|
داء الشقيقة... وداعاً منذ الآن |
|
|
|
عاصم جمول
|
|
2008-02-16 |
مرض الشقيقة هو مرض يقلق راحة 20%من سكان الأرض وفي دراسة أجريت في الولايات المتحدة وأوروبا أثبتت أن نسبة الانتحار الأولى عند الشباب هي بسبب الشقيقةالتي هي صداع نوبي «يتكرر على نوبات» يصيب في 80 % من الحالات الإناث و%20 الذكور. هذا المرض يصيب غالبا نصف الرأس في منطقة الجبهة وحول العين وقد تسبقه أعراض تدعى (النسمة) أي الأعراض التي تنذر بقدوم النوبة مثل بقع سوداء طائرة في الحقل البصري. النوبة قد تستمر لساعات وقد تترافق مع إقياء أو آلام في البطن أو تشنج في عضلة الرقبة، كما يرافق الصداع احمرار وإدماع في العين والخوف من النظر إلى الضوء أو سماع الأصوات العالية، فيفضل المريض الجلوس في غرفة مظلمة والابتعاد عن الأصوات. بعد زوال النوبة يشعر المريض بإرهاق ثم تدريجيا يعود إلى حالته التي سبقت النوبة دون أي شكوى تذكر. بعض المرضى يشفون من الشقيقة مع مرور الزمن والبعض الآخر لا يشفون، والسبب الرئيسي لشفاء المرض مع العمر هو حدوث تصلب في الشرايين وهو غالبا ما يكون تصلبا شديدا.الدكتور علي سلطانة، وهو طبيب وجراح سوري حاصل على شهادة الدكتوراه في جراحة أورام الدماغ من معهد (بوردينكو) للجراحة العصبية والبحوث العلمية العام 1995، وله دراسة مسجلة في جمعية الجراحين الأميركيين «حول الشقيقة»، بالإضافة إلى كتاب بعنوان «العلاج الجراحي الجديد للصداع النصفي» نشره في العام 2000، الدكتور علي أوجد الحل والحل كان عبارة عن جراحة بسيطة تنهي آلام المرض تماما ونسبة نجاح هذه الجراحة كما يقول هي 100%.«أوان» التقت د.علي سلطانة وأجرت معه حوارا تناول مرض الشقيقة: أسبابه، آلية عمله، وطريقة معالجته.*- هل هنالك أسباب معروفة للمرض، أم أن الأسباب لاتزال مجهولة حتى الآن؟ - مرض الشقيقة كما أسلفت هو صداع نوبي يصيب المريض بين فترة وأخرى وتختلف من مريض إلى آخر، طبيعة المرض أو ما يميز الشقيقة عن أي صداع آخر هو أن يكون الصداع بحد ذاته هو المرض، فمريض الشقيقة حين تنتهي نوبة الصداع يعود إلى وضعه الذي سبق النوبة، وبالمناسبة مريض الشقيقة إذا أجرى جميع أنواع التحاليل المعروفة ستكون النتيجة طبيعية جدا، أي لا وجود لأي مشكلة في التحاليل، فصداع الشقيقة هو صداع وعائي المنشأ، وأنا أجريت دراسة مطولة حول مرض الشقيقة واستطعت أن أحدد فيها الأسباب التي توجد الشقيقة، وقد استطعت في الدراسة أن أحدد المكان الذي تحدث فيه الشقيقة بشكل دقيق، أما آلية حصول النوبة أو الصداع فهي حتى الآن غير معروفة بشكل كامل. الكتب والدراسات الطبية جميعها تذكر أن الشقيقة هي عبارة عن صداع وعائي تشارك فيه أوعية الدماغ، بالإضافة إلى الأوعية خارج الدماغ أي أوعية فروة الرأس، ولذلك يرون أن لاعلاج لها سوى الأدوية المقبضة للأوعية.. في دراستي استطعت أن أثبت عدم صحة هذا الكلام فالأوعية التي تسبب كل ألم الشقيقة هي فقط الأوعية الموجودة في فروة الرأس.*- هل هنالك معايير محددة تؤكد تشخيص الشقيقة، بمعنى : ما هو الصداع الذي يمكن اعتباره شقيقة حتما، دون إمكانية خلطه بمسببات أخرى؟ - هنالك أنواع متعددة لمرض الشقيقة، ولكن جميعها تشترك في صفة واحدة وهي الألم النابض الذي يطلق عليه اسم الصداع النصفي، أي أن الألم النابض هو ما يميز الشقيقة، فإذا كان من الشقيقة العينية أو الجبهية فالألم سيأتي حول العين وفي منطقة الجبهة وهنالك 40%من الحالات يرافقها إدماع واحمرار في العين، وهنالك مثلا الشقيقة القاعدية وألمها يأتي في خلف الرأس وينتشر إلى أعلى الرأس وتترافق مع أعراض الحفرة الخلفية الدماغية وهذه الأعراض هي (تأتأة) وصعوبة في النطق وأحيانا اضطراب في التوازن، إذاً الشقيقة متعددة الأنواع ولكن الأمر المشترك بين كل الأنواع هو الألم النابض بالإضافة إلى زوال كافة الأعراض المرافقة للنوبة بعد انتهاء النوبة ويعود المريض إلى حالته الطبيعية.*- هل التهاب مثلث التوائم هو نوع من أنواع الشقيقة؟ - لا.. الشقيقة هي صداع وعائي أما ألم مثلث التوائم فهو ألم عصبي. في الشقيقة يشعر المريض بألم نابض أي مع كل دفقة دم تمر في الاوعية، أما في مثلث التوائم فالألم عصبي وهو شبيه بألم الأسنان، ولكن الارتباط بينهما هو أن الألم الناتج عن الشقيقة مصدره هو نفس العصب الذي يسبب ألم مثلث التوائم.*- هل لديك فكرة عن انتشار المرض في المنطقة؟ - هنالك دراسة عالمية تشير أن 20 % من السكان على مستوى العالم مصابون بالشقيقة.*- بشكل عام يختلف مدى قبول المرضى للمعالجة الجراحية مقارنة مع المعالجة التقليدية، ما رأي العلم بخصوص كلتا المعالجتين؟ - حين تكون هنالك آثار جانبية للمعالجة الجراحية، أو تعتبر عملية خطيرة فمن الطبيعي أن يفكر المرء بالمعالجة التقليدية التي تجنبه مخاطر العمل الجراحي، أما حين يكون الأمر مجرد إجراء جراحي بسيط للمعالجة ويتم تحت التخدير الموضعي في العيادة أو حتى في بيت المريض. ففي هذه الحالة لا يعود هنالك تفضيل للمعالجة التقليدية. في كل الأحوال حين يكون هنالك علاج دوائي ويشفى من خلاله فلا داعي للعمل الجراحي، ولكن في حالة الشقيقة لا يوجد علاج دوائي يشفي المرض تماما، ففي هذه الحالة لابد من العمل الجراحي. وأريد أن أوضح أمرا مهما، فهنالك أدوية خطيرة جدا تعطى لمرضى الشقيقة مثل عائلة (تريبتان) وهو مقبض وعائي فهذا الدواء يعمل على تقبيض أوعية القلب وهو ليس مقبضا نوعيا، أي أنه لا يعمل على تقبيض نوع من الأوعية، بل هو يعمل على جميع أوعية الجسم بما فيها أوعية القلب، وتكمن الخطورة حين يأخذ المريض الدواء ويمارس الرياضة مثلا «وهذا أمر دارج» فالقلب في حالة ممارسة الرياضة يحتاج إلى كميات كبيرة من الدم ولكن تكون الأوعية منقبضة فلا تصل كميات الدم المطلوبة وتحدث مشكلات صحية قد تكون خطيرة.*- أي أن العلاج الجراحي هو العلاج الأمثل للشقيقة؟ - نعم هو العلاج الأفضل حتى الآن، وحين يوجد علاج دوائي يعطي نفس نتيجة الجراحة حينها يمكن الاستغناء عن العمل الجراحي ولكن حتى الآن هذا العلاج غير موجود.*- ما هي الظروف التي تتدخل في قراركم أنتم في تحديد نوعية المعالجة التي تقدمونها لمرضاكم؟ - حالة المريض هي التي تدل على ذلك أو تتدخل في طبيعة العلاج، فإذا كان المريض لديه صداع نصفي خفيف الشدة ومن الممكن أن يزول بأدوية بسيطة وغير مؤذية كمسكنات الألم فأنا أعطيه هذه الأدوية. فإذا تجاوب معها يعتبر المرض منتهيا، أما إذا كان المريض يعاني من صداع نصفي متوسط الشدة ويتطلب الأدوية المقبضة الوعائية الخطيرة على الصحة، ففي هذه الحالة يكون أمامي خياران، الأول: هو المعالجة الذاتية بارتداء قوس ضاغط على الرأس وهو يزيل الألم تماما كما الجراحة، ولكن المريض يجب أن يرتدي هذا القوس كلما حصلت النوبة وكل ربع ساعة يزيل المريض القوس ليرى إن كانت النوبة قد انتهت، وهذا القوس كما قلت لك يعطي فائدة الجراحة دون إجرائها، بهذه الحالة يرى المريض نتيجة العملية قبل أن يجريها فيصبح هو ذاته يريد إجراء العملية لكي يتخلص من وضع القوس بشكل دائم*- مقاطعاً.. أي أن القوس يعالج المرض بشكل آني وليس نهائياً؟ - هذا صحيح القوس يعالج المرض عوضا عن الأدوية ولكنه لا ينهيه، وحده العمل الجراحي هو الذي ينهي الألم تماماً، هنا تحدثنا عن الحالة التي تتطلب وضع هذا القوس والخيار الثاني هو الجراحة.*- سمعت أن هنالك حالات تُجرى فيها عملية ثانية أو ثالثة أحيانا، ما هي هذه الحالات وهل لشدة الصداع علاقة بها؟ - في دراستي، كما قلت لك، حصرت المرض في فروة الرأس فهذه المنطقة كلها أوعية تغذي الشعر وأنا كجراح أعلم تماما بأنني أستطيع أن أقطع هذه الأوعية التي تغذي فروة الرأس دون أن يكون هنالك أية آثار سلبية على الشعر ولن أتحدث عن آثار أخرى لأنها غير موجودة أبدا، فهذه الأوعية ذاهبة فقط إلى فروة الرأس أي لا خطورة في قطعها على الإطلاق، وهذه الأوعية كونها نهائية فهي كثيرا ما تتصل ببعضها، والأوعية تكون صغيرة في البداية ولا تسبب ألما ولكنها قد تكبر وتتوسع، فإذا وصلت إلى حد معين فهي ستسبب ألماً، وهنا يتدخل الطبيب ويجري العمل الجراحي فإذا اشتكى المريض بعد الجراحة أن هنالك ألما بقي في مكان ما، أعلم أنا أن هنالك عرقا نابضا فأضيقه وأنا أكون قد حددت أثناء العملية الأماكن التي قد تسبب هذه الآلام .*- كيف تقيّم نسب نجاح هذه العملية حتى الآن؟ - أؤكد لك أن النسبة 100%. فالشقيقة كمرض انتهى في كل الحالات وجميع العمليات التي أجريتها نجحت تماما، وأنا انتقلت إلى دراسة أخرى عن الصداع العنقودي سأنتهي منها خلال أشهر إن شاء الله .*- ما هي الأمور التي يجب أن يبتعد عنها مريض الشقيقة إذا اختار المعالجة التقليدية؟ - جميع المرضى في قصة مرضهم يذكرون أن عوامل عديدة تحرض الصداع كالسير تحت الشمس وتناول الشوكولاته والجبنة والتوابل واللحوم المعلبة وشم روائح معينة. هذه الأمور هي التي يجب أن يبتعد المريض عنها، ولكن حتى لو اختار المريض المعالجة المحافظة فأنا أحذر بشدة من الأدوية المقبضة للأوعية التي تحدثت عنها منذ قليل.*- الدراسة التي أجريتها هل هي دراسة لجامعة، أم أنها دراسة مستقلة؟ - هي دراسة مستقلة بدأت فكرتها في العام 1998 وسأحكي لك كيف بدأت الفكرة: كنت حينها في مستشفى ابن النفيس بصفتي جراحا لأورام الدماغ والوجه، وأجريت عمليات استئصال أورام الدماغ والعين، فبدأ المرضى يأتون إلي وهم يشكون من الصداع، فخطر ببالي الصداع الوعائي وهو يختلف عن الصداع الذي أهتم به كجراح، والصداع الوعائي «الشقيقة» يتميز بمشاركة الأوعية خارج الدماغ بآلية حدوث المرض، فخطر حينها ببالي أن أضغط على نقطتين في الرأس يمر فيهما الشريان الصدغي السطحي وهو الشريان الذي يغذي الجبهة من الأمام وكان الضغط على النقطتين هو مفتاح الحل لأن جميع المرضى كانوا يخبرونني بعد دقيقة من الضغط أن المرض قد اختفى تماماً، فتابعت الأمر على عدد كبير من المرضى فتأكدت أنه في حالة مرضى الشقيقة حين أعالج الصداع أكون عالجت المرض تماما. هكذا بدأت الفكرة وحين أكملت دراستي قدمتها في مؤتمر الجراحين العصبيين في الولايات المتحدة الأميركية الذي انعقد في أيلول 2001 في سان دييغو كاليفورنيا، وتم قبول البحث، وهو منشور في موقع الجراحين العصبيين الأميركيين. بعد هذا المؤتمر بدأت تجربة العمل الجراحي في سوريا وقد حوربت تجربتي بشكل كبير، وأنا أعذرهم نوعا ما.. فقد قدمت شيئا جديدا ينافي ما درسوه، وبالتالي شنوا الحرب علي من كل الجهات وقد حاربتني الجامعة ووزارة الصحة، حتى التلفزيون خصص برنامجا تلفزيونيا روج الأكاذيب عني وعن عملي، ولكن المفارقة أنهم يعلمون أنه في الجراحة ليس بإمكانك إخفاء النتيجة أو التلاعب فيها أبدا.*- من خلال حديثك عن آلية المعالجة خطر ببالي الطب الصيني «الوخز بالإبر» هل اعتمدت في دراستك على الطب الصيني. - أنا ضد أي طب في العالم يدعي أنه يشفي جميع الأمراض أو عدة أمراض معا، ابتداء من الطب الصيني ووصولا إلى الحجامة و...الخ، هذا لا يقبله العلم فإذا أردت أن تعالج مرضا فيجب أن تحدد الآلية، ولا توجد آلية واحدة لكل الأمراض .*- سؤال أخير دكتور: هل مرض الشقيقة يقتصر على هذه الآلام التي تحدث لمدة زمنية محددة وتزول أم أن له انعكاسات أخرى؟ -مرض الشقيقة تعتبر انعكاساته أخطر من المرض بحد ذاته، فالمصاب بالشقيقة غالبا ما يصبح انعزاليا ومنكفئا على ذاته، ولا يرغب بالتحدث إلى أحد أو سماع الأصوات أو التعرض للضوء أو أنه يظن مرضه مرضا خطيرا فينهار نفسيا قبل أن يدرك أنه مرض بسيط وعلاجه أبسط، بالإضافة إلى أن هنالك دراسة أجريت في الولايات المتحدة وأوروبا أثبتت أن السبب الأول لانتحار الشباب هو مرض الشقيقة.. وفي المحصلة، الشقيقة أمر خطير ويجب معالجته فوراً.
عاصم جمول، (داء الشقيقة... وداعاً منذ الآن)عن جريدة أوان، (11/2/2008) |