|
تعددت الأسباب والنتيجة واحدة!! العنوسة ناقوس تدقه الفتيات والمجتمع متهم إلى أن يثبت العكس |
|
|
|
تمام العلي
|
|
2008-01-18 |
تحار في وصف المشاعر والأحاسيس التي تنتابك كلما اختارك القدر لمتابعة معاملة لك في الدولة وتسجد شكراً لله لأنه أتاح الفرصة أمامك للتعامل مع هؤلاء الموظفين الذين يلاقونك بأهلاً وسهلاً طالبين منك بلطف أن تسأل حاجتك ليسارعوا إلى تلبيتها، «ما علينا» لسنا الآن بصدد الحديث عن تعامل الموظفين لكن بصدد الحديث عن الموظفين أنفسهم، حيث يسترعي انتباهك أولاً وجود الكثرة ممن تجمعهم سمة مشتركة «العنوسة» أو هؤلاء الذين تجاوزت أعمارهم الثلاثين ولم يدخلوا القفص الذهبي بعد والقضية أنك بت تجدهم في الشوارع والبيوت والوظائف وبكثرة فيسترعي انتباهك تنامي هذه الظاهرة وبسرعة هائلة وهذا ما لا يبشر بالخير. ملفات الإحصاء الإشارات وحدها لا تكفي ولغة الأرقام دائماً هي الأصدق فماذا تقول؟ تشير الإحصاءات المختلفة إلى ارتفاع سن الزواج في سورية إذ أصبح متوسط زواج الشاب 35 عاماً والفتاة 26 عاماً هذا ما أكدته إحصاءات المسح عن صحة الأسرة عام 2002 كما سجل نسبة إجمالي غير المتزوجين من الرجال 29.4% ومن الفتيات 25.6 وفي إحصاءات 1995 نجد أن نسبة الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 35-39 عاماً ولم يتزوجوا بعد تشكل 7.2% بينما هي عند الإناث 8.8% وما أدراك ما لهذه السن من خطورة عند الفتيات لأن فيها اعترافاً قاسياً بفقدان صلاحيتها للإنجاب وهنا تكمن المصيبة لأن الأنثى تهيل التراب مرغمة على أحاسيس حملتها منذ نعومة أظفارها.الأسباب الكامنة يجب ألا نظلم كلاً من الشاب أو الفتاة على تأخرهما في الزواج لأن أسباباً كثيرة تقف خلف تأخرهما ويأتي في طليعتها ضعف الحالة المادية للشاب ورغبة الفتيات في إتمام تعليمهن إلى آخر ما هناك من أسباب قد تكون في معظمها خارجة عن حدود سيطرة الشاب أو الفتاة أو قدرتهما على تغيير هذا الواقع ولكن المثير للدهشة أن المجتمع لا يتعامل مع هذه الظاهرة بإنصاف وإنما يتعامل معها بكثير من القسوة ولاسيما مع الفتيات فجميعنا نعلم ما للفظة عانس من تأثيرات نفسية تطيح بكبرياء الفتاة وعنفوانها وخصوصاً إن كانت المسألة خارجة عن إرادتها «وهي كذلك في الكثير من الأحوال» بينما هي أخف وطأة على الشاب فمهما تقدم به العمر يجد عروساً ما بانتظاره!! فهو يملك حق العرض والطلب ولا من قطار يفوته ولا من زمن يسجل عليه؟ «الوطن» التقت مع عدد من الشباب والفتيات الذين فاتهم قطار الزواج «على حد تعبيرهم» وكل أورد أسبابه فماذا قالوا: الشابة س.ع الموظفة في إحدى وزارات الدولة والحاصلة على شهادة جامعية لم تستطع أن تقبل بمن تقدم طالباً يدها بسبب ضعف الحالة المادية ولاسيما أن وضع أهلها المادي أكثر من جيد كما لم يشفع للشباب الذين تقدموا راغبين في الزواج منها تحصيلهم العلمي العالي فقد كان منهم الطبيب والمهندس لأنهم لا يزالون في بداية طريق العمل ولم يكونوا قد كونوا ثروة تقيهم من رفضها وتستطيع أن تقدم لها المستوى الذي تحلم أن تعيش به والنتيجة أنها لا تزال دون زواج تنتظر العريس الثري ولدى سؤالنا لها إن كانت تعتبر هذا التفكير سليماً أجابت: أنا أحصد الآن نتيجة تفكيري الخاطئ ولكن لم يعد في العمر ما يستحق التراجع فأنا تجاوزت الخامسة والثلاثين. والشاب ماهر مهندس مدني يقول: لا أستطيع أن أقدم على الزواج وخصوصاً في هذه المرحلة فأنا تجاوزت الرابعة والثلاثين وليس عندي بيت كما أنني لا أؤمن بالمشاعر العاطفية التي يعيش بها كل من الشاب والفتاة في بداية أعمارهما وإنما بالعلاقات المتوازنة فأنا أريد زوجة تحمل ذات المستوى العلمي ويكون وضعها المادي معقولاً لنستطيع العيش على الأقل بمستوى جيد لا نحتاج فيه أحداً. وتظل النتيجة واحدة وإن اختلفت أسبابها ولعل هذا ما دفع فادي إبراهيم الموظف في إحدى دوائر الدولة للتساؤل، كيف لي أن أخطو هذه الخطوة وأنا أعلم بمتطلبات الزواج التي لا أقوى على حملها فالفتاة تريد كل شيء جاهزاً وليست على استعداد لتحمل مشقة العيش في بيت للإيجار ووظيفة لا تسد رمق شخص واحد فكيف بعائلة. وتقول الآنسة جوزفين ذات الثامنة والثلاثين عاماً: صحيح أن الزواج في مجتمعنا كما في كل المجتمعات العربية يحقق الاستقرار النفسي والاجتماعي ولكن الفتاة لا تسأل لماذا لم تتزوجي بعد فالشاب من يملك حق طلب الزواج بينما الفتاة محرومة منه هذا ناهيك عن كل المضايقات الأخرى التي تصادفها وكل يوم إن هي لم تتزوج، صحيح أني مررت بتجارب حب كثيرة وكلها كانت فاشلة إلا أنها لم تشكل لدي عقدة من الرجال أو الزواج بحد ذاته وعلى الرغم من أن لدي راتبي الذي أعتاش منه كما أنني أملك منزلاً إلا أني لا أفشي سراً إن قلت إنني لست مرتاحة لأنني لست متزوجة فنظرة المجتمع تجلدك كلما نظر إليك أحدهم وإن لم يسألك بلسانه فنظراته تعيرك في كل لحظة والتأخير في الزواج ضريبته مضاعفة تبدأ بعدم الزواج وتنتهي بعدم القناعة بما هو متاح إن كان هناك شيء متاح أصلاً.العسل الحقيقي لقد أعطت الدراسات الاجتماعية الحديثة الأمل لدى كل من الشاب والفتاة عندما قررت أن شهر العسل الحقيقي يبدأ من 35 إلى 45 سنة هذا ما أكده الدكتور مجدي الفارس المحاضر في كلية التربية- قسم الإعلام الاجتماعي، مشيراً إلى أن أسباب العنوسة أو التأخر في الزواج مشتركة بين الشاب والفتاة فهي عند الفتاة قد تكون بدافع التحصيل العلمي وقد تكون لعوامل بيئية واجتماعية وشخصية خارجة عن إرادتها دون الإغفال بأن هناك عنوسة مقصودة بسبب النظر إلى مصير الأخريات بعد علاقاتهم الزوجية الفاشلة وظروف العمل عند الشاب وغلاء المعيشة والبحث المضني عن سكن ملائم وارتفاع المهور وتكاليف الزواج والارتباط بوظيفة كل هذه الأسباب مجتمعة تقف أمام إتمام الزواج بسنه المناسب. وعن المقترحات للتخفيف من هذه الظاهرة يشير الفارس إلى جملة من الحلول التي تساعد الشاب والفتاة على تجاوز هذه المعضلة بتصحيح النظرة المجتمعية وبألا ينظر إلى الفتاة ذات الثلاثين عاماً على أنه فاتها قطار الزواج والابتعاد عن تزويج الفتاة بعمر صغير لتأثيره النفسي والاجتماعي بنقل صورة غير صحيحة عن الزواج لغير المتزوجات وضرورة التوعية الأسرية لإرساء قواعد جديدة للزواج للوصول بعقد الزواج إلى وضعه الأساسي عبر تعميق مفاهيم جديدة لسن الزواج تناسب الوضع الحالي وتقديم برامج توعية وتشجيع الزواج الجماعي فهذا يخفف قليلاً من معاناة العنوسة.
تمام العلي، (تعددت الأسباب والنتيجة واحدة!! العنوسة ناقوس تدقه الفتيات والمجتمع متهم إلى أن يثبت العكس)جريدة الوطن السورية (9/1/2008) |