|
أموال "الإصلاح" الأوربي... خالية الدسم |
|
|
|
أيهم أسد
|
|
2008-02-16 |
منذ أيام قليلة مضت أعلنت المفوضية الأوروبية أنها قدمت 35 مليون يورو لدعم الإصلاحات الاقتصادية في سورية، وقالت المفوضية في بيان نقلته وكالة فرانس بريس أن «المفوضية قررت تأمين 20 مليون يورو لسورية دعماً للإصلاحات الاقتصادية، بالإضافة إلى 15 مليون يورو للانفتاح والتنوع في الاقتصاد السوري وتأمين المشورة على صعيد السياسات»، وأوضح البيان أن هذا المبلغ يأتي في إطار مساعدات لسورية بقيمة 130 مليون يورو خلال أعوام 2007 -2010، هذا مع العلم أن الاتحاد الأوربي قدم لسورية ومنذ عام 1995وحتى عام 2006 ما قيمته 259 مليون يورو على شكل منح ومساعدات وقروض. إذا اتفقنا على أن الإصلاح الاقتصادي في سورية هو حالة متعثرة، ومصاب بغموض وتشوش في الرؤية، فإننا سوف نتفق أكثر على ضرورة إعادة إنعاش هذا الإصلاح، وإعادة صياغة سياسات إصلاحية واضحة لما للإصلاح من أهمية سياسية واقتصادية واجتماعية، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الإصلاح الاقتصادي لا يقتصر على الإصلاح الإداري والشكلي للاقتصاد فقط، إنما يشمل أيضاً إصلاح البنى الإنتاجية التي يكون الاقتصاد بأمس الحاجة لتطويرها لأنها الحوامل الأساسية له، ولأنها الوحيدة القادرة على تنميته، وتطويره، وتغييره. إن ذلك الجزء من الإصلاح هو ما يحتاجه الاقتصاد السوري ذي البنى الإنتاجية المتواضعة والبسيطة والشرهة إلى التطوير والتغيير كي يقوى على الصمود في ظل حالة الانفتاح الاقتصادي التي يمر بها، فالاقتصاد السوري بحاجة إلى وجبة إصلاحية إنتاجية دسمة قبل كل شيء آخر، ولن يخفى على أحد أن لهذه الوجبة ثمناً مادياً مباشراً، أي على الاقتصاد أن يمول ثمن وجبته الإصلاحية تلك، وبالتالي سيكون الرهان على خيارات ذلك التمويل، بدءاً من مصادره، وكميته، وفعاليته، وفي هذا المجال نكتشف أن الإدارة الاقتصادية السورية قد لجأت إلى الاتحاد الأوربي لتمويل جزء من وجبة الإصلاح تلك عبر المساعدات والمنح والقروض في سياق عملية التحضير للانضمام إلى الاتحاد الأوربي ضمن مشروع الشراكة الأوربية المتوسطية، ولكن أين تكمن المشكلة؟ إن المدقق في بنية ونوعية المساعدات الأوربية لسورية خلال السنوات الـ12 الماضية يستطيع الوصول إلى عدة نتائج أولية مرتبطة بتلك المساعدات أولاً، وبالنظرة الإصلاحية الأوربية للاقتصاد السوري ثانياً، وأولى تلك النتائج أن المساعدات الأوربية قد صبت في القنوات الإدارية للاقتصاد السوري كتدريب وتأهيل الموظفين والإداريين، وإجراء الدراسات الإدارية والاقتصادية، وتطوير بعض التشريعات والقوانين الاقتصادية، وافتتاح المعاهد التدريبية، أو تطوير الموانئ، وتحسين خطوط الشبكة الكهربائية، وما إلى هنالك من معونات وهبات وقروض تهدف في النهاية إلى إعادة هيكلة جزء من الاقتصاد إدارياً فقط. وفي مقابل ذلك لا نجد أن الأوربيين قد اهتموا بتطوير الجانب الإنتاجي في الاقتصاد، حيث لم يقدم الأوربيين قروضاً ومنحاً لتطوير خطوط إنتاج مثلاً، أو لاستقدام معامل جديدة، أو لنقل تكنولوجيا لمعامل سورية قائمة، أو لنقل وتطبيق براءات اختراع في سورية، أو حتى توطين صناعات أوربية فيها، فهذا الجانب كان وما يزال مغفلاً تماماً ضمن العلاقات المالية/الإصلاحية بين سورية والاتحاد الأوربي، وبالتالي فإن الأوربيون يعولون على الإصلاح الشكلي/الإداري، في حين أن ما يحتاجه الاقتصاد السوري هو المساعدة في الإصلاح الإنتاجي الجوهري. وبالتالي فإن النظرة الإصلاحية الأوربية للاقتصاد السوري تتمحور حول الأبعاد الإدارية والفنية لهذا الاقتصاد، مع العلم أننا والأوربيين ندرك أن سورية مقبلة على شراكة إستراتيجية معهم، ولو بعد حين، وأن هذه الشراكة سوف تفرض استحقاقات إنتاجية كبيرة على الاقتصاد السوري كي يتسنى له التفاعل معها بطريقة ايجابية، وعليه فنحن بحاجة إلى جهاز إنتاجي مختلف تماماً عن تركيبة جهازنا الحالي، كما أننا ندرك والأوربيين أن الإصلاحات الإدارية مهما كانت من العمق ستكون ضعيفة الفعالية والتأثير في ظل سيطرة بنى إنتاجية متخلفة نسبياً موجودة في اقتصاد صغير مثل الاقتصاد السوري، فتلك الإصلاحات ستكون أقرب إلى تزيين وطلاء سيارة ذات محرك مهترئ ومتقادم. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا لا ينفي ضلوع الإدارة الاقتصادية السورية في عملية الإصلاح الاقتصادي، فالمسوؤلية الإصلاحية أولاً وأخيراً تقع على عاتق هذه الإدارة، ويتوجب عليها أن تعي أن يد الأوربيين يجب أن تكون أقصر ما يمكن في العملية الإصلاحية، وأن تلك اليد مهما أصلحت في الاقتصاد فإنها لن تُصلح مثل اليد الوطنية، هذا بالإضافة إلى أن استمرار الاعتماد على تمويل الإصلاح أوربياً سوف يرهن الاقتصاد السوري لكتلة ذلك التمويل، ولنوعيته، ولطرائق تنفيذه، ولمدته، وهنا يبدو الدرس واضحاً، فإن كان هناك من يقدم لنا الأموال لنتغير إدارياً فعلينا نحن أن نمول اقتصادنا ليتغير إنتاجياً، فقد لا يرغب أحد بتعليمنا كيف ننتج القرص الصلب لكن العديد يرغبون في جعلنا نرتدي بذات رسمية سوداء ونتقن اللغة الإنكليزية فقط.
أيهم أسد، (أموال "الإصلاح" الأوربي... خالية الدسم)موقع المركز العربي للإعلام ، 16/1/2008 |