|
شبكة النبأ
|
|
2008-01-15 |
|
صفحة 2 من 4 بيار بورديو السوسيولوجي الغائب(3) في إطار الفهم السوسيولوجي يتميز بورديو عن سواه من علماء الاجتماع في أنه يمثِّل رؤية جديدة في الفهم تقوم على ربط ما هو ذاتي بما هو موضوعي؛ إذ لا وجود لذاتية مستقلة في فهم الواقع الاجتماعي، كما هو الأمر لدى ماكس فيبر أو تالكوت بارسونز، ولا لموضوعية قائمة بذاتها، بحسب ما بيَّن ماركس. والحقيقة الاجتماعية، تبعاً لذلك، في حال من الصراع، وبالتالي من التغير الدائم. والحقيقة الذاتية لا تُفسَّر ذاتياً، بل على أساس ارتباطها بالحقيقة الاجتماعية، أي على أساس أنها جزء منها. والتناقضات في المفاهيم غير منفصلة عن التناقضات في الواقع الاجتماعي. يميِّز فكر بورديو أن الذاتية التي يعيد إليها الاعتبار لا تشكِّل عنصراً من الحقيقة الاجتماعية وحسب، إنما تتصف بالحركة وبالإبداع. فهي التي تهب الواقع معنى جديداً وتؤدي إلى مفاهيم جديدة. ولهذا السبب فإن المفاهيم نسبية والحقيقة غير ثابتة أو أزلية. يقترب بورديو من ماكس فيبر حين يعيد الاعتبار إلى العنصر الذاتي الفردي؛ إلا أنه يبتعد عنه حين يربطه بالحقيقة الاجتماعية والظروف الاجتماعية. ويقترب من ماركس حين يربط الذاتي بالموضوعي على أساس جدلي، ويبتعد عنه حين لا يقر بوجود حقيقة موضوعية قائمة بذاتها. لذا، لا تُعتبَر مقاربته "توفيقية" بقدر ما هي جديدة، تدعو إلى إعادة النظر في أمور كثيرة، كما تدعو إلى مناقشات وأبحاث وآراء جديدة. ويؤكد بورديو على صفتي النسبية والتغيير في القانون، وعلى بعده التاريخي. فعلماء الاجتماع الذين يقولون بالقانون الأبدي يتجاهلون حقيقة أن أي قانون مرتبط بوعي محدَّد وتصورات محدَّدة، وتتغير حقيقتُه بقدر ما يتغير هذا الوعي أو تلك التصورات. وذاك ما دفع بعضهم إلى اعتبار أن ماركس يمنح الحقيقة الموضوعية أهمية على حساب الوعي الذاتي؛ في حين أن بورديو يمنح الوعي أهمية على حساب الحقيقة الموضوعية. واستناداً إلى ذلك، فإن العلم، بنظر بورديو، عبارة عن قوانين ذات اتجاهات تعكس أوضاعاً في لحظات معينة. وفي هذا الموقف، يقترب من جورج غورفيتش في مقاربته التجريبية للواقع. فلكي نكون على صلة وثيقة بالحقيقة الاجتماعية علينا أن ندرك طبيعة هذه الحقيقة المتبدلة بقوانين غير ثابتة. والجديد في موقف بورديو هو دور الوعي الذاتي في إلغاء القوانين وإحداث أخرى جديدة.
فما هو الدور الجديد الذي يحاول بورديو منحَه لعلم الاجتماع؟ نظراً لأهمية المعرفة الذاتية بالقوانين في الحصول على قدر أكبر من الحرية في تغيير الواقع الاجتماعي فإن المهمة الجديدة لعلم الاجتماع تتمثل في كشف الضرورة والقَدَر والمصير، أي في كشف الظروف الاجتماعية والتاريخية للقوانين، وفي مواجهة الإرادوية غير المسؤولة المتمثلة في التأكيد على حقائق يمكن أن تكون موضع تساؤل في لحظات مختلفة، وكذلك في مواجهة العلموية scientisme أو الادعاء بكشف قوانين علمية. وعلى علم الاجتماع أن يدرك وجود طوباوية معقلنة في كل اللحظات. ما الذي يميِّز بورديو عن ماركس أو دوركهايم في شأن فهم الوقائع الاجتماعية؟ على العكس من ماركس ودوركهايم، يعتبر بورديو أن "الوقائع لا تتكلم عن نفسها"؛ أي لا وجود لوقائع اجتماعية قائمة بذاتها؛ بل إنها على علاقة جدلية بالوعي الذاتي، أو هي حتى نتيجة خيار ذاتي، معرفي وتقويمي، أي مرتبط بالقيم والتصورات الذاتية. ويعتبر بورديو أن هذا الخيار واضح في الحقول الاجتماعية المختلفة. ولن يتقدم العلم ما لم تحصل القطيعة مع النظرة الكلِّية والشمولية للأمور، أو مع القوانين العامة التي تحدِّد فهم أي واقعة؛ إذ عليه أن يركز على خصوصية الواقعة، أي على فهمها مباشرة. وحول المشاكل العديدة التي يعانيها علم الاجتماع وتمنعه من الترسخ كعلم، يشير بورديو إلى العائق الأساسي، بل الخطر الرئيسي المتمثل في الاتجاه نحو النبوءة. فالعلم، في رأيه، لا يعبِّر – ولا يُفترض به التعبير – عن عقائد أو مذاهب، لأن ذلك لا يكشف الواقع أو الظواهر الاجتماعية فيه، بل يعمل على تغطيته وتشويهه وإبرازه على غير ما هو عليه. وكما هو معروف، فالدعوات التنبؤية ليست أفكاراً أو مفاهيم علمية؛ إذ لم تتشكل علمياً بواسطة مناهج علمية بقدر ما تتشكل من أفكار غامضة تعبِّر عن رغبات وتصورات ومطامع وأهداف. وإلى هذه المشكلة يمكن التحدث عن تعددية المعنى والنتائج السلبية التي تفضي إليها. وموقف بورديو هذا يعبِّر عن الرغبة في محاربة المناهج التقليدية التي ما فتئت مستمرة حالياً، وفي استخدام مناهج حديثة أكثر علمية. وهو يعتبر أنه من غير الجائز أن يتوجَّه عالِم الاجتماع إلى أصحاب العقول البسيطة ليكسب رضاهم ومودتهم وتأييدهم له. فغايته ليست المعرفة العامية البسيطة، أو المعرفة العفوية الغامضة، إنما المعرفة العلمية التي تتجاوز المصالح الضيقة. وهو يدين في شدة موقف غير الاختصاصيين من علماء الاجتماع، لأن دور عالِم الاجتماع ليس التأكيد على أفكار غامضة وحقائق مشوشة، بل كشف ما هو موجود في الواقع وقول ما هو جديد. وهو ينتقد الفهم الموضوعي التقليدي للوقائع الاجتماعية (تيار الحتمية) والفهم الذاتي (تيار الحرية المرتكز على إرادة الإنسان ووعيه)، داعياً إلى تجاوزهما معاً، لا لمجرد الرغبة في ذلك، بل لأن الواقع يؤكد هذه الحقيقة. ويتم التجاوز من خلال الدمج بين النظرية والواقع. وفي هذا الصدد، لا تطال اتهامات بورديو الماركسيين فقط بل ماركس أيضاً. محور هذا الانتقاد أن الاقتصاد، كعامل، غير كافٍ في تفسير الواقع الاجتماعي، لأنه لا يوجد اقتصاد بحت، أو حقيقة اقتصادية بحتة، بل ثمة حقيقة اجتماعية متعددة الجانب. ويتميِّز موقف بورديو هذا بأنه ألقى أضواء جديدة على طبيعة الوقائع الاجتماعية والسياسية، وكشف أن تشكُّلها أو تشيُّؤها لا يحصلان بمعزل عن تصورات الأفراد وتصرفاتهم حيالها – وهو الاكتشاف المهم الذي أتى به. من هنا كانت دعوته إلى رفع الشبهة الذاتية عن علم الاجتماع من خلال استخدام مفاهيم وسيطة بين الذاتي والموضوعي، أي مفاهيم تشمل المعاني الذاتية والموضوعية معاً، تصف كيف تتموضع الذاتية، أو كيف تؤدي تصورات الأفراد ومواقفهم وآراؤهم إلى تشكُّل الوقائع الاجتماعية وتشيُّؤها؛ ومن ثم كيف تستبطن الموضوعية الذات، أو كيف تؤثر الشروط الموضوعية عليها، وكيف تتشكل المعاني. وينتقد بورديو حالة التأرجح التي يعيشها علم الاجتماع بين "النظرية الاجتماعية" من دون ركائز تجريبية، والتجريبية من دون توجُّه نظري. وهذا الجديد هو ما يميِّزه عن سواه من علماء الاجتماع. وهو يقوِّم إيجابياً مبدأ ماركس في التحليل المتمثل في فهم الظاهرة الثقافية أو الاجتماعية انطلاقاً من شروطها التاريخية والاجتماعية، وكذلك مبدأ دوركهايم في تفسير الاجتماعي بالاجتماعي. مفهوم العنف الرمزي العنف الرمزي قضية محورية في أعمال بورديو. ففي معرض تعريفه بالدولة، يعطي العنف الرمزي معنى الضغط أو القسر أو التأثير الذي تمارسه الدولة على الأفراد والجماعات بالتواطؤ معهم. ويبرز هذا المعنى على نحو جليٍّ في التعليم الذي يمارسه النظام المدرسي لناحية الاعتقاد ببديهيات النظام السياسي، أو لناحية إدخال علاقة السلطة إلى النفوس كعلاقة طبيعية من وجهة نظر المهيمنين. وهو يعتبر رفض الاعتراف بممارسة العنف الرمزي محاولة للاستمرار في ممارسته. في تعبير آخر، يتجسد العنف الرمزي في البنى الموضوعية (من خلال القوانين التي تحفظ سلطة المهيمنين) وفي البنى العقلية "الذاتية" (من خلال مقولات الإدراك والتقدير التي تعترف بالهيمنة أو القوانين المفروضة). ويرى بورديو أن الدولة ليست مفهوماً مقدساً أو جوهراً قائماً بذاته، بل مفهوم ذو بعد اجتماعي. والاعتقاد بشرعية الهيمنة ليس فعلاً حراً وواعياً، كما يعتقد فيبر، إنما يعود إلى توافق مباشر بين البنى المُدخَلة التي أصبحت لاواعية وبين البنى الموضوعية. رأس المال الرمزي يعني رأس المال الرمزي، على ما يرى بورديو، القبول أو الاعتراف أو الاعتقاد بقوة أو بسلطة من يملك مزايا أكثر، أو شكلاً من الاعتراف بالشرعية، أو قيمة معطاة من الإنسان. ويرتبط هذا المفهوم بمبدأ السلطة ومبدأ التميُّز أو الاختلاف (في الخصائص) ومبدأ الأشكال المختلفة لرأس المال. ويدخل في مختلف الحقول وفي مختلف أشكال السلطة أو الهيمنة، أو في أشكال العلاقات. واعتبار الدولة مصرفاً من رأس المال الرمزي يُعتبَر بعداً جديداً من أبعاد الدولة. التلفزيون وخلفه سلطان الصحافة ينطلق بورديو من فكرة أن التلفزيون يشكل راهناً أداة للقمع الرمزي (نظراً للمستوى الثقافي أو المعرفي المتدنِّي للمشاهدين الذين يميلون إلى تصديق ما يعرض عليهم بعامة). وهو يأمل في أن يتحول التلفزيون إلى أداة للديموقراطية المباشرة لو تم رفع المستوى العلمي للمشاهدين وتقوية استقلالية التلفزيون عبر إدراك الإواليات التي تعمل على ضرب تلك الاستقلالية. والإواليات غير المرئية التي تُمارَس الرقابة من خلالها تجعل من التلفزيون أداة عظيمة لتثبيت النظام الرمزي (تواطؤ المتلقِّين والذين يمارسونه). وهكذا يغدو التلفزيون أداة لخلق الحقيقة وللتحكيم الاجتماعي والسياسي، وليس، كما يُدَّعى، أداة لتسجيل الواقع. وهو ليس ملائماً للتعبير عن الفكر أو الرأي؛ إذ يمنح أهمية للتفكير السريع وللغذاء الثقافي السريع المقترن بأفكار مسبقة. وحول هذا الموضوع يقدم بورديو أفكاراً للتحديد وللتحقق منها، بوصفها أموراً معقدة جداً لا يمكن معرفتها إلا من خلال عمل أمبيريقي مهم، ارتكازاً على ملاحظات من الواقع. كما أن الأفكار المقدمة تتعلق بالمجتمعات الغربية الأوروبية عامة والمجتمع الفرنسي خاصة. الشتم كاف لتطليق الزوجة في موريتانيا(4) كشفت دراسة جديدة قام بها الباحث الموريتاني الدكتور محمد محمود ولد سيدي يحيى أن الموريتانيين يختلفون في نظرتهم للعنف ضد المرأة وتقبلهم لدرجات منه فقد تبين أن التقاليد عند »البيظان« العرب الموريتانيين تعتبر أن العنف الرمزي »الشتم« كاف لتطليق الزوجة. ونفس هذه التقاليد لا ترى بأسا في القسوة على البنت بغرض تأديبها من أبيها أو أخيها إذا أساءت التصرف، أو حتى إجبارها على الزواج من الزوج الذي تفضله العائلة. بينما تميل المجموعات غير الناطقة بالحسانية (اللهجة المحلية) إلى تقبل تأديب الزوجة »الضرب« وتعتبره مفيداً لتحقيق الانضباط الأسري إلى درجة أن بعض الآباء يهدي سوطا لمن يصبح زوجاً لأبنته. وتؤكد الدراسة أن ضرب الزوجة شائع في بعض الأوساط وخصوصاً لدى مجموعتي »الحراطين والبولار«، ويتزايد في مدينة نواكشوط والولايات الجنوبية على النهر. العنف ضد المرأة في ثقافتنا التقليدية(5) هناك فارق مثلاً بين الإغتصاب وتشويه الأعضاء الجنسية للمرأة الذي يسمى ”ختان البنات“ أو ”الخفاض“. فالمغتصب يرتكب جريمة عمياء ربما اعتذر عنها إذا عاد إليه وعيه، أما المرأة الخاتنة أو ”المطهّرة“ فهي لا تعدو أن تكون طرفا فاعلا في ثقافة تعتبر أن قطع جزء أو أجزاء من أعضاء المرأة الجنسية أمر ضروري لـ”تعديل الشهوة“، وتظن أن هذا القطع من تعاليم الإسلام الضرورية. ليس الختان أكثر خطورة من الإغتصاب، الذي تميل المجموعة الدولية اليوم إلى اعتباره جريمة ضد الإنسانية، وليس أقل تسببا في الألم المستمر الطويل الذي يعبر عنه بـ”المعاناة“ في الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة (الذي تم تبنيه سنة 1993)، ولكن المغتصب يمكن ان يعاقب كفرد، أما الفتاة المختونة التي ستجر وراءها آلام جرحها الرمزي طيلة حياتها فلا أحد ينصفها في ظل أنظمة لا تجرّم فعل الختان ولا تمنعه أو لا تنجح في منعه نتيجة مجموعات الضغط المحافظة. بل ربما أعادت المختونة إنتاج هذا العنف وأخضعت ابنتها إليه، ظنا منها ان لا مفر من الختان. هذا هو ”العنف الرمزي“ الذي يحدثنا عنه عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو في كتابه عن ”الهيمنة الذكورية“، ويقول عنه انه ”عنف هادئ لا مرئي لا محسوس حتى بالنسبة إلى ضحاياه“، ويتمثل في أن تشترك الضحية وجلادها في التصورات نفسها عن العالم والمقولات التصنيفية نفسها، وأن يعتبرا معا بنى الهيمنة من المسلمات والثوابت. فالعنف الرمزي هو الذي يفرض المسلمات التي إذا انتبهنا إليها وفكرنا فيها بدت لنا غير مسلم بها، وهي مسلمات تجعلنا نعتبر الظواهر التاريخية الثقافية طبيعة سرمدية أو نظاما إلاهياً عابرا للأزمنة. أشد أنواع العنف ضد المرأة العنف الثقافي المقنّى العتيق الذي تعود ممارساته إلى مئات السنين إن لم نقل آلافها. وأشد أنواع العنف الثقافي هو ذلك العنف الرمزي الذي يبدو بديهيا، ويفرض نفسه على الضحية والجلاد والقاضي، ويقول عن نفسه انه ليس عنفا.بؤر العنف الذي يتم باسم مبادئ عليا، وأدوات تحليله ومواجهته هي ما سنهتم به في هذه الورقة.*
|