|
مكانة المرأة الإنسان في المجتمع العربي |
|
|
|
نعمان عبد الغني
|
|
2006-04-01 |
|
صفحة 3 من 3 ثـالـثـا ـ التــعلــيم: إن أول عامل لتحرير الإنسان عموما، والمرأة بشكل خاص، هو التعليم وتحرير العقول. فليس هناك شيء يتميز بالقوة الفائقة شبه السحرية لتمليك الإنسان، امرأة كانت أو رجل، خير من العلم وتنوير العقول بأنواره، وتحريرها من عقدة الجهل وظلماته. وقد قطع إلى حد الآن في هذا المجال في تونس شوط لا بأس به، إلا أن ذلك بقي منقوصا من عدة جوانب. فهو منقوص من جهة التعميم، فمسألة التربية والتعليم لم تتعمم بعد. وهو من جانب المرأة أقل تعميم مما هي عليه من جانب الرجل ويعود ذلك إلى عديد الأسباب سبق أن تعرضنا لبعضها. والمسألة تتطلب منا مستقبلا مزيدا من العناية، ووضع كل التراتيب الضرورية من أجل تحقيق التعميم الفعلي للتربية والتعليم بين كل أفراد المجتمع، وخاصة من جانب المرأة. كما نقصد بتعميم التربية والتعليم الإستمرار في المدرسة والدراسة إلى مستوى يستحيل التردي معه من جديد في الأمية المطلقة، أو حتى النسبية، بعد مدة طالت أو قصرت من الإنقطاع عن الدراسة. كما نعول على التربية والتعليم لتحرير قدرات المرأة وتمكينها من كرامتها ومن أن تمسك مصيرها بيدها، بشكل يقطع مع التقليد والتبعية للغير، خاصة بعد ما بان فساد مثاله ووقع بالحجة والدليل وبما لا يدع الشك في الانحراف والضياع، ويراعي خصوصيات ذاتيتنا الثقافية والحضارية. فنحن ممن يعتبر أن القيم الإنسانية السامية والثوابت الخلقية، والإلتزام بالآداب الإسلامية في التعامل عموما وفي تحديد طبيعة علاقة المرأة بالرجل هو من شروط التقدم، ثم هو التقدم، ومن شروط المحافظة على التقدم وعدم الوقوع في منحدرات الإنحراف والإنهيار. و شعب يعيش حسب أهوائه ورغباته وميولاته، وليست له ثوابت خلقية ولاقيم إنسانية سامية تعصمه هو شعب مراهق، مهدد دائما بالإنحراف والإنزلاق في منحدرات الفساد والتخلف. وإن كان هذا المثال الذي نقدمه هو أشق على الغرائز والنفوس الضعيفة إلا أنه هو الطريق الأضمن والأمثل لتحقيق التقدم والرقي والمحافظة عليها. ولا ننسى أن ثقافة شعبنا هي ثقافة مادية وروحية، دنياوية وأخراوية، وهي ثقافة تحتل فيها مسألة الحلال والحرام مكانة هامة ومرموقة. ونرى أنه من واجب أي نظام سياسي صالح يؤمن إيمانا صحيحا بالديمقراطية، ويرى أنه متى بلغ السلطة يجب أن يكون خادما وفيا للشعب، يجب عيه أن يحترم المثل والقيم والعقيدة التي يؤمن بها الشعب. ولسنا نرى تحقيق ذلك ممكنا إلا عبر اعتماد برامج تعليمية وتربوية متمشية مع ذلك، مثلما ذكرنا ذلك بشيء من التوسع في فصل إصلاح النظام التربوي والتعليمي، وليست برامج متنكرة لذلك تمام التنكر مثل البرامج التي اعتمدت إلى حد الآن في تونس، وخاصة منها تلك البرامج الإنتقامية التحطيمية التي وضعها عن قصد وسابقية إضمار السيد محمد الشرفي. ذلك لأن البرامج التعليمية والتربوية المعتمدة ليست سوى صورة للمجتمع الذي يراد تكوينه. وبما أن السيد محمد الشرفي لا يستحضر في ذهنه إلا المجتمع الغربي ولا يحلم للشعب التونسي إلا أن يصبح مثله فقد وضع برامج متناسبة مع ذلك متناقضة مع هوية شعبنا وطبيعته الثقافية والحضارية. ونعتبر هذا التصرف الأخرق ضربا من ضروب الخيانة للشعب ولهويته. ونحن لا نحاسب السيد محمد الشرفي على أفكاره وقناعاته وتصوراته الخاصة، فهو حر أن تكون له الأفكار والتصورات والقناعات والأعمال الشخصية التي يريد. إنما الذي نؤاخذه عليه هو فرضه ذلك على الشعب، وهذا ضرب من ضروب الخيانة والدكتاتورية. ونرى تعليم المرأة والترقي بها إلى أعلى مستويات المعرفة وتنوير عقلها وتحرير قدراتها، هو أفضل سبيل لتحريرها وتمكينها من مسك مصيرها بيدها، وهذا أرقى في ذلك من سن القوانين لصالحها. لأن المرأة متى تعلمت تعليما معمقا غدت واعية من ذاتها بحقيقة موقعها ودورها في المجتمع وبحقوقها وواجباتها وبمصالحها، وفي نفس الوقت بالأشكال المناسبة للنضال من أجلها. أما القوانين فمهما كانت قد سنت لصالحها فذلك لا يمنع أنها ليست بيدها ولا هي من ذاتها وإنما هي خارجة عنها، وقد تطبق التطبيق الحسن لصالحها وقد يقع لأي سبب من الأسباب تعطيلها. فعملية التربية والتعليم والتثقيف هي الوسيلة المثلى لتحرير الإنسان، امرأة كانت أم رجلا. والمشكلة هنا تكمن في القدرة على تجاوز العوائق أمام تعليم المرأة والترقي بها إلى أعلى المستويات. كيف يمكن تذليل بقايا عقبات العادات والتقاليد السيئة والتخلف، وكذلك عوائق الفقر وعوائق الفهم الخاطئ للدين وعوائق الزواج المبكر وغير ذلك من العوائق التي عطلت كثيرا ولا تزال تعطل تعميم تعليم المرأة. ومما ننتظره من وراء تعميم تعليم وتربية المرأة، على أساس برامج معقلنة ومكونة للعقلية النقدية المبدعة، ومتمشية مع طبيعة هويتنا الثقافية والحضارية ومع كل الثوابت الخلقية والقيم الإنسانية السامية، هو تخريج أجيال من النساء ومن الرجال مستنيرين ومتحفزين للعمل الصالح وللإبداع في كل المجالات الحيوية في حياة المجتمع، وفي نفس الوقت متمسكين بالثوابت الخلقية التي تعين على سلامة المجتمع وتوازنه. أننا نطمح إلى أن نرى المرأة في بلادنا تغزو عن جدارة، مثلها مثل الرجل، كل المواقع الحساسة والحيوية في المجتمع، في مخابر البحث العلمي وفي أعلى مقاعد الجامعات وبين المحامين والقضاة والأطباء ورؤساء الشركات الكبرى وفي البرلمان وفي قصر الحكومة وفي قصر الجمهورية متى حظيت بثقة الشعب لذلك، إلا أنها في نفس الوقت يجب تبقى امرأة عفيفة مستقيمة وزوجة صالحة وفية وأما حاضنة لأبنائها حريصة على تربيتهم، وعمادا للعائلة ومحافظة عليها وعلى لحمة المجتمع وتوازنه، بصفتها خليته الأولى. إننا نريد للمرأة تحريرا يرتقي بها في سلم إنسانيتها وسلم القيم والمثل السامية، ويفيد المجتمع من طاقاتها وقدراتها ومواهبها في شتى المجالات، وليس تحريرا يحط من شأنها ومن كرامتها، ويجعل منها بضاعة للمتعة المبتذلة تباع وتشترى كبقية البضائع في الشوارع وعلى قارعة الطريق. إننا نريده تحريرا لا يهدد تربية الناشئة وتوازنها النفسي والعاطفي. ذلك لأن تربية الناشئة والسهر على توازنها هو هدف أساسي في مجتمع هدفه الأول هو الإنسان، وكل بقية أهدافه تصب في مصلحة هذا الإنسان، وتحقيق سعادته وترقيه في سلم إنسانيته. أما المجتمعات الغربية التي تغري العديد من أبناء جلدتنا، فهي مع الأسف الشديد لا تجعل من الإنسان هدفها الأول، إنما تركت هذا الشرف للمادة ولتكديس الثروة. فالإنسان في نظرها وفي واقعها اليومي هو وسيلة للإنتاج ولتكديس الثروة. كما أن سعادة الإنسان في نظرها هي سعادة، فضلا على أنها سعادة فردية أنانية، فإنها من جانب آخر سعادة منقوصة ووهمية لأنها لا تراعي إلا جوانب محدودة من الإنسان، وليس الإنسان ككل مادة وروح، وهي سعادة عابرة وهمية لأنها لا تراعي إلا اللحظة التي يمر بها الإنسان، ولا تراعي الإنسان في مصدره وفي حياته كلها مع التوقف على فهم مدلولها والهدف من ورائها وفي مآله بعد موته. وكل هذه وغيرها معاني هامة وغزيرة نختلف فيها مع المجتمعات الغربية والثقافة التي تحكمها وتعيش على ضوئها. وفضلا عن الإختلاف الكبير الذي يفصل طبيعة ثقافتنا ومجتمعنا وطبيعة الثقافات والمجتمعات الغربية، فإن هذه المجتمعات الأخيرة اعترفت منذ زمان بفشلها في مجال الإنسانيات وبتفككها على الجميع الأصعدة. ويكفينا هذا في الواقع لكي لا نأخذ من هذه المجتمعات مثالا نتبعه. رابـعـا ـ الإصـلاح التـشريعـي: كما سبق أن ذكرنا في هذا الفصل، إن التشريع المتعلق بالمرأة سن بشيء من التشنج وردة الفعل المفتعلة. وقد آن الأوان اليوم لمراجعة هذا التشريع وتنقيته مما فيه من تشنج وعقلنته. فالتشريعات المتعلقة بالمرأة يجب أن تطور في اتجاه مساواتها بالرجل والقضاء على التمييز إلا في المسائل القليلة الثابتة التي ميز فيها الشرع بينها وبين الرجل من مثل الإرث والشهادة في العقود. أما المساواة فيجب أن تحصل في مجال التربية والتعليم، وفي مجال العمل والأجور، وفي المجال السياسي وحق الإختيار للمسؤول وتحمل المسؤولية، وفي مجال التحرك اليومي والسفر، وفي مجالي الزواج والطلاق، وفي مجال حرية التملك. ويجب أن يتحقق ذلك على أساس مبدأ الحوار والإقناع وليس عن طريق الإكراه. فالمسألة لا تتوقف عند سن القوانين وإنما يجب أن تبدأ قبل كل شيء بالتوعية والتربية والتعليم، حتى يكون التشريع تتويجا لما التعليم والتربية والتكوين من تغييرات في العقلية والقناعات. والإصلاح التشريعي في هذه المسألة يجب أن يشمل المجالات التالية: 1 ـ على مستوى مجلة الشغل: لقد تحدثنا في موضع سابق من هذا الفصل حول مسألة استغلال المرأة من الناحية الإقتصادية، وذلك بتقديمها كطعم للصناعات التصديرية التي لم تمنحها بالاتفاق مع الإدارة إلا أجور بخسة للغاية، وفي نفس الوقت لم تعترف لها بأي من حقوقها الأخرى النقابية أو في التقاعد أو في الرعاية الصحية أو في جبر الأضرار الناجمة عن حوادث العمل. ففي تونس لما كانت نسبة البطالة مرتفعة اختيرت المرأة لاعتبارات عدة، كنا تعرضنا لذكر بعضها في ما سبق، لتكون الضحية الأساسية التي تغري المستثمرين الأجانب الذين لا يبحثون إلا عن الأماكن المعروفة بانخفاض الأجور فيها وبغياب النضال النقابي وبغياب المطالبة بأبسط الحقوق. وقد آن الأوان اليوم أن نضع حدا لهذه الممارسات المحطة بالكرامة البشرية، ونضمن ذلك في تشريعات الشغل المعمول بها في البلاد. وأن نعطي للمرأة العاملة نفس الحقوق التي يتمتع بها الرجل العامل: أجر المثل، الرعاية الصحية، الانخراط في صندوق التقاعد والحيطة الإجتماعية، الجبر المناسب لحوادث الشغل، تحديد ساعات العمل الأسبوعية، تحديد أيام العطل السنوية، تحديد عطلة الأمومة ورعاية المولود، حق الشغل نصف الوقت بالنسبة للأمهات وأرباب العائلات دون أن يصحب ذلك غبن في الحقوق الأخرى. 2 ـ علـى مـستوى مـجلة الأحـوال الـشخصية: ذكرنا في موقع سابق من هذا الفصل أن مجلة الأحوال الشخصية، رغم بعض الهفوات التي وقعت فيها والتشنج الذي ميز ملامحها، تعتبر مكسبا هاما يجب تطويره في اتجاه المزيد من الحداثة والتحرر في إطار ضوابطنا الثقافية والحضارية والمحافظة عليه. خـامـسـا ـ تـصحيح الممـارسـات: لقد رأينا في موقع سابق من هذا الفصل أن المظالم المسلطة على المرأة ليست دائما نتيجة للجهل والتمسك بالعادات والتقاليد السيئة. وإنما قد تكون أيضا نتيجة عقلية طبيعتها معقدة. فنحن نكون قد أخطأنا إذا قلنا إن الإضطهاد لم يلحق المرأة إلا في العائلات الفقيرة الجاهلة والمتخلفة في تونس. فإن كان هذا حاصلا بدون منازع، فإن الظلم والإضطهاد المسلط على المرأة، من مثل التعنيف والضرب المبرح والتضييق عليها في ممارسة أبسط حقوقها الطبيعية، وعدم احترام حقها في التملك واغتصاب أموالها من طرف الزوج على وجه الخصوص، وخاصة خيانتها ومعاشرة النساء من وراء ظهرها، واضطهادها وغمط حقوقها ومضايقتها جنسيا في أماكن الشغل، وكبت تطلعاتها السياسية والنقابية والنضالية عموما، وغير ذلك من أشكال الظلم والممارسات السيئة ضدها، لا تزال من الممارسات السيئة اليومية والطبيعية في الوطن العربي. ومعظم هذه الممارسات المحطة هي من صنيع الطبقة المثقفة العلمانية على وجه الخصوص، أولئك الذين لم يتوقفوا لحظة، على مستوى الخطاب على الأقل، عن المناداة بتحرير المرأة والرفع من شأنها واحترام كرامتها، مما يترك الإنسان في حيرة أمام هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة بشأن مسألة المرأة لدى هؤلاء المثقفين، ثم هل هم على حسن نية في خطابهم النسوي أم هم يرفعونه لحاجة في نفس يعقوب؟ والمهم في المسألة أن المظالم العديدة التي لا تزال تسلط على المرأة، بما فيها المرأة المثقفة ذاتها، من قبل الرجل، بما فيه الرجل المثقف إسلاميا كان أو علمانيا على السواء، ليست بسبب الجهل والفقر والتخلف فحسب، وإنما يعود ذلك في جزء كبير منه حسب رأينا إلى عوامل ثلاثة أساسية متجذرة في شعور ولا شعور الرجل، لا يفيد معها التثقيف والتعليم السريع والسطحي مثلما هو الحال في الوطن العربي، وإنما يتطلب الحد منها عملية توعوية جماعية طويلة المدى، تتفاعل فيها العديد من الإعتبارات العقدية والتربوية والثقافية وغيرها. وهذه العوامل هي: ـ العقلية المنحرفة السائدة المتمثلة في تفضيل الذكر على الأنثى منذ الولادة: عقلية منحرفة سائدة في المجتمع التونسي، وفي غالب المجتمعات الإنسانية، منذ القدم تدور حول تفضيل الذكر على الأنثى. وتصبح هذه العقلية خطيرة جدا على نفسية الأنثى، المرأة الإنسان، إذا كانت العائلة متكونة من عديد الأبناء، ذكورا وإناثا، يكون التمييز بين الفريقين من طرف الوالدين مفضوحا، بحيث تكلف البنات بكل الأعمال المنزلية ويعفى منها الأبناء، ويقرب الأبناء من الآباء ويميزون من طرفهم في الهدايا والمعاملة، وتهمل البنات وتنبذ في بعض الأحيان ويساء معاملتهن. إن هذا التصرف السلبي قد خلف لدى المرأة آثارا نفسية سيئة منذ صغر سنها، وتركها تنشأ تحت أثر عقدة مركب النقص، مستسلمة تمام الإستسلام للوضع المسلط عليها فاقدة لروح المقاومة له، أو تنشأ ناقمة على كل ما يحوم حولها ثائرة على الوضع المحيط بها، رافضة لكل شيء أو تكاد. وعقلية تفضيل الذكر على الأنثى في المجتمعات الأبوية تعود أسبابها في الغالب إلى أن تواصل النسب لا يحصل إلا عن طريق الذكور، أو لأن الذكر يبقى في العائلة أو قريبا منها ويعول عليه لدى الحاجة والملمات، بينما الأنثى ما أن تكبر تتزوج وتلتحق بعائلة أخرى تصبح تابعة لها، وتنقطع فائدتها أوتكاد لعائلتها الأصلية، أو لأن الأنثى هي محل إغراء للذكور فتقع في شباكهم أو يقعوا في شباكها، كما شئت، فيحصل المكروه في مجتمع يضخم الفضيحة بشكل كبير إذا حصلت من جانب المرأة أكثر مما لو حصلت من جانب الرجل بينما هي في الأصل واحدة لو حصلت من طرف المرأة أو الرجل على السواء. ومهما كانت أسباب هذه العقلية المنحرفة ومهما كان عمق تجذرها يجب مقاومتها، كخطوة أولى لأنصاف المرأة ومساواتها بالرجل كإنسان. ولا يمكن مقاومة هذه العقلية إلا بالتوعية والتربية والتكوين دون استعجال النتائج في ذلك. ـ عامل الغريزة الجنسية وضعف الرجل أمامها: جبل الإنسان عموما والرجل بشكل خاص على فرط ضعفه أمام شهوته الجنسية. وإذا لم يكن له ضابط إيماني وخلقي قوي يعصمه وينهاه، فإنه سوف لن يتوقف عن جلب انتباه المرأة من حوله ومضايقتها ومراودتها عن نفسها، وإذا لم يمكنه كل ذلك من بلوغ هدفه فسوف لن يتردد حتى في اغتصابها وهي كارهة دون أن تستطيع المقاومة والتظلم، خوفا من الفضيحة أو خسارة بعض المصالح. وقد يكون الجاني صاحب ثقافة عالية أو مستوى علمي رفيع دون أن يمنعه ذلك من الوقوع في جنايته. وهو ما يتركنا نتساءل عن العلاج. ولسنا نرى من علاج لمثل هذه الممارسات إلا التربية المعمقة على أساس برامج مشبعة بقيمنا الإسلامية الناجعة، وكذلك سد أبواب الإغراء بأساليب معقلنة مدروسة وناجعة، وتوفير كل وسائل التيسير للزواج المبكر للشباب. ـ عقلية حب الهيمنة على المرأة لدى الرجل: جبل الرجل منذ بدء الخليقة على السعي إلى الهيمنة على المرأة بكل الوسائل، وقد يصل الأمر به إلى أكثر من ذلك، إلى ما يشبه حق تملكها وتجريدها بذلك من إرادتها ومن كل حقوقها الشرعية والطبيعية. وإذا كان التوحش والجهل والتخلف يجذر هذه الجبلة ويضخمها لدى الرجل، فإننا نجد في المقابل أن التحضر والتثقف والحرية والتحرر يلطفانها ويهونانها. ولا تزال ظاهرة حب الهيمنة على المرأة واضطهادها هي الظاهرة الغالبة في العالم، بما فيه العالم المتقدم. أما الإسلام الذي ينتمي إليه شعبنا، والذي تذرع به خلق كثير في تهميشهم للمرأة ولدورها في المجتمع وفي غمط حقوقها، فهو لا يقول بذلك، وإنما أتى حاثا على عكسه تماما. فهو لم يحد لها من المسؤولية على كسبها في الآخرة، وجعلها مسؤولة على أعمالها وكسبها مسؤولية كاملة مثلها مثل الرجل، فكيف تريده إذن أن يحد لها من هذا الكسب الذي هي مسؤولة عنه ولا مما تستوجبه عليها مهمة الإستخلاف التي خلقت مثلها مثل الرجل من أجل تحقيقها ومحاسبتها والسؤال عنها يوم السؤال. ونخلص من كل ذلك أن تهميش دور المرأة في المجتمع وغمط حقوقها والوصاية وحب الهيمنة عليها من قبل الرجل لم يأمر به وحي صريح ولا عقل، وإنما هو بسبب نقص في الرجال وهوى من طرفهم وبقية من طبيعة التوحش والجانب الحيواني فيهم وجهل وسوء في الفهم للوحي من طرفهم. فالإسلام كوحي ليس هو المسؤول عن ذلك وإنما أفهام الناس القاصرة والمتأثرة بالتخلف والإنحطاط هي المسؤولة عنه. والفارق بين الشعوب في هذه المسألة هو فارق في درجة حدتها وليس في وجودها أو عدم وجودها. وظاهرة اضطهاد المرأة وحب الهيمنة عليها هي ظاهرة سيئة منتشرة في كل بلدان العالم بما فيها أكثر البلدان تقدما مثل الولايات المتحدة وبلدان أوروبا الغربية. وهذه الظاهرة، كما ذكرنا، ليست قوية في مجتمعنا التونسي بين الريفيين والأميين والفقراء فحسب، وإنما أيضا بين شريحة عريضة من المثقفين. ومعالجتها أو الحد منها لا يمكن أن تحصل بالإقناع والتكوين والتربية على أساس برامج تربوية جادة مشبعة بمعاني المساواة والتكامل بين المرأة والرجل، وهنا أيضا يمكننا أن نلاحظ أن تراثنا الثقافي المؤصل مشبع بهذه المعاني. كما يمكن الحد من هذه الظاهرة أيضا بالسعي إلى إيجاد واقع يتناقض معها، بسن التشريعات المناسبة التي تقر حق المرأة بالتواجد في كل المواقع في المجتمع، مثلها مثل الرجل، متى توفرت فيها الشروط المطلوبة مثلما هو الحال بالنسبة للرجل. ثم متابعة ذلك بالسعي الدائم لاحترام تطبيق القانون والتشديد على مخالفيه. ـ التقاسم التقليدي للمهام بين الرجل والمرأة: تعارف الناس، في أنحاء شاسعة من العالم منذ أمد بعيد من تاريخ البشرية، على تقاسم للمهام في الحياة بين الرجل والمرأة. فبينما تكفلت هذه الأخيرة بالإنجاب من أجل تواصل الجنس البشري، وذلك ليس باختيار منها وإنما بسبب طبيعتها الأنثوية التي خلقت بها، ثم بالقيام على الأولاد وعلى كل العائلة من داخل البيت. بينما تكفل الرجل بالسعي على العائلة خارج البيت. ولما تطورت حياة البشر واتسعت بالإضافة للإهتمامات الفردية والعائلية إلى اهتمامات عامة تهم حياة المجموعة ككل، حصل هذا التوسع في الإهتمام على حساب المرأة بسبب غيابها وانشغالها بحياة العائلة في البيت. ومع تقادم الزمن فسر هذا الغياب للمرأة عن الإهتمامات العامة للمجموعة بسبب عجزها عليه وعدم صلاحيتها له، وهو تفسير غير صحيح طبعا وقد قدم من طرف الرجل بسوء نية منه حتى لا تزاحمه المرأة في تلك الإهتمامات وحتى لا تتمرد عليه وتخرج من قبضته. إلا أن المرأة لم تستسلم لذلك الواقع وناضلت في أماكن عدة من العالم من أجل اكتساب حقوقها. وقد أعانها على ذلك ترقي البشرية عن البدائية ونضجها المعرفي. ولا يزال هذا النضج المعرفي ومزيد اتساعه بين الناس هو المدافع الأول على حقوق المرأة ومساواتها الطبيعية بأخيها الرجل. وقد نهض منذ بضعة عقود عامل آخر للدفاع عن حرية المرأة ومسواتها بالرجل وحقها الكامل في المساهمة إلى جانب الرجل في الإهتمامات العامة لحياة المجموعة. وهذا العامل تمثل في الثورة التكنولوجية وما أحدثته من تغييرات عميقة على حياة العائلة. فالسيارة طوت المسافات وأمنت الطريق والثلاجة والغسالة ووسائل الطهي السريع وغيرها من التجهيزات المنزلية يسرت كثيرا من مهمة القيام بالأشغال المنزلية، ولم يعد ذلك يحتاج للتفرغ الكامل من طرف المرأة لأشغال المنزل، خاصة إذا أضفنا إلى ذلك تقلص حجم العائلة المعاصرة. كما مكنت هذه التجهيزات من رفع الإختصاص عن المرأة بالشؤون المنزلية، وأصبح الرجل بدوره قادرا مثله مثل المرأة على القيام بها والتناوب عليها مع المرأة الأم أو الأخت أو الزوجة أو البنت أو الإبن أو غيرهم. كما أدخل التطور التكنولوجي وسائل الاتصال والتعليم والتوعية المختلفة إلى البيت من مثل المذياع والتلفاز والهاتف والحسوب وشبكة الأنترنيت وغيرها، وغدا من الصعب مع هذه التجهيزات الإبقاء على المرأة مغفلة غير واعية بقيمتها وبذاتها وبحقوقها وواجباتها. إن الثورة التكنولوجية وما أدخلته من تيسير كبير في مهمة القيام بالشؤون المنزلية وتقلص حجم العائلة وغزو وسائل التثقيف والتوعية والتكوين للبيوت والتغيير الذي حصل في نمط الحياة في العائلة وانفتاحه على المحيط والمجتمع بدلا عن طبيعته المنغلقة في السابق هي بصدد إنصاف المرأة ودعمها من أجل التعبير عن كيانها وقيمتها، ومن أجل المشاركة في الإهتمامات المشتركة بكافة أنواعها في حياة المجتمع. هذه بإجمال رؤيتنا حول مسألة مواصلة تجذير موقع المرأة في مجتمعنا العربي. 11/3/2005
|