|
المرأة الجزائرية..مواطنة من الدرجة الثانية |
|
|
|
فاطمة بكار
|
|
2008-01-15 |
سأتحدث هذه المرة عن وجع ليس كباقي الأوجاع وجع يحق لنا أن نقول عنه سببا لكل الأوجاع …انه وجع تهميش المرأة و تقليل من أهميتها في العمل ،داخل البيت و خارجه ، فالتحول الذي حققته المرأة في الجزائر خلال السنوات الأخيرة لم يرق للكثيرين،فما زال عدد كبير من الرجال يصرون على إبقاء مسافة بينهم وبين المرأة التي مازالت تعاني من التمييز في التعاملات المجتمعية والوظيفية والحكومية على الرغم من سعي الحكومة الجزائرية تعليمها وتمكينها في مختلف المجالات . فالحديث عن حقوق المرأة دون تخليص المجتمع من رجال يتمتعون بحقد دفين على كل ما يمت بصله للمرأة ،حديث لا معنى له ،يجب علينا إعادة نشر مفاهيم متحضرة للتعامل مع هذه الموضوعات لا تركهم يعتقدون أنهم يمتلكوا الحلول الصحيحة ، ويمعنون في جر المجتمع وراءهم إلى الحضيض وهي على أية حال مجموعة من العقد المتراكمة في نفوسهم يسطروها بين الفينة والأخرى بقرارات مرتجلة من هذا النوع. في الجزائر لا زالت المرأة تعاني من أنواع التسلط و الاضطهاد، الأمية و السلطة القاسية.. حرمان أعداد هائلة من التعليم بحجة صيانة الشرف ... الحال المزري للمرأة المطلقة ... والمرأة التي لم تستطع الزواج....أو تلك التي تقبع عاجزة بانتظار أن تنقذها الذكورة و تختارها... تعدد الزوجات .. منع المرأة من العمل و الخروج إلى الحياة العامة..و منعها من الميراث الذي شرعه الدين الإسلامي مثل منطقة القبائل التي لا زالت التقاليد البالية و المعتقدات السائدة منذ زمن هناك تمنع المرأة من حقها في الميراث الذي يتوجب على الوالدين تركه لبناتهم قبل ابناهم من اجل أن يجعلوا الحياة مشرقه وايجابيه لا أن يمعنوا في قهرها وتحويل حياتها إلى جحيم متعدد المراحل ، لم تكن هناك حقوقا للمرأة حتى نقول أنها تسلب منها بل يوجد اليوم إمعان في اهانة واحتقار لها ،فلا شك أن الميراث "المعنوي" الذي حرمت منه المرأة قبل "المادي"هو خاوي في مضمونه لان لا ميراث لهؤلاء يتركوه لأجيالهم سوى عقليات مغرقة في الظلام والجهل وعلى المرأة اليوم في هذه المناطق من الجزائر أن تبحث عن ميراث حقيقي يتمثل في التربية الجادة والرصينة التي ينبغي عليها التحلي بها ، في التحرك لاختيار الطريقة المناسبة لكي تعيش حياتها بتحرر وتختار التخصص المناسب لها للمشاركة في الحياة اليومية والتعبير عن موهبتها وإبداعها لا أن تنتظر من احد يقرر حياتها نيابة عنها ، عليها أن تضحي كي تظفر بشيء من حقها المشروع . كما يشكل العنف تجاه المرأة من أسوء المظاهر الحالية ، فعلى الرغم من وجود قوانين تمنع اضطهاد المرأة، لكن تعامل اغلب الأعراف الرسمية وغير الرسمية يجعلها مواطن من الدرجة الثانية فمثلا في عام 2006، تم الإبلاغ عن أزيد من 8000 امرأة ضحية للعنف وهي زيادة عن 5000 حالة عام 2004 و7400 عام 2005 ، هذه الأرقام قد تدل على زيادة في العنف وفي عدد النساء اللواتي يجهرن بالجرائم المقترفة في حقهن أو ربما كلاهما فعدد النساء اللواتي يجهرن بهذه الآفة في تزايد لكن "القاعدة الذهبية" للسكوت تبقى شائعة في غالبية الحالات. وهذا الأمر يجعل ضرورة تحرك المؤسسات الدولية والمحلية من اجل حمايتها ، ولا يقف العنف ضد المرأة في حد منع العنف عنها بل أن حرمانها من ابسط حقوقها السياسية والاقتصادية والشرعية والاجتماعية يعد من أكثر مراتب العنف بالإضافة إلى عنف آخر مسلط عليها و هو العنف الأسري حيث أثبتت الإحصائيات أن العنف الزوجي أدى إلى وفاة 36 امرأة و8 رجال خلال سنة 2006 على المستوى القطر الوطني حسب ما جاء في الأرقام عرضت في نقاش نظم مؤخرا بمبادرة من وحدة علم النفس للمركز الاستشفائي الجامعي بقسنطينة (شرق الجزائر) وأفادت مداخلة قدمت خلال هذا اللقاء من جهة أخرى بأن 330 امرأة لجأت خلال نفس الفترة إلى مصلحة الطب الشرعي للمركز الاستشفائي الجامعي بقسنطينة من أجل الخبرة الطبية عقب تعرضهن للعنف الزوجي. فالعنف الأسري ، زنا المحارم التشرد مواضيع حساسة وخطيرة تمس بالدرجة الأولى المجتمع الجزائري المسلم لهذا تعززت قناعتي بضرورة مناقشة هذا الموضوع الشائك، لأنه مستمد من صميم قيمنا الاجتماعية والأخلاقية التي بدأت تتلاشى مع انتشار سطوة المال والنفوذ والجاه ، تلك السطوة غير السوية، والتي أخذت معها كل ما يمكن أن يذَكر البعض ممن امتطى صهوتها، بماضيهم وجذورهم الأسرية والطبقية والاجتماعية، بحيث تنكروا لأقدس القيم والأعراف التي كانت تميز مجتمعاتنا من صلة الرحم إلى التعاطف الاجتماعي، وإلى صون كرامة والشرف، وما إلى ذلك من أمور كانت حتى وقت ليس ببعيد، أصيلة في حياتنا وممارساتنا. أتذكر أنني قمت مؤخرا بإجراء تحقيق ميداني ليلا بشوارع العاصمة الجزائرية وقفت خلالها على مشاهد المتشردين، خصوصاً منهم النساء وكبار السن وهم يفترشون أرصفة الشوارع، والأنفاق وبالساحات العمومية، علَهم يطالون شيئاً من حسنات الناس أو زكاتهم !!! حتى بات هذا المشهد لا يحرك فينا ذرة من شعور أو إحساس، لأنه أصبح عادياً ومألوفاً جداً حتى أننا نفتقدهم إن غابوا عن أنظارنا يوماً !!! فلا غريب أن يحتضن هذا الشارع بكل أخطاره، نواعم ليحيلها إلى أشواك. وفي هذه الحالة على المجتمع أن يتحمل لسعات الأشواك. وإما أن ينزف في صمت أو يتحرك للتغيير الجذري. فعند تقليب صفحات الماضي القريب في الجزائر (سنوات الأزمة الوطنية) فإننا سنجد أعداد كبيرة من النساء اللواتي يحملن لحد الآن آثار وبصمات سنوات الجمر لأنها ببساطة عانت أكثر من الرجل فهي التي فقدت أبنائها و هي التي تشردت و ترملت و هي في نظرهم ناقصة عقل ودين .. ينبغي أن تبقى دوما تحت وصاية وقوامة الرجل أبا كان أو زوجا أو حتى إبنا أو مجرد قريب من العائلة .. وأخيرا هي التي اغتصبت ببشاعة من طرف الجماعات الإرهابية ..و رميت إلى الشارع من طرف الأهل لأنه لا واصي عليها بعدما فقدت أعز ما تملك . إن ما نطرحه حول واقع المرأة الجزائرية ضمن نموذجها هذا ، يستدعي تفعيل دور المنظمات النسائية بكافة انتماءاتها وأشكالها وتعدديتها القابلة إلى ولادة مجتمع مختلف ومتوافق ومتصارع فيما بينه بشكل مدني وحضاري ، ومن ثم تشجيع المرأة الجزائرية على المشاركة في العمل السياسي والخروج من بوتقة الخوف من السياسة باعتبارها أداة أو غاية مصلحيه يتبعها أصحاب النفوذ من اجل نيل مكتسبات أو مصالح ضيقة تمس وجودهم الآني المعاش ، أو باعتبارها جهازا للخوف والرعب المستمرين كل ذلك يتحقق من خلال وجود منظومة من القيم والأفكار تؤسس التسامح داخل المجتمع ، ومن ثم لا يعد هناك وجودا يذكر لأية ترددات عنفيه تتدارك جميع الطبقات الاجتماعية المختلفة والمتصارعة فيما بينها بشكل مدني وحضاري . فلا بد للمرأة اليوم تنشد حريتها وحقوقها وتأكيد ذاتها في المجتمع والعمل في الخارج وليس فقط في نطاق الأسرة والداخل. لابد أن تنظر لنفسها كمواطنة، لها نفس حقوق وواجبات الرجل وليس ككائن قاصر.
موقع حلوة مكتوب، (15/1/2008) |