|
المرأة الريفية بين العمل المنزلي واقتصاد السوق والملكية الخاصة |
|
|
|
رهادة عبدوش
|
|
2008-01-27 |
لم نبحث كثيرا عن سيدة نبتاع منها أقراص "الشنكليش"، فما أن سألنا حتى أرشدونا إلى أكثر من سيدة وبيت، فها هي (اعتدال) بقامتها الممشوقة وعينيها الواسعتين تقف لتدلل على بضاعتها في سوقها المسوّر بحيطان بيتها. ذلك السوق الذي قسمته إلى أركان:
فهنا قطعة قماش مدّت فوقها أقراص "الشنكليش"، وهنالك السماق المطحون وقد وضعته في أكياس صغيرة وكذلك الزعتر البري، وقوارير قد ملأتها بدبس العنب، وترى أيضا المكدوس والزبيب والتين اليابس ومربى الكرز والمشمش ومختلف أنواع المربيات، وكذلك الخل والمخلل وأوراق العنب والملبن، وكل ما قد يخطر ببالك.. لتدهش عندما تدرك أنها هي من فعلت كل ذلك! بالإضافة إلى عملها في الحقل وإدارتها لشؤون البيت والأطفال! ولتدهش أكثر عندما تخبرك كيف صنعت كل ذلك في يومها الذي يبدو أنه يتجاوز الـ(24) ساعة! فهو ليس يوما عاديا إذ يبدأ قبل الفجر لينتهي آخر الليل: "في كل يوم أعمال وأعباء جديدة تقع على عاتقي فأنا أستيقظ قبل طلوع الشمس كي أستطيع الذهاب إلى البستان مع زوجي، فأقطف الخضراوات لأحضرها معي قبل أن يستيقظ الأولاد الذين أحضّرهم للذهاب إلى المدرسة، وأنا أبيع الخضار لمن حولي فبعضهم لا يزرعون ما نزرع لذلك يحتاجون لما عندي لكن لا أذهب للبيع خارج القرية".ومن خلال حديثي معها عرفت أنها متعلمة لأنها تعلم أطفالها وعندما سألتها عن ذلك أجابتني: "لقد درست حتى الشهادة الثانوية لكن بعدها لم أتابع دراستي لسبب زواجي ولأني أسكن في القرية ما يصعّب عليّ الدراسة، وزوجي أيضا متعلّم وهو موظف بالبلدية وفلاح وأنا أعاونه بالأرض وفي هذه الأشياء التي أصنعها لبيعها في القرية ولمن يأتي إلي من أي مكان".عمل السيدة اعتدال (وهي قد اشتهرت باسمها) يدرّ عليها أرباحا جيدة، هذا ما قالته لي: فمن منتوجات الأرض تصنع كل ذلك. وبما أنه يوجد كثيرين ليس لديهم الوقت أو الخبرة لصنع هذه المنتجات، فهم يبتاعون من عندها بوتيرة ثابتة تقريبا، وخصوصا المصطافين من أهل القرية.لكن عندما سألتها عن ملكيتها في الأرض أو البيت قالت لي ضاحكة: "أي ملكية؟! فأنا لم أرث من أهلي شيئا لأني تنازلت لأخوتي الذكور عن حصتي كأكثر النساء في قريتي؟! وفي أسرتي هذه الملكية هي لزوجي (البيت والأرض).. حتى الأموال التي أجنيها تذهب للبيت والأرض! لم أسجل أية ملكية باسمي. بل لم يخطر لي ذلك. وحين أفكر أحيانا أن يكون لي شيء خاص أسارع لأرى أنه تقع عليّ مصاريف كثيرة للأولاد والبيت والأرض.. وحتى عندما عمّرنا بيتا جديدا للأسرة تم تسجيله في السجل العقاري باسم زوجي! بالرغم من أني دفعت أكثر من نصف سعره! لكن هذا طبيعي.. فهل من المعقول أن أطالب بملكية في البيت؟! ففي الآخر كله للأولاد!".لم تكن السيدة اعتدال الوحيدة التي تعمل دون أن تملك! فهي واحدة من سيدات كثيرات في تلك القرية، وفي جميع القرى في سورية، تعمل دون أن تملك! االملكية محصورة بالذكور هنا! وهذا يعكس بوضوح عدم المساواة بين المرأة والرجل من حيث الملكية! ولا يمكن رد ذلك إلى القوانين فقط، بل أيضا إلى العادات والتقاليد التي تحرم المرأة من حقها في الإرث، وخصوصا عندما يكون الإرث هو تملك حقل أو قطعة أرض! وبالتالي يساهم في صنع نساء فقيرات غير قادرات على التحكم بالموارد. وهذه الفروق تظهر بوضوح عند الأزمات الشخصية أو الأسرية إثر التقدم في العمر، أو أثناء الأزمات الاقتصادية المختلفة التي تمر بها الأسرة. فهي ليست صاحبة قرار لأنها الأضعف! وهذه الأزمات، مثل الطلاق، تؤدي إلى أن لا يبق للمرأة مكان تعيش فيها لا من عند أهلها ولا من حصيلة عملها عندما كانت مع زوجها! رغم أنها ساهمت في الإنتاج بدرجة كثيرا ما تضاهي مساهمة الرجل! ورغم أن النساء الريفيات يشكلن (28.4%) من قوة العمل الريفية في سورية، إلا أنهن يصنّفن بأنهن "غير ناشطات اقتصاديا"! حيث إن الإحصائيات لا تأخذ بعين الاعتبار القيمة الاقتصادية لعمل المرأة المنزلي، مما يخلق تمييزا في حساب معدلات النشاط الاقتصادي للإناث! وهو ما يؤدي أيضا إلى أن تمثيل النساء الريفيات في الحكومة هو تمثيل محدود ومحصور في بعض اللجان التنموية على مستوى القرى في الريف.إذا، لا بد من احتساب العمل المنزلي ضمن اقتصاد السوق حتى يمكن إنصاف المرأة حقها. كما يجب أن تسعى القوانين لتمكين المرأة من الوصول إلى حقها في الملكية بالرغم من العادات والتقاليد المعارضة لذلك على أرض الواقع.المراجع: - (التقرير الأولي للجمهورية العربية السورية2005) - (تقرير البنك الدولي)
رهادة عبدوش، عضوة فريق عمل نساء سورية، (المرأة الريفية بين العمل المنزلي واقتصاد السوق والملكية الخاصة)خاص: نساء سورية |