|
سائقي تكاسي بشهادة سوق... جامعية!! |
|
|
|
رنا محمد
|
|
2008-01-18 |
صافي... سائق تكسي جمعتني به صدفة في إحدى الصباحات الباردة، عمره في النصف الثاني العشرينات... أول ما لفتني بأمره أنه يستمع إلى فيروز وبصوت منخفض، لكني لم أقل له شيئاً...
أوصلني لطلبي، وعند وصولي اكتشفت أني لا أحمل (صرفاً)، ولم يقبل بسؤال أي محل تجاري، فمشكلة صرف النقود (الصرافة) من المشاكل العويصة في حياتنا، كارثة حتى لو كان المبلغ المراد صرفه 100 ليرة... لكن صافي على عكس شوفيرية التكاسي الآخرين، لم يقل إلا أمراً واحداً مع ابتسامة مهذبة: «روحي الله معك... إذا شفتك مرة تانية باخد منك... وإذا ما شفتك، الله يسامحك»... ولم يقبل غير ذلك... أخذت رقم موبايله ونزلت على أن أتصل به صباح الغد، وأكون قد صرفت من أحد البنوك العالمية 500 ليرة... لم تحملني ناري للغد... كنت فيما مضى قد بدأت بحثاً له علاقة بـ (سائقي التكاسي)، حين التقيت بصافي عدت لتذكر الأمر، نبشت أوراقي القديمة وأعدت قراءتها، وقررت الاتصال بصافي فوراً، واتفقنا على موعد في صباح اليوم التالي... كان ينتظرني على المفرق، وبدون مقدمات أخبرته أني أريد التحدث معه، ابتسم بإرباك وبعد إصراري ووعودي له أني لن أذكر سوى اسمه الأول، قَبِلَ... أول سؤال خطر على بالي فوراً: ماذا تدرس؟ فأجاب: * «معي ليسانس تاريخ». لم أتفاجأ، فنحن في بلاد العجائب وكنت أتوقع أن أسمع شيئاً كهذا، فسألته: أنهيت خدمة العلم؟ فأجاب: * «منذ ثلاث سنوات». ـ ومنذ ذلك الوقت حتى الآن تعمل على التكسي؟ * «لا.. لا.. قمت بأعمال كثيرة فأنا متعدد المواهب... اشتغلت صبي دكان... كهربجي... كرسون بمطعم... عتال بسوق الخضرة... شوفير سيرفيس... اشتغلت بالبناء... وشو بدك لسّا؟» ـ والتاريخ... اختصاصك... ألم تعمل به؟ * «وماذا أعمل به؟ كلما سمعت بمسابقة تدريس أو غيرها أتقدم لها... بدون فائدة... إلى متى سأظل أنتظر وظيفة؟» ـ ألم تحاول أن تعطي دروساً خصوصية؟ * «مدرسين الدروس الخصوصية في البيت غير مرغوب بهم إذا لم يكونوا يعلمون في مدارس الدولة... هكذا يقول الأهالي دائماً» ـ لماذا؟ * «لا أدري... ولكن ربما يستطيع وضع أسئلة بالبيت أقرب إلى الامتحان... خاصة إذا كان المدرس نفسه يعطي نفس الطالب في البيت؟؟؟!!!». وابتسم بخبث. ـ متزوج؟ تعيش مع أهلك أم مع زوجتك؟ * «غير متزوج وأعيش مع أهلي». ـ أوضاع أهلك سيئة أم جيدة؟ * «معقولة... بس الطبيعي إني اشتغل، مو ضل ناطر مصروف منهن... بكفّي إني عاجز إطلع استقل واسكن لحالي!!» ـ السيارة لك أم تعمل عليها؟ * «السيارة لوالدي... بعد أن لامه الناس لأن ابنه يشتغل شوفير عند العالم، قرر أن يشتري هذه السيارة وسجلها باسمي واسمه، وأعطاني إياها كي أعمل عليها، أعمل كل اليوم تقريباً»... ـ هل تحمل شهادة سوق عمومية؟ * «أحمل شهادة خصوصية... العمومية تكلّف كثيراً فوق طاقتي»... ـ كيف كان صاحب التكسي يتعامل معك؟ * «في البداية باستخفاف... لكن حين عرف بعد فترة أني خريج جامعي عاملني باحترام مبالغ فيه ولامني لأني لم أخبره منذ البداية أني جامعي»... ـ ولماذا لم تخبره منذ البداية أنك جامعي؟ * «وهل قيادة السيارة بحاجة لشهادة سوق جامعية!... يكفيه أني أحمل شهادة سوق خصوصية... هذا ما يهمه بالأمر... وعدني أنه سيساعدني بأمر العمومية»... ـ والناس كيف ينظرون إليك؟ * «لم تعد هناك تلك النظرة الدونية لشوفير التكسي... تلك النظرة موجودة فقط عند العائلات أو الدقات القديمة... أما الآن... فقد أصبح أغلب الخريجين الجامعيين أو الطلاب يعملون شوفيرية تكاسي أو سرافيس أو حتى شاحنات... وأصبح وجود الجامعيين متوقع في أي مكان عمل... لذلك تعودت الناس على ذلك... طبعاً هذا لا يمنع من بعض السخرية لأنه حين يعلم أحد أن الشوفير جامعي، خاصة إذا الشخص كان في وضع وظيفي جيد وهو شبه أمّي يحس بالسعادة»... ـ ماذا تنتظر؟ * «لا شيء... ولا أحلم بشيء... انتهت أحلامي ولم أعد أحلم بشيء حتى وأنا نائم»... ـ هل تتعرض لإشكاليات مع الركاب؟ * «عادي... أنا أنزعج من طق الحنك بلا طعمة... هيدا اللي ما بيدفع عدّاداو... وهيدا اللي بيقعد يعمل حالو فهمان... ووحدة بتطلع وبس توصل بتقول يسلمو ويتنزل... خليها على الله... نادراً ما يطلع معي حدا مذوق ويمر بسلام متلك إمبارح... بس اليوم طلعتي الفرق... وعلى فكرة: دائماً الركاب بيتمسخروا على الأغاني اللي بسمعها... بيقولوا عني تراثي»... ـ هل تعرف أن فيروز أول ما لفت نظري إليك؟ * «الآن عرفت»... شكرته... ونزلت... وكررت وعدي له ألا أذكر اسمه كاملاً... فكرت بأمره كثيراً... فكرت كيف لشاب في مقتبل العمر أن تموت أحلامه ويعيش بدون أحلام... وماذا ستكون أحلام المرء في بلاد العجائب!... أن لا يصطدم بأحد كبير... أن يعود للبيت الذي خرج منه فلا يحدث طارئ مفاجئ يغير مسيرة النهار، فيختفي إلى حيث لا يدري أحد... أو ربما تتحول أحجامنا إلى حجم الأرانب، فنستطيع السكن في الجحور لنؤمن سكننا... ونكبر عندما يوجد بلد يستوعبنا مع أحلامنا وطاقاتنا... إذا بقيت لدينا طاقات؟؟؟!!!...
خاص: نساء سورية |