|
رنا محمد
|
|
2008-01-15 |
في السنوات الماضية كانت المتة أكثر المشروبات ظلماً وتهميشاً، وكانت مقبولة وحصرية لفئة معينة من الناس... وهم عامة الشعب... الناس الذين لا هم لهم... الرعاع التافهين كثيري الكلام قليلي الفعل...
ربما كان ذلك لشعبيتها ولجو الألفة والبساطة التي تبثه بين الموجودين وللزمن الذي يستغرقه تناولها حتى (تقطع) الكاسة... وطبعاً هذا لا يناسب كل فئات الشعب... وبعد سنين من النضال حصلت المتة على شيء من حقوقها في الاعتراف بها كمشروب يُقدَّم للضيوف... شرط أن يكونوا مقربين ولسانهم قصير كي يحفظوا السر... وفي السنوات الأخيرة درج تعاطي المتة في المقاهي العامة، ووجدت بكثرة في المسلسلات السورية، بعد أن كانت محرمة كالدخان والمخدرات والمشروبات الروحية... واستمرت بالنضال رغم كل الشائعات التي روّجت ضدها من أنها تسبب أمراض كالطاعون.. وبقيت صامدة... ورغم كفاحها الطويل والاعتراف بها علناً إلا أن فئة معينة من الناس رفضت قبولها بهذا الشكل... واكتفوا بتعاطيها سراً في مخادعهم!!... فالطبقة المثقفة المناضلة تلك رفضت تصنيف المتة مع القهوة السادة والنبيذ المز ـ في العلن فقط ـ وأحياناً الشاي الثقيل المغلي الأسود اللون... وتعاملوا معها كما تعاملوا مع (عبد الحليم حافظ) أيام النضال... فكان واحدهم يخجل إذا وجد رفاقه في بيته شريط كاسيت لعبد الحليم، فهمهم الثوري أكبر من همه العاطفي... كذلك صاروا يتعاطون المتة والنبيذ الحلو والقهوة الوسط سراً... أما بالنسبة لي فلا أتذكر متى تعرفت على المتة، كبرت ووجدتها موجودة أمامي، فكانت تساهرني طوال سنوات الدراسة، ثم في فترات العمل الطويلة خلف شاشة الكمبيوتر، وفي قعداتي الطويلة مع أصدقائي... وأحياناً نادرة في لحظاتي الخاصة مع نفسي... أنا لا أنكر فضل القهوة والشاي عليّ، وكذلك النبيذ ـ مسألة أني أشرب النبيذ الحلو والمز سر خطير غير قابل للتداول ـ وأهميتهم في حياتي إطلاقاً... فهناك علاقة وذكريات تربطنا... لكن ذلك لم يحملني على أخذ موقف سلبي من المتة على أنها منافس لهم... تعاملت مع كل مشروب على حدة دون المقارنة بفرق النكهة... أما بالنسبة للبيوت التي أدخلها للمرة الأولى فيرتاح بالي حين أرى أحد أفراد الأسرة، أو الأسرة كلها يشربون المتة... أو أرى آثار لقعدة متة، كاللون الأخضر المدبوغ على الطاولات مثلاً، أو ألمح من بعيد علبة متة... منذ مدة زرت شخص للمرة الأولى... كان المكان لطيفاً وأليفاً، مما كسر رهابي من الأماكن الجديدة... كأني أزور هذا المكان كل يوم، أو ربما ظننته مكاني... بعد جلوسنا وثرثرتنا التي لم تنقطع لأكثر من ست ساعات متواصلة، ولم ننقطع خلالها عن شرب القهوة السادة والشاي المعتق ـ بالتأكيد لن يتجرأ على طرح فكرة النبيذ لا الحلو ولا المز بحكم وضعه الاجتماعي واعتبارات أخرى منها موروثنا القائل بترصد الشيطان لشاربي النبيذ خاصة إذا كانا رجل وامرأة، فبدون نبيذ ثالثهما الشيطان، فكيف بوجود النبيذ!! ـ وبما أنني قادمة من السفر خصيصاً إليه، اضطررت لاستخدام الحمام (التواليت)... وللوصول إليه لابد من المرور من أمام باب المطبخ، وأثناء مروري قالت لي نفسي الأمّارة بالسوء بالنظر داخل المطبخ، فلمحت من بعيد علبة متة مفتوحة وموضوعة على الطاولة بكل ثقة... فرحت بها كثيراً وعرفت سراً من الأسرار التي جذبتني للبيت... فقضيت حاجتي وعدت بسرعة... نظرت باتجاه مكتب مضيفي فوجدت كأس متة مشروبة منذ زمن موضوعة فوق محرمة مدبوغة باللون الأخضر، فسررت أكثر... سألني حال وصولي: ـ منجدد القهوة ولا الشاي؟ فأجبته بثقة: ـ شو رأيك نشرب متة!... فأجابني بسعادة الاكتشاف الأول والقراءة الأولى: ـ والله العظيم صدقيني كنت رح قلك بس خفت تنفري وتعيطي... وبعد قليل من العتب بدأنا بتحضير مستلزمات المتة من أسطوانة الغاز الصغيرة والمصاصات والكاسات... والألفة تملأ كل زوايا المكان... وأعجب كلينا بصراحة الآخر وقوة شخصيته!!! * شرح مفردات: المتة هي المادة الخضراء التي توضع في كأس متة صغير ويوضع فيها مصاصة متة ويصب الماء الساخن فوقها، ثم تشرب عن طريق الرشف من المصاصة.
رنا محمد، زاوية "شغفي"، (راحة بال)،
هذا الإميل محمي من السرقة عبر برامج السبام، تحتاج إلى دعم جافا سكريبت لتستطيع رؤيته
خاص: نساء سورية |