|
أيهم أسد
|
|
2008-02-16 |
تسارعت عمليات التحرير الاقتصادي في سورية بشكل ملفت للنظر في السنوات الثلاث الأخيرة، بشكل ينسجم مع توجهات صندوق النقد الدولي، الرامية دائمة وأبداً إلى كف يد الدولة عن الاقتصاد أينما أمكن لها ذلك، والداعية إلى استمرار سياسات التصحيح الهيكلي، من ترشيد الأجور، وتحرير التجارة الخارجية، ورفع الدعم عن المشتقات النفطية وغير النفطية، وفرض الضريبة على القيمة المضافة، واتّباع سياسة نقدية ومالية متشددة للسيطرة على معدلات التضخم. ويعترف خبراء الصندوق في الوقت نفسه، بأن" صعوبات اقتصادية" سوف تواجه سورية بشكل حتمي، تتمثل أساساً بتراجع عائدات النفط ما سيضغط على مالية الدولة، ويؤدي إلى صعوبة الحفاظ على مستويات المعيشة، أو أنه سيعيق تطورها نحو الأفضل على الأقل، لكن أولئك الخبراء يخفون تماماً العلاقة السببية بين سياساتهم المقترحة، وبين النتائج الاقتصادية المتوقعة، بل إنهم واثقون بأن تلك السياسات هي التي ستقود إلى تصحيح اختلالات الاقتصاد الكلي، في حين تدل التجربة الاقتصادية أن تلك السياسات ذاتها تفضي إلى مزيد من الاختلالات. ورغم أن خطاب الحكومة الاقتصادي الرسمي لا يقر بشكل مباشر التزامها بتنفيذ تلك السياسات، بل يوحي بالوقت نفسه أن الحكومة غير معنية بما يمليه أو يقترحه الصندوق عليها من أفكار وسياسات، وبأنها غير ملزمة بتطبيقها، نجد أن سلوك الحكومة الاقتصادي على أرض الواقع يطابق تماماً توجهات ورغبات خبرات الصندوق، ولكن تحت عباءة الحاجة الاقتصادية الداخلية، والقرار الاقتصادي الداخلي المستقل، وتحت ذريعة التحول الاقتصادي والمرحلة الانتقالية. يترافق هذا الوضع مع غياب برنامج شامل ومتكامل للإصلاح الاقتصادي، يكون قادراً على إعادة هيكلة الاقتصاد، وتغيير بنيته بما يضمن قدرته على امتصاص النتائج السلبية لتلك السياسات، وتجازوها بأقل الخسائر الاقتصادية والاجتماعية، أما الاعتقاد بأن سياسات صندوق النقد الدولي سوف تشكل برنامج إصلاح بديل عن أي برنامج إصلاح داخلي، أو أنها ستشكل مرجعية لإدارة الاقتصاد الوطني، فهذا ما يشكل تهديداً حقيقياً على الاقتصاد السوري ومستقبله. إن تطبيق شروط وسياسات صندوق النقد الدولي، وضعف بنية الاقتصاد السوري، وغياب برنامج إصلاح اقتصادي داخلي، هي الاتجاهات الأساسية الثلاثة التي ستكون محصلتها النهائية أنواعاً مختلفة من الصدمات الاقتصادية، والتي سيكون لها أثمان اقتصادية واجتماعية كبيرة جداً على السوريين كافة، أي أنها وباختصار شديد، اللبنات الأساسية في بناء الصدمة.
أيهم أسد، (بناء الصدمة)افتتاحية مجلة المصارف والتأمين، العدد الأول، أيلول/2007
|