|
ندى ربيع
|
|
2008-02-23 |
كانت تسمع قبل أن تجيء إليها أنّها مدينةٌ من ضباب.. جمعت كلَّ ما تشبّعت به من الضّوء في طفولتها وصباها.. أحلَّته زاويةً في أعماقها.. واحتفظت به سرّاً مصوناً...
لم تكن تريد أن تستفزّ أحداً بإظهار ما تبطن؛ فقد كانت تعرف أنّ مدينة الضّباب ستلفظ من يحاول الخروج على قوانينها.. *****حين وصلت.. وجدتها حقًّا مدينةً من ضباب: أشجارُها وأرصفتها وأبنيتها كلّها بلون الرّماد.. وجوهُ أهلها غائمةٌ تكاد ملامحها تغيب؛ فأنت لا تدرك إن كان الوجه الّذي يصادفك مبتسماً أم متجهّماً، هادئاً أم غاضباً، محبًّا أم حاقداً..! كلام النّاس فيها مواربٌ.. حروفه من دخان؛ فأنت لا تعرف هل يعنون بكلامهم الشّيء أم نقيضَه، وهل يصدقون أم يكذبون، ولا تعرف إن كانوا يقولون ما يفكّرون به حقًّا، أم أنّهم يقولون ما يعتقدون أنّه يحقّق مصالحَهم..! أصواتُهم متشابهة لا حياة فيها.. وعيونُهم غيّبَ إشراقَها طولُ الغياب عن النّور... تذكّرت قول أحد أصدقائها وهو يودّعها: "في مدينة كتلك لا تبحثي عن صديق.. الجميع هناك منشغلٌ بترتيب أموره الخاصّة.. وهم يحذَرون بعضهم ولا يثقون أحدُهم بالآخر.. فافعلي مثلهم حتّى لا يستغلّ صدقَك أحد.. وفي تلك المدينة إيّاك أن تقعي في الحبّ فلن تحصدي غير الرّيح.. فالمشاعر لا تعني لأولئك النّاس شيئاً؛ إنهم مستعدّون لاستغلال أقرب النّاس إليهم ليصلوا إلى ما يريدون!". صدمها ما شاهدت في البداية.. غير أنّها تعوّدت مع مرور الوقت على التّعايش معه.. فيما كان يكبر بينها وبين نفسها توقٌ جبّارٌ إلى النّور الّذي جاءت منه، وإلى الهواء النّقي الّذي تعوّدت استنشاقَه. *****وفجأة ظهر في حياتها.. لم تكن تبحث عنه.. لم تكن تتوقّع حضوره.. وما كانت تريده أن يجيء.. حاولت تجنّبه طويلاً.. لكنّه اقتحم عالمها بإصرار.. اقترب منها كثيراً بهدوء وثقة.. فبدأت تتبيّن قسمات وجهه.. وبدأت تظنّ، رغم ما يحيط به من الغموض، أنّ في عينيه بريقاً حقيقيّاً مختلفاً.. تعوّدت على حضوره.. صار جزءاً من يوميّاتها الأليفة.. وحين اكتشفت أنّه غريب مثلها عن هذه الدّيار حسبت أنّها وقعت على كنز ثمين، وقرّرت أن تتشبّث به بكلّ ما تملك من قوّة، وبكلّ ما يستوطن أعماقَها من حنين جارف إلى شيء حقيقيّ ونبيل يذكّرها بالأرض الّتي نشأت فيها. ودون أن تتعمّد.. بدأت تفتح نوافذ قلبها.. أخذت تسمح لبعض ما اختزنته طوال تلك السّنوات أن يتسرّب إلى الخارج.. كانت تريد لما تحمله من الضّوء أن يغمره هو أيضاً علّه ينسى ألم العيش في مدينة الضّباب.. ويسمو معها فوق سحابة العتمة ليريا معاً ألوان الأفق البعيد.. كانت تراه مشدوداً يترقّب بلهفة ما يتكشّف له كلّ يوم.. يحرص أشدّ الحرص أن يحافظ على موقعه عندها.. يستفزّها أحياناً كي تطلق ما سجنته طويلاً خلف الأبواب المغلقة.. كانت تظنّ أنّ في عينيه محبّة وسعادة.. فأطلقت لنفسها العنان.. حرّرت نفسها من قيود كثيرة.. فأحسّت أنّها استعادت تلك الصّبية الّتي كانتها قبل أن تصل إلى تلك المدينة؛ بكلّ صدقها وبساطتها وتلقائيّتها.. *****انتبهت فجأة فوجدت عينيه مملوءتين بالذّعر.. تدارك الأمر بسرعة كعادته، وابتسم ابتسامته البريئة الّتي طالما صدّقتها.. وحين اطمأنّت من جديد، اقترب منها مرّة أُخرى "بهدوء وثقة"..ثمّ وجّه الطّعنة إلى موضع قلبها..!! وابتسم مجدّداً ببراءة جعلتها تظنّ للوهلة الأولى أنّ شخصاً غيره فعل ذلك..! لكنّها ما لبثت أن فهمت الحقيقة كلّها حين أدار ظهره إليها وهو يقول مبتعداً: "لم أهرب من هناك ليعيدني أحد.. كنت أعرف أنّكِ لا تنتمين إلى هذه المدينة، وأنّك تشكّلين خطراً عليها..". من بعيد رأته للمرّة الأخيرة؛ لم يكن رجلاً حقيقيّاً.. كان مجرّد رجل من ضباب يخاف أن تشرق عليه الشّمس فيتبخّر ويتلاشى..!! *****لم تمت، رغم الطّعنة القاتلة، نهضت من رمادها وقد عرفت أنّها "حصدت الرّيح" حقّاً!!... لملمت النّور المُبعثر حولها.. أعادت خيوط الشّمس إلى زاويتها الخفيّة.. بكت كثيراً.. لكنّها حسمت أمرها: أدارت ظهرها إلى مدينة الظّلام وعادت إلى حيث تنتمي..
ندى ربيع، (مدينةٌ من ضباب)خاص: نساء سورية |