على رصيف تكثر فيه الحفر المليئة بالمياه الراكدة تجلس كل صباح نساء تضع كل منهن أمامها "بضاعتها" وتنتظر منذ الصباح الباكر إلى مابعد الظهيرة لتجيب عن أسئلة المارة حول مصدرها وسعرها وما إذا كانت طازجة أم لا.
هنا في منطقة "الريجي القديمة" في اللاذقية حيث اعتادت هؤلاء النساء فرد بضاعتهن التي تتشابه من واحدة لأخرى كثيرا, باقات من الفجل والهندباء والبقدونس والقرّيصة والسلق والحمضيات والخضار المتنوعة وغيرها, الأسعار أيضا تتشابه, ولكن الجودة قد تختلف من واحدة لأخرى فقد تكون بضاعة بعضهن قد بقيت منذ الأمس وباتت مع صاحبتها إلى اليوم, ومعظمهن نساء تقارب أعمارهن الخمسين عاما. لم يكن الحديث معهن سهلا! ولم أفهم في البداية لماذا؟ لكنني، بعد أن تحدّثن عن معاناتهن، عرفت لم كنّ خائفات ومرتبكات, وحين اطمأنين إلي قليلا بدأن بالكلام مجيبات بحذر..
- أم إياد, من أين تأتين ببضاعتك؟ - من البرية, أذهب بعد الظهر إلى الحقول وأجمع ما ينبت فيها من أعشاب وأغسلها وآتي بها في اليوم التالي لبيعها هنا. - والى أي ساعة تبقين هنا؟ - ليس هنالك ساعة محددة, حين أبيع كل بضاعتي أذهب, وإلا فإنني أبقى حتى المساء هنا. - هل تأتين إلى هنا كل يوم؟ - نعم, كل يوم, أريد أن أعيش. - أليس لديك أولاد؟ - لدي خمسة أولاد جميعهم عاطلون عن العمل, يعملون يوما ويجلسون عشرة أيام. - وكم يبلغ الدخل الذي تجنينه يوميا بشكل تقريبي؟ وهل هو كاف؟ - بين المائتين والمائتين وخمسين ليرة وسرية في المتوسط, ليس كافيا مطلقا ولكنني لا أستطيع إيجاد عمل آخر, ولا أتقن سوى هذا العمل. - ماهي الصعوبات التي تواجهك بشكل يومي؟ - الحياة صعبة يا ابنتي, إنني أعتمد على نفسي في كل شيء, أحمل البضاعة وأنقلها كل يوم من الضيعة إلى هنا, وأبقى إلى ما بعد الظهر, أصعد إلى المنزل لأعمل في المنزل قليلا, وأركض بعدها ركضا لأبحث عن النباتات والأعشاب في البرية وفي الحقول, لا أحد يساعدني في كل ذلك, في الصيف كثيرا ما تصيبني ضربة شمس , والآن في الشتاء, انظري إلى يدي المتشققتين.- أمل, أرى أمامك الكثير من البضاعة, كلها جمعتها من الحقول بنفسك؟ - كلا, أنا أشتري البضاعة من نساء لا يستطعن المجيء إلى هنا لبيعها, وأبيعها هنا بسعر أعلى قليلا, وأستفيد من فارق السعر. - نستطيع القول بأنك تاجرة إذا؟ - (تضحك بألم), يا حسرة!, تاجرة! إنني مجرد أرملة ليس لدي سند ولا ولد, المنزل الذي أسكن فيه مازال أهل زوجي يرفعون قضية عليّ لاستعادته مني, ومنذ سنوات وأنا (خرّي مرّي) من والى المحكمة, ومعظم ما أجنيه يذهب أتعاب محام. - وهل تأخذون إذن المحل الذي تجلسون أمامه؟ - نعم, لابد من ذلك, وهم أيضا طيبون معنا جدا, إنهم يضعون البضاعة التي تبقى دون بيع إلى اليوم التالي داخل المحل كي لا نحملها ونتعذب بنقلها, دون أن يطلبوا مالا مقابل ذلك أبدا. - والبلدية, هل تمنحكم إذنا بإشغال هذا الرصيف؟ - لا, إننا هنا بشكل غير نظامي, لقد تغير رئيس البلدية منذ أسبوعين, بالأمس مرّت دورة البلدية من هنا وصادروا بضاعتي التي لا أملك سواها, ماذا أفعل؟ شكوتهم لله! - والآن, ماذا ستفعلين؟ - كما ترين, لقد اشتريت اليوم بضاعة من جديد وبالدين, قد يعودون لمصادرتها لذلك علين أن نكون حذرات ولكننا مضطرات للعمل, لا تصدّقي أن امرأة تجلس هكذا في هذا البرد وتتحمّل كل هذا الذل إلا إن كانت هاربة من ذل أكبر. - أمّ وضاح, ما رأيك بالعمل هنا؟ - انه متعب جدا, نحن نجلس هنا من الصباح وحتى المساء في أحيان كثيرة, وعليك في المساء تجهيز البضاعة وغسلها, وترتيبها في باقات, وتحضيرها لجلبها في الصباح باكرا إلى هنا. - هل يستحق الدخل الذي تجنينه كل هذا العناء؟ - الدخل قليل, ولكنني مضطرة للعمل كي أساعد زوجي, انه موظف ولكن راتبه لا يكفينا نحن والصغار أكلا وشربا. - وأطفالك أليسوا بحاجتك أيضا؟ - نعم, إنهم مازالوا في المدرسة, ولكنني أحتاج إلى هذا العمل كي لا ينقصهم شيء, أجلس معهم في المساء لأطمئن أنهم يدرسون, وأقول لهم إنني أتعب أنا وأبوكم وعليكم أن تنجحوا, وفي أحيان كثيرة أنام وأنا جالسة بجانبهم دون أن أحس.
المحلات التي تقع واجهاتها على هذا الرصيف منها البقاليات ومنها محلات لبيع المعدات الزراعية ومحلات لبيع الأسماك ومن هذه تنبعث رائحة كريهة معظم الأحيان وبسببها يكثر الذباب في المنطقة وتبقى المياه التي تملأ حفر الرصيف وسخة, ومسببة وناقلة للأمراض ربما.الزبائن يتوقفون مطولا يسألون عن هذه الباقة وتلك, عن السعر والمصدر وعن الطزاجة, ويدخلون مع النساء المتعبات في جدال حول السعر غالبا من أجل عدة ليرات, وأحيانا من أجل ليرة واحدة! عدا عن ذلك فهم يتهمونهن بالكذب والغش, ويهاجمونهن بعنف كلامي غير مبرر.هنّ اليوم يجلسن حذرات, مجهّزات أنفسهن لإدخال البضاعة في أي لحظة تقترب فيها دورية البلدية إلى أقرب محل, هربا من كارثة المصادرة, التي تهدد دون مبالغة, مستقبل عائلات بكاملها!
هنادي زحلوط, عضوة فريق عمل "نساء سورية، (نساء على رصيف اللاذقية..) خاص: نساء سورية
|