|
عن المُدرس ودوره في حياةِ تلميذه |
|
|
|
رامي نخلــة
|
|
2008-01-27 |
في الوقت الذي تحوّل فيه التعليم الى مهنة تمارس من قبل المدرسين بشكل شبه آلي, يهملون فيها العلاقة مع تلاميذهم, يكون هؤلاء أحوج ما يكونون الى اهتمام أساتذتهم وتشجيعهم, في مرحلة عمرية تبنى فيها شخصياتهم, ويتعلمون الاعتماد على أنفسهم شيئا فشيئا للمضي قدما في اكتشاف قدراتهم وتطويرها.
وبنظرة متفحصة لواقع عمل المدرسين بشكل خاص, نلحظ أنه من المهن القليلة التي يتطلّب أداؤها تركيزا عاليا أثناء القيام بها, وتفاعل الوسط (أي التلاميذ هنا) معه, وتتطلب أيضا تحضيرا مستمرا لخطوات هذا العمل, وفضلا عن ذلك كله, تتطلب دراية كافية بأساليب التربية بما يضمن حسن إيصال المعلومة وبالتالي تحقيق الفائدة المرجوة منها. ونتيجة غياب هذه الدراية والاطلاع على سبل التربية الحديثة, وسوء تطبيقها (هذا أن وجدت لدى مدرسينا), بالإضافة إلى الظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها عامة الناس, وخاصة في عمل كالتدريس, لا ينال فيه المدرّس إلا راتبه, وأن كان عدد لا بأس به من المدرسين يلجؤون إلى الدروس الخصوصية, فهي تشكل عبئا إضافيا على المدرس, وتجعل من علاقته بتلاميذه في صفه علاقة سيئة, لأنه سيصاب بالإرهاق نتيجة دوامه الرسمي وضغط دروسه الخصوصية, ولن يتمكن من القيام بدوره, التدريسي والتعليمي, في المدرسة كما يجب. ياسمين أختي الصغرى، طالبة جيدة نوعاً ما في الصف السابع من مرحلة التعليم الأساسي، هذا العام حصل لها تغيير جذري مفاجئ على صعيد الدراسة، فباتت متميزة في أغلب المواد، وتحديداً مادة اللغة العربية فعلامتها تقارب العلامة التامة. جلسنا معاً نتصفح دفاترها، استوقفني بشدة موضوع تعبير، نظرت أليها مبديا إعجابي بما تكتب, وبالتمكن الذي تكتب به, فأخبرتني أنها تكتبُ منذ مدة، حتى أنها كتبت بعض الخواطر والقصص القصيرة، هذا العام أتاها مدرسٌ رائع للغة عربية فهو يشجعها على الكتابة، ويقرأ لها كل ما تكتبه باهتمام شديد، وقد باتت تحب المدرسة لأجله، وتكره يوم الخميس لأنه يوم عطلته! وبعد أن سألتها عن أسم مدرّسها أجابتني، الأستاذ فيصل الصفدي ألا تعرفه هو يعرفنا جيدا فقد درس ريم ومعمر أيضا. حصلت على رقم هاتفه من أحد المدرسين في قريتنا، وكلمته طالباً زيارته، فرحب كثيراً بذلك. في اليوم التالي زرناه في منزله، ودار بيننا حوار عام حول العلاقة بين المدرس وتلاميذه, ودور ذلك في مستواهم الدراسي, فأكد لي أن علاقة المدرس بطلابه لها أثر كبير على تعاطيهم مع المادة التي يدرسها ومستوى نجاحهم بها بشكل عام "تجد أحيانا طلابا يكرهون مادة معينة لأنهم لا يحبون أستاذها وهذا بالتالي يؤثر على مستقبل الطالب بشكل عام", مشيرا إلى أن علاقة التلميذ مع مدرس لمادة ما ينسحب تأثيرها على باقي المواد "فحين يهمل الطالب مادة معينة، يتسرب هذا الإهمال إلى بقية المواد، والعكس صحيح أيضا", ولذلك فهو يحاول أن تكون علاقته جيدة مع تلاميذه ما أمكنه ذلك "تربطني علاقة مميزة، وخاصة مع كل طالب على حدة، فأحاول الدخول بصداقة من نوع ما مع طلابي". وعن إمكانية هذه الصداقة بين الطالب وأستاذه فهو يرى ذلك ممكنا "نعم تنشئ بيني وبين طلابي نوع من الصداقة أو الأبوة أحيانا" وهو يحرص على هذه العلاقة من أجل نجاح التلميذ "تلك العلاقة مع التلميذ تحفزه على مزيد من التقدم فيكون محرجاً أمامك لأنه لم يكتب وظيفته مثلا، لا لأنك مدرسه، بل لأنه يخاف على تلك العلاقة المميزة التي تربطك به", وعلى العكس من ذلك, يجد أن نتائج كارثية تنجم عن سوء تلك العلاقة على صعيد الحياة الدراسية للتلاميذ "فكثير من الطلاب قد يتمردون على العلاقة التقليدية، وتراهم مقصرين في دروسهم غير أبهين بالمدرس ما لم تكن علاقتهم به على ما يرام". وعندما استوضحت رأيه حول استخدام العنف ضد الطلاب في المدارس مشيرا الى أنني أنا, خريج هذه المدرسة,وما زالت يداي تؤلمني كلما مررت بجانب أسوارها, تحدث عن أن هذا الأسلوب غير معتمد كوسيلة في التربية "أن العنف كوسيلة تربوية أمرٌ مرفوضٌ نهائياً، وهو أصلاُ غير مجدي", وعن استمرار ممارسة المدرسين للعنف ضد التلاميذ في المدرسة كما في الأسرة يقول الأستاذ "المشكلة أن ثقافة العنف هي ثقافة متجذرة في تاريخنا، فالطفل يضرب في البيت ويضرب في المدرسة، وللأسف تسمع أحيانا مقولات مثل، أن بعض الأطفال لا تفهم إلا بالضرب! الطفل لا يفهم بالضرب، بل يخاف منه", يفسر لي الأستاذ, مضيفا أنه "حين يخاف الطفل من الشيء يمتنع عن القيام به هذا صحيح، لكنه يكره هذا العامل المسبب للخوف لديه، فيكره مُدرسهُ ومَدرستهُ، ويحاول الابتعاد عن هذه البيئة المخيفة قدر المستطاع", وهذا برأيه واحد من الأسباب الهامة في عدم إكمال عدد لا بأس به من التلاميذ لدراستهم "قد نجد الكثيرين ممن فشلوا في متابعة دراستهم، هم أطفال معنفون بالدرجة الأولى!" . بالتأكيد لا يمكننا إلقاء اللوم بشكل كامل على الأستاذ في سوء علاقته مع تلاميذه, ولا نستطيع أيضا إلقاء اللوم كاملا عليه في فشل أي منهم, أو في عدم متابعته لدراسته وتحصيله العلمي, لكننا بالتأكيد إذ نشير الى بعض السوء الذي قد يعتري هذه العلاقة, فانه من باب أهميتها في مستوى التلاميذ واهتمامهم بدراستهم, وكذلك في جعل المدرس أكثر رضا عن ذاته حين يتمكن من انجاز تقدم ملموس معهم على صعيد دراستهم.
رامي نخلــة، عضو فريق عمل نساء سورية، (عن المُدرس ودوره في حياةِ تلميذه)خاص: نساء سورية
|