عملهنّ هو التخفيف عن المرضى الذين يزداد ألمهم ليلا, يتركن منازلهن ويلتحقن بعملهن مساء, يذهبن الى المستشفيات, معرّضات أنفسهن لكل عوامل الطقس, والوسط الاجتماعي خارجا, إنها مهنتهن التي اخترنها, والتي يقمن بها وسط كثير من المصاعب.
يتركن مشكلاهن وأعباءهن المختلفة جانبا, يرتدين الرداء الأبيض وينصرفن الى عملهن الدقيق والمرهق ليلا والذي يجب أن يؤدينه بأعصاب باردة, وسط الصراخ والآهات والآلام المبرحة للمرضى, ووسط استنفار ذوي المرضى لهنّ. التقيتهن في إحدى المستشفيات, ماجدولين, أمل و وطفة, خريجات مدارس التمريض, التي تبلغ مدة الدراسة فيها ثلاث سنوات, يعملن بعدها في مستشفى, تحدّثن إلي, مجيبات على ما طرحت من أسئلة.. - منذ متى تعملين في هذا المستشفى؟ + "منذ خمسة أشهر" تجيب ماجدولين, فيما أمل تعمل في المستشفى منذ "اثنتي عشر عاما", وأقدمهن في هذه المهنة وطفة التي أمضت حتى الآن "ثمانية عشر عاما".
- ماهو عدد مناوباتك الليلية أسبوعيا؟ وما نسبتها الى مناوباتك كلها بشكل عام؟ + مناوبات ماجدولين الأسبوعية الثلاث "جميعها ليلية", وكذلك حال أمل التي أخبرتني أن "المناوبة تبدأ من الساعة الثامنة مساء وحتى الثامنة والنصف صباحا", فيما ازدادت نسبة مناوبات وطفة من "عشرين في المئة عند بداية التحاقي بالعمل الى أن وصلت الى مئة في المئة الآن".- ماذا كان موقف أهلك والمحيطين بك من عملك هذا؟ + تقول ماجدولين أنه "لم يكن لديهم مشكلة, ولا تحفظ تجاه هذه المهنة", وكذلك فان موقف أهل أمل كان "عاديا", وحده والدها رفض عملها من حيث المبدأ لأنه "كان يظن أنه وبعد الدراسة سوف أتوظف في أماكن بعيدة عن مكان إقامتي, ولكن مدارس التمريض بحلب والتابعة لوزارة التعليم العالي تحصر توظيف الخريجات في مشافي المدينة التابعة لها فقط", غير أن وطفة لم تواجه أي اعتراض من قبل أهلها "كان موقفهم عاديا".- برأيك, هل عمل المرأة ليلا خطر عليها ؟ + ماجدولين ترى أنه لا خطر في العمل بحد ذاته واحتمال الخطر "يعود الى كل واحدة تعمل في هذا المجال على حدة", إلا أن أمل ترى فيه خطورة حتما إذ أن "عمل المرأة ليلا دائما فيه خطورة عليها قد تكون ناجمة عنها أو عن الآخرين حولها", في حين ترى وطفة أن هذا الخطر نسبي "في بعض الأحيان, وحسب العمل".- ماهي صعوبات العمل ليلا مع المرضى, وأهاليهم, والأطباء؟ + بالنسبة لماجدولين فان المريض هو شخص غير متوازن نفسيا لذلك "هنالك حتميا صعوبة في التعامل معه", أما بالنسبة للأهل فترى أن الممرضة تتعامل بشكل روتيني مع آلام المريض وتعتبرها أمر شبه عادي "بسبب التكرار اليومي لها وهذا ما يزعج الأهل الذين يعتبرون مرض ابنهم حالة استثنائية لأنها تصادفهم مرة في الشهر أو مرة في السنة لذلك فهي من وجهة نظرهم تستوجب العمل معها بخصوصية فائقة" لذلك برأيها تتهم الممرضة باللامبالاة تجاه مرضاهم لعدم تفاعلها بالشكل الذي يتوقعه الأهل الذين يمارسون أيضا دورهم الاعتيادي. وهي تحدد خصوصية عمل الممرضة واشكاليتها الكبرى في أنها "يجب أن تستوعب دوما الجميع وأن تبقى في حالة نفسية جيدة وهذا أمر مستحيل التحقيق!", وتجد أنه مع الأطباء فان الصعوبات تختلف من شخص الى آخر "بعض الأطباء لديهم تناذر (طبيب- ممرضة), فيتعاملون معها بفوقية وهذا أمر لا تتقبله الكثير من الممرضات وخاصة إذا كانت خريجة جديدة, لأنها تعتبر أنها حصلت على شهادة أكاديمية بممارسة التمريض ولم يأت عملها هنا من فراغ", بالإضافة الى اعتبارات اجتماعية "إذ هي في النهاية علاقة (شاب – فتاة) وهي نظرة تختلف حسب بيئة الطبيب بما فيها من عادات وتقاليد وقناعات شخصية خاصة بنظرته الى المرأة والمرأة العاملة, والعاملة ليلا بوجه خاص".في حين ان أمل التي تعمل في قسم الأطفال تتعامل مع أطفال لم يبرحوا الحاضنات بعد "خدّج" فإنهم "يحتاجون الى عناية خاصة لأنهم لايستطيعون التعبير عن ألمهم كما في حالة المريض البالغ, ويجب على الممرضة أن تبقى حذرة عند بكاء الطفل فهو قد يدل على ألم أو جوع وأحيانا يكون سببه فقط غياب الإرضاع, أو أن الإبرة الموجودة في يديه لتسرب السوائل, ويجب مراقبتهم دوما", ولأن تعاملها يكون بشكل مباشر مع المرضى الخدّج دون أهلهم فهي نادرا ما تعاني من صعوبات في التعامل مع الأهل "لأن تواجدي مع الأطفال أنفسهم أغلب الوقت, إلا حين تواجهنا مشاكل قليلة وعندها علينا استيعاب الأهل". أما بالنسبة للأطباء فأكدت أمل ما قالته مجدولين حول وجود تناذر (طبيب- ممرضة) وأنه هنالك أشكال عدة لتعامل الأطباء معها "منهم من ينظر إليها على أنها لاشيء, ومنهم من يتعامل معها بكل احترام وتقدير كونها إنسانة, ومنهم من يعتبر أن من المعيب مجرد عملها في هذه المهنة, لا بل أن منهم من يستغرب عملها بسبب عاداتهم وتقاليدهم أو تربيتهم".لكن وطفة تؤكد أنه لا صعوبات خاصة في العمل الليلي سواء مع المرضى أو ذويهم أو الأطباء "العمل هوذاته, ليلا ونهارا".- هل تعرضت في إحدى المرات لموقف تعتبرينه محرجا ليلا؟ وهل فكرت في ترك العمل لحظتها؟ + تعتبر ماجدولين أنها معرّضة دوما لمواقف من هذا النوع "ان أي ردة فعل عنيفة من أي مرافق مريض أو المريض نفسه تجاهي أو تجاه إحدى زميلاتي تزعجني, وتعتبر محرجة", لكن ذلك لا يجعلها تفكر في ترك العمل بل في تحسين تحصيلها العلمي لتجنب مثل هذه المواقف "ان ذلك يدفعني للتفكير بإكمال دراستي الجامعية مع الاستمرار في عملي هذا".غير أن الموقف الذي حث مع أمل وتتذكره جيدا, لترويه لي, كان مع مستخدمة منفعلة في الجناح الذي كانت تناوب فيه "كان صوتها يملأ الجناح بكلمات سوقية وألفاظ غير لائقة", ويبدو أن هذه الحادثة الصغيرة قد تركت أثرها في حياة أمل المهنية "نعم, يومها فكرت في ترك المهنة ومازلت أفكر في ذلك".وطفة كذلك اشتكت من "وجود بعض المضايقات" وأنها فكرت أكثر من مرة جديا في ترك العمل.- برأيك, لماذا عدد النساء أكثر من عدد الرجال في التمريض؟ + تؤكد ماجدولين وأمل, وكذلك وطفة على أن السبب يعود حسب إجاباتهن المتطابقة الى أن عدد النساء أكثر لأن "المرأة عاطفية أكثر, والمريض بحاجة للطف في التعامل, وهذا اللطف لدى النساء أكثر من الرجال", لكن ماجدولين تلفت الى أن هذا الأمر "يصبح روتينيا ومهنيا أكثر بعد عدد من سنوات الخدمة".- هل ينال عملك التقدير والاحترام اجتماعيا؟ + تنفين ذلك كليا, وتعزونه الى الظروف الاجتماعية والعادات والتقاليد السائدة, رغم أن هذا العمل كما تشير وطفة "هو عمل جيد, ويحتاج له جميع الناس صغارا وكبارا, وهو عمل إنساني, ولكن المشكلة في المجتمع, وفي المثقف قبل الجاهل".- هل تعتقدين أن عملك يؤثر على فرص زواجك؟ + ترى ماجدولين أن عملها فرصة للتعرف على الآخرين رافضة فكرة الارتباط ممن لا يقبل عملها "من كان رافضا لعملي (ليلا أم نهارا) فأنا لا أريده مهما تكن النتائج", في حين أن أمل تخالفها الرأي وترى أن له تأثيرا كبيرا "نعم, مرات عدة أثر سلبا على ذلك", أما وطفة فتنفي أثره بالنسبة لها "ان كان هنالك أشخاص يرفضون عملي هذا فهم لا يعنون لي شيئا".- أين ستبقين أطفالك أثناء عملك حين ستتزوجين؟ ولماذا؟ + ماجدولين من جهتها ترى خيارات عدة أمامها "إما في الحضانة أو عند "التاتا", أو في الشارع"!. لكن أمل ترى أن خيار الحضانة هو الخيار الأسلم "لأنه لا يوجد قريبا من المكان الذي أسكن فيه ربة منزل من أقاربي ليس لديها عمل, وقد أضعهم عند الوالدة" غير أنها تضيف بأنها تفضل ترك العمل على إبقائهم وحدهم في المنزل "ان لم أجد حضانة مناسبة, ولم تتمكن أمي من رعايتهم سأترك العمل وأتفرغ لهم"! غير أن وطفة ورغم أن هنالك حضانة أطفال خارج مبنى المتشفى فإنها لم تجب "أترك الأمر للزمن"!- ان صادفتك مشكلة في عملك فإلى من تتوجهين بالشكوى؟ والى من تتحدثين بخصوصها؟ + تقول ماجدولين أنه لا توجد جهات متعاونة للتوجه لها بالشكوى "أحاول إسقاط الموقف في لحظته من حساباتي ودون التوجه لأحد, لأنه في النهاية لا أحد سيواجه النتائج سواي, ولكن بعد المشكلة قد أتحدث الى زميلاتي الأكبر مني", ورغم أن أمل ووطفة تعتبر أنه يجب التوجه الى رئيسة التمريض في المتشفى إلا أن أمل تقرّ بأن النهاية واحدة "في الآخر, الحقّ على الممرضة دوما"!- هل يوجد ممرضون حيث تعملين؟ أم كلّهنّ ممرضات؟ + تذكر ماجدولين أنه حيث تعمل "يوجد ممرضان ", غير أنه في القسم الذي تعمل فيه أمل حيث الحاضنات لا يوجد ممرضون "كلهنّ هنا ممرضات", ومع وطفة أيضا يوجد ممرضون "لكن عددهم قليل".- هل يوجد في المستشفى خدمات خاصة بالنساء العاملات فيه؟ + وباستثناء الحمامات الخاصة بالممرضات تؤكد ماجدولين وأمل أنه "لا توجد خدمات خاصة بالنساء مطلقا", في حين أنه يوجد خارج مبنى المتشفى حيث تعمل وطفة "حضانة للأطفال, بالإضافة طبعا للحمامات الخاصة بالممرضات".- من يتصرف براتبك أنت أم أسرتك؟ أم تتشاركان في الرأي حول ذلك؟ + تؤكد ماجدولين أن من يتصرف براتبها "أنا فقط", فيما تضيف أمل أنها حين تتزوج ستشارك زوجها في كل شيء "في الراتب, في الرأي حول كل شيء, وحتى ان كان يرفض الوظيفة سوف أتركها وأنا راضية", في حين تذكر وطفة أنها تصرفه كله "في حاجات المنزل الذي أعيش فيه مع أسرتي, وقد أعطيهم مبلغا من المال أحيانا".الشيء اللافت في حديثهن كان تأكيدهن المستمر وإقرارهن بصعوبة عملهن, وبعدم احترامه اجتماعيا, وبتأثيره على ظروف حياتهن الآن ومستقبلا, والنظرة المسبقة الصنع التي ينظر بها المجتمع إليهن, رغم أهمية عملهن وخاصة الليلي منه, حيث يقمن بإنقاذ أرواح من براثن الألم والتعب.هذا التناقض الصارخ بين الحاجة الى عملهنّ بصورة ملحّة ورفضه اجتماعيا بدا على وجوههن مرارة, ومن خلال نبرات أصواتهنّ.إنهن نساء يعانين ما يعانينه في حياتهنّ الخاصة ومنازلهنّ, ويأتين الى العمل ليضاف عبء ثقيل هو معاناة المرضى التي يتوجب عليهن التخفيف منها, متناسيات كلّ ما يؤرّقهنّ, كلّ ذلك وسط بيئة اجتماعية لا تساعدهنّ مطلقا في مهمّتهنّ الإنسانية تلك..
هنادي زحلوط, عضوة فريق عمل نساء سورية، (ملائكة الرحمة في عملهنّ اللّيليّ)خاص: نساء سورية
|