب مع فظاعة الجرائم المرتكبة فإنها ستشكل درساً للآخرين ورادعاً للفاعلين المحتملين). المحامي والقاضي السابق نزيه معلوف له رأي مختلف، فقد قال: (الأحكام المخففة تعود لاجتهادات القضاة وتقديراتهم، المادة 192 لا تقول إن تلك الجرائم هي بدافع شريف، ولا يوجد في القانون ما يحدد الفعل الشريف أو غير الشريف..! لكن القضاء حصر عبر الممارسة الدافع الشريف بقتل النساء). وانتقد معلوف اجتهادات القضاة ووصفها بـ (الرجعية والمتخلفة هدفها السيطرة على المرأة وإخضاعها). وأضاف: (يأتي قاضٍ يحمل عقلية متزمتة ورجعية، فيفسر ويجتهد وفق عقليته ويصبح ذلك قانوناً يتبعه الآخرون). فيما صرح أحد قضاة التحقيق الجنائي (رفض ذكر اسمه): (إذا ثبت أن القاتل قتل لدافع شريف يستفيد من العذر المخفف، حتى لو تبيّن فيما بعد أن ظنونه غير صحيحة، وأنه لم يكن هناك ما هو غير شريف).يطاردون.. (أحياء مع وقف التنفيذ)عبارة قالتها (س) 40 سنة، لتكثف من خلالها معاناتها منذ غادرت بيت أهلها قبل 14 سنة، لتقترن بشاب من طائفة مختلفة. تعيش الآن مع زوجها وطفليها بكثير من السرية والحيطة، في حين يعتقد أهلها أنها مسافرة لبلد أجنبي، تقول: (بالبداية كنت لا أخرج إلا نادراً، ولا أرتاد مناطق أتوقع وجود أهلي أو أقاربي فيها). تتابع (س) والأسى يرتسم على وجهها: (كنت أعرف المخاطر المترتبة على زواجي، لكني لم أعرف بالضبط ماذا سيكون عليه موقف إخوتي الشباب، الخروج على قيم مجتمعٍ بكامله ليس بالأمر السهل، القوانين لا تحميني ولا تحمي عائلتي). (س) وأسرتها واحدة بين حالات عديدة يطاردها هاجس القتل وتعيش متخفية بين ظلال المدن الكبيرة، فالزوجان (ب /ع) اقترنا منذ نحو ستة أعوام إثر قصة حب عاصفة، انتقلا ليعيشا بسلام في مدينة أخرى، ورفضا إجراء لقاء صحفي، خوفاً أن يكون سبباً لوصول أهل (ب)إليهما. فيما يحاول الزوجان(ت/ف) الهجرة إلى كندا، تجنباً لاحتمال القتل بسبب اقترانهما الذي مازال طيّ الكتمان. ومن ألمانيا اتصلت زوجة سورية مراراً تسأل صديقتها(م) للحصول على نسخة من المادة الصحفية/أثناء تحريرها/ لتتمكن من تقديمها للجهات المعنية هناك للحصول على حق اللجوء الإنساني، وذلك إثر (هروبها) مؤخراً مع زوجها المنتمي إلى طائفة أخرى، خوفاً من القتل. أما قصة (ر) الطالبة الجامعية التي اختفت من قريتها منذ نحو 7 سنوات فتختلف قليلاً. يقول ابن عمها المدرس(رامز) 40سنة: (تعرفَتْ في الجامعة على شاب من طائفة أخرى، تزوجا و(هربت) معه إلى (حلب) وعاشا وسط بيئة أهل الزوج، لكن والد (ر) تعقبها بقصد قتلها، ووصل إلى العنوان بعد بحث سنوات، اكتشف زوجها الأمر وهدده بمساعدة معارف متنفذين، وجعلوه يعود أدراجه). مستشار قضائي في وزارة العدل (رفض الكشف عن اسمه)، قال: (جريمة الشرف ليس لها وقت محدد، يمكن أن ترتكب في أي وقت..!).يغيرون دينهم.. ليتمكن مختلفو الدين من الزواج يلجأ بعضهم إلى تقديم طلبات إشهار إسلامهم، قام بذلك 450 شخصاً في عام 2006 وفقاً لدائرة الشؤون المدنية بوزارة الداخلية، (قامت بالإحصاء للمرة الأولى بناء على طلب من كاتب المادة). لكن ليس كل الطلبات تلقى الموافقة، السيدة سلوى نحاس أمينة سر مجلس محافظة ريف دمشق (مجلس تغيير الأديان) قالت: (لدينا في ريف دمشق 54 طلب إشهار إسلام عام 2006، رُفض منها 21 طلباً لأسباب متعددة. في الجلسة الماضية رُفض طلب لرجل مسيحي، والسبب أنه لا يحفظ حتى سورة واحدة من القرآن..). السيد (ن)42 سنة، تقدم للزواج بشابة تنتمي إلى دين آخر، اشترط والدها إشهار(ن) لإسلامه، فقبل وتقدم بطلب إلى المجلس البلدي في بلدته (قطنا)، وافق المجلس مبدئياً على طلبه (يشكل المجلس عادة من شيخ دين مسلم وطبيب ومدير المنطقة، ويدعى إليه الممثل الروحي لطائفة مقدم الطلب، الذي لم يحضر وفقاً للنص الحرفي لصيغة الطلب). ولكن لم ينته الأمر هنا، فالجهات الأمنية لم توافق على طلبه، وبما أن تغيير الدين لا يتم دون الموافقة الأمنية، فإن (ن) وزوجته ينتظران مولوداً، وزواجهما ما زال غير معترف به، وقضيتهما ما زالت أمام القضاء..؟ أما ما حصل مع السيد رزق الله حنوش بسبب زواجه المختلط فهو العكس تماماً، إذ (أصبح مسلما رغماً عنه)، هذا ما تقوله المحامية ركنية شحادة وتضيف: (أقامت عليه زوجته (المسلمة) دعوى لتثبيت زواجها منه، ادعت أنه نطق بالشهادتين أمام أشقائها. وبرغم إنكاره لذلك وإعلانه أمام المحكمة الشرعية أنه (نصراني) ومتمسك (بنصرانيته)، فقد خسر دعواه، نتيجة زعم الأشقاء أنه نطق بالشهادتين أمامهم. وقضت المحكمة الشرعية بتثبيت إسلامه وبتسجيله مسلماً رغماً عنه، ولم يستفد لا من الطعن ولا من دعوى المخاصمة، وفقاً للقرار الصادر عن الهيئة العامة لمحكمة النقض رقم 197 أساس 352 تاريخ 14/6/1999. لا يتوقف الأمر على الطوائف المسيحية، الموحدون الدروز أيضاً تطلب منهم المحاكم الشرعية وثيقة تغيير المذهب للسماح لهم بالزواج من باقي الطوائف الإسلامية. وهذا ما انتقده الباحث في مذهب التوحيد السيد نبيه السعدي، وعدّه ثغرة قانونية كبيرة، وأضاف (إن المادة 49 تقول (زواج المسلمة من غير المسلم باطل) فكيف يطلب ذلك من الموحدين وهم مسلمون بموجب القانون رقم 411 الذي يحدد الطوائف الإسلامية، ومن ضمنهم الموحدون..!).يطلقون لاختلاف الدين.. يعرض المحامي (خليل معتوق) أوراق القضية (رقم 997 أساس 8741/96)، إذ حكمت المحكمة الشرعية بدمشق بانفصال زوجين رغماً عنهما، يقول معتوق: (رجل مسيحي تزوج بامرأة مسلمة، دون أن يغير دينه، أنجبا طفلتين، لكن دوائر النفوس الرسمية رفضت أن تسجل الزواج كما رفضت تسجيل الطفلتين أو الاعتراف بهما..!؟ نصحهما قاضٍ بان ترفع الزوجة دعوى على زوجها، تقول فيها إن الزوج خدعها بالقول إنه اعتنق الإسلام. وفعلاً قامت الزوجة بذلك، فحكمت المحكمة الشرعية بدمشق بفساد الزواج، وليس ببطلانه كي لا يعدُّ كل ما نتج عنه باطلاً، واعترفت بالطفلتين كنتيجة لزواجٍ فاسد، ونسبتْهما إلى والدهما وجنسيته العربية السورية، لكنها بالمقابل حكمت بانفصال الزوجين فوراً..!؟ وبإلحاق الطفلتين بدين أمهما وهو الإسلام لأنه (دين أشرف الأبوين ديناً)كما جاء حرفياً في صيغة الحكم). ويستغرب معتوق هذه الصيغة التي درجت المحكمة الشرعية على استخدامها في القضايا المماثلة، كما يستغرب الحكم بتفريق زوجين على خلاف إرادتهما، قائلاً: (المادة44 من الدستور تنص على أن (تحمي الدولة الزواج وتشجع عليه وتعمل على إزالة العقبات المادية والاجتماعية التي تعوقه..) مضيفاً: (إن هذا يخالف أبسط الحقوق والحريات الشخصية). السيد(ا) يصف قانون الأحوال الشخصية بـ (القراقوشي)، فالكنيسة رفضت تزويجه من (ر) لاختلاف الدين، وكذلك المحكمة الشرعية. يقول (ا): (أرفض أن أجبر على تغيير ديني لأتزوج المرأة التي أحب، أليس من حقنا أن نتزوج ويبقى كلّ منّا على دينه؟). لقد وجد الزوجان طريقةً لتسجيل زواجهما، إذ تحايلا على قانون الأحوال الشخصية لكنهما يخشيان التصريح بالطريقة، خوفاً من دعوى تفريق (يستطيع أي شخص أن يرفعها عليهما) كما يقولان. الزوجة (ر)/ماجستير علم اجتماع/ تقول: (لم يكن هناك مشكلة لدى أهلي، فليس لدى طائفتي نص ديني يمنع الزواج من دين مختلف، لكن المحاكم الشرعية، تمنع ذلك، وهنا المفارقة بأن النصوص الدينية متطورة على قانون الأحوال الشخصية..!). ما خشي منه الزوجان، حصل في الدعوى رقم5245 لعام 2006 التي رفعها مسؤول كبير لتفريق زوجين مضى على زواجهما 22 سنة..! وذلك بحجة اختلاف الدين، لكن الدعوى سقطت بالتقادم، وفقاً للوثائق التي عرضتها المحامية ركنية شحادة.
جديع دوارة، (زواج أبناء الطوائف... شيفرة للحب والموت والعار: جريمة وعقاب.. تحت سقف القانون (1-2))تنشر بالتعاون مع جريدة النور، (20/2/2008)
|