|
مكانة المرأة الإنسان في المجتمع العربي |
|
|
|
نعمان عبد الغني
|
|
2006-04-01 |
|
صفحة 1 من 3
المرأة في الحقيقة، ليست نصف المجتمع فحسب، بل هيّ أيضا والدة ومربية للمجتمع بأسره في مدرسته الأولى على الأقـلّ التي تطبعه إلى حد بعيد في بقية مراحل حياته. من هنا تأتي أهميّة وضرورة العناية بالمرأة، بل وإعطاءها الأولويّة في ذلك على الرّجل. فالمرأة، على هذا الأساس، هيّ عماد المجتمع، فإذا ما وقعت العناية بها وإيلاءها ما يوافق قيمتها وأهـميّتها من الإعتبار الصّحيح والعناية الفائـقة، استقام المجتمع كله وصلح حاله. أمّا من أهملها وحطّ من قيمتها وإنسانيّتها وتجاهل وجودها كعضو فاعل في المجتمع، له قيمته المركزيّة، فقد هدم المجتمع أو على الأقـلّ، فقد أضرّ بالمجتمع ضررا بليغا. بناء على ما تقدّم فإنّنا لا نحسب أنّ ما مرّت به عديد المجتمعات، قديما وحديثا، من تخلّف وانحطاط وانحلال، كان قد حصل لها بمعزل عمّا وقعت فيه من إهمال لوضعيّة المرأة ودورها فيها، وما تعرضت له من إساءة خطيرة مخلّة بكرامتها وإنسانيّتها. ولو دقّقنا النّظر والتحليل لوضعيّة المجتمعات المتخلّفة وفي أسباب تخلّفها لوجدنا أنّ ذلك، في جزء كبير منه، يعود إلى الطبيعة السيئة لوضعيّة المرأة فيها. فإذا كانت المرأة مهملة ومحتقرة، تعيش وضعيّة الدّنيّة والجهل والقهر وسحق للشخصيّة وعدم الاعتبار، فلا غرابة أن ينشأ الأبناء أيضا عل الجهل وضيق الأفق وضعف الشخصيّة وتذبذبها. وإذا ما التحقوا بالمدرسة عند بلوغ سنّ التعليم، فإنّهم غالبا ما يبقوا مرشّحين للفشل في دراستهم، إذ أنّ النّجاح فيها لا يمكن أن يحصل إلاّ بتظافر الجهود بين البيت والمدرسة. وحتّى إذا ما نجحوا يبقى نجاحهم نسبيّا ومنقوصا. بينما لو كانت الأمّ متوازنة الشخصية ومتعلّمة وواعيّة فإنّه، فضلا عن حرصها الأشدّ على تعليم أبنائها وتربيّتهم تربيّة راشدة بمقدورها تلقينهم منذ الصّغر حبّ المعرفة والتّعلّم وستكوّن فيهم أيضا سعة الأفق وكذلك منهجيّة أرحب في رؤية الكون وفي أسلوب التّعامل معه، بأفضل ما يستطيعه المعلّم في المدرسة. وذلك لأهمّية ما يربط الطّفل، من علاقة خصوصيّة، بأمّه، تيسّر عمليّة التبليغ والتلقين بينها وبينه. فعمليّة التعليم والتربيّة تشبه إلى حدّ بعيد عمليّة الرّضاعة بل هيّ تواصل طبيعيّ لها إذا كانت الأمّ واعيّة ومتعلّمة. ونخلص ممّا سبق إلى أنّ المرأة هيّ نصف المجتمع عدديّا، وهي من ناحية أخرى عماده الأساسي ومدرسته ومربّيته الأولى. لذلك فإنّ العناية بالمرأة عناية جادّة، وإنزالها في المجتمع منزلتها التّي تستحقّها كأمّ ومربّية له، وعضو فاعل فيه، مثلها في ذلك مثل الرّجل، وإيلاؤها الإعتبار الكامل والمساواة بينها وبين الرّجل من حيث أنّهما يشتركان في قيمة الإنسانيّة، من شأنه أن يحقّق معنى العدل والنّديّة بينها وبين الرّجل. كما هوّ من شأنه أن يمكّن الجسم الإجتماعي من النّهوض بكلّ أعضائه وقوّاه وليس بنصفها فقط، لأنّ نصفها الثّاني، المتمثّل في المرأة، مشلول ومعطّل. لقد ولّى الزّمان، في عالمنا الحديث، الذّي كانت فيه عوامل تحقيق التّنميّة والتّقدّم تكمن في استغلال سطح الأرض وما يوفّره لمستغلّيه من خيرات، وفي بطنها وما تحتويه من كنوز وثروات طبيعية، أو في وسائل وتقنيّات تمكّن من تحويل تلك الثّروات الخامّ إلى منتجات متطوّرة ومتعدّدة تلبيّ أدقّ المطالب والحاجيّات وتشبع عديد الرّغبات. إنّ الأرض ورأس المال تراجعت قيمتهما كعوامل إنتاج، وحلّ محلّهما في الصّدارة في عمليّة تحقيق التّنميّة والتّقدّم الرأس المال البشري وما يحمله من علوم ومهارات فائقة في استغلال المعطيات. لقد غدا الذهن البشري وقدرته الفائقة على استيعاب الأشياء والمعطيات وطاقاته الواسعة على التّصرّف فيها وتحويلها، هوّ المنبع الأساسي لخلق الثّروة وتحقيق التّنميّة والتّقدّم، ممّا يعني أنّه قد غدا بإمكان المجتمعات المحرومة من كلّ أنواع الثّروات الطّبيعيّة والماليّة أن تتحوّل بدورها إلى مجتمعات ناهضة متطوّرة، إذا ما أحسنت استغلال ثرواتها البشريّة الكاملة من رجال ونساء وقدراتها الذّهنيّة. وذلك إذا أحسنت تكوينها وتنوير الأذهان فيها، بالعلم والمعرفة، وتأهيلها للتّعامل بمهارة فائقة مع المعطيات، ومواكبة ركب تطوّر العلوم والمعرفة في العالم. على هذا الأساس فإنّه لا يحقّ لمجتمعات نـّابهة أن تجمـّد نصف ثرواتها البشريـّة، المتمثّلة في المرأة، وتضحـّي بها فتهملها وتهمشها، ولا تعترف بها كعضو فاعل في المجتمع، له قيمته وأهمّيته ودوره المركزيّ فيه. إن ّ ذلك يكـلّفها خسائر فادحة على مستويات عدّة، وخاصّة على مستوى تنمـيّتها الإقتصاديـّة وازدهارها العلمي والمعرفي وتقـدّمها على جميع المستويات، ويفـوّت عليها فرصا ثمينة في هذا المجال. وهذا الـشّلل الـنّصفي لا يتوقّف ضرره على الـنّصف المشلول فحسب، وإنّما يتعـدّاه إلى الـنّصف الآخر، الـرّجل. فهذا الأخير إذا كانت إلى جانبه امرأة متعلّمة واعيّة ومحـرّرة الـطّاقات وفاعلة في المجتمع، يكون هوّ أحسن عطاء وأرفع جدوى ومردوديّة مـمّا لو كانت إلى جانبه امرأة جاهلة، مجـمّدة الطّاقات محطّمة الشّخصيّة، معدومة الحضور والإعتبار في المجتمع. فالوضعيّة المتدنّية للمرأة في المجتمع لها تأثيرها السلبي على وضعيّة الرّجل، ولا تجذبها إلاّ إلى الخلف وإلى الأسفل. إنّ مسألة تحرير المرأة، تحريرا صحيحا وليس استغلاليّا ودعائيّا فقط، هيّ مسألة جوهريّة وملحّة للغاية في هذا الـزّمان، وذلك لاعتبارات عـدّة. فتحريرها تحريرا حقيقيّا مسؤولا، كما تقتضيه إنسانيّتها، ورفع اليد عنها والكفّ عن ظلمها واستغلالها، هـوّ مطلوب قبل كلّ شيء من منطلق مبدإيّ، لأنّ ذلك من حقّها الطّبيعي والشرعي وليس هوّ منّة ولا هو هبة من أحد. كذلك هوّ مطلوب لأنّه ليس هناك ما يمنعه عقلا ولا نقلا، بل على العكس فإنّ العقل والنّقل يؤكّدانه ويحثّان عليه. وهو مطلوب أيضا من جهة إقامة العدل الواجب إقامته بين الجنسين. إذ ليس هناك ما يميّز بين الرّجل والمرأة في حق وضرورة التّكريم، وإعطاء الإعتبار، وتنوير العقول، وضرورة الفعل في المجتمع، من أجل تحقيق التّقدّم والرّقيّ والتحضر على جميع المستويات. وهو مطلوب أيضا من جهة الضّرورة والحاجة والمصلحة الجماعيّة للمجتمع، في عصر غدت فيه القدرات والمؤهّلات الذّّهنيّة هيّ القيمة النّادرة المبحوث عنها لدورها المركزي في عمليّة إيجاد الوفرة وتحقيق التّقدّم والنّهوض عموما. فمن هذا الجانب لا يليق بمجتمع عاقل را شد أن يتصرّف تصرّف السّفيه، فيهمل ويهمّش أو يجمّد نصف طاقاته البشريّة، وما يحمله من قدرات ذهنيّة وإبداعيّة هو في أمسّ الحاجة إليها. والأمر مطلوب أيضا من جهة ضرورة تمكين المرأة، تماما مثل الرّجل، من تحقيق إنسانيّتها وترقّيها في سلّم قيّمها، والنّهوض للقيام بدورها في المجتمع وفي الحياة. ولا يتسنّى لها ذلك إلاّ بفسح المجال أمامها، مثل الرّجل للنّهوض بذاتها وتفطيق طاقاتها وتنميّة مواهبها وقدراتها. وهو مطلوب في الأخير من جهة أنّ المرأة، مثلها مثل الرّجل، مكلّفة في هذه الحياة، ومسؤولة، أصالة عن نفسها وليس الرجل هوّ المسؤول عنها، على وجودها في هذا الكون ومحاسبة عن كسبها فيه، تماما مثل الرّجل. فمن الجور تماما، أن يمكّن الرّجل من فرص التهيّء والكسب بحرّية، بينما هيّ تحرم، قصرا بسبب الظّلم المسلّط عليها، من فرصة تأهيل نفسها لهذا الكسب الذّي ستسأل عنه بمفردها لا محالة يوم السؤال. إذا كان تحرير المرأة تحريرا صحيحا، أو قل تمكينها من وضعها الطّبيعي الذي خلقت لتكون عليه في المجتمع بشكل تلقائيّ، بهذه الأهميّة والإلحاحيّة، فما هيّ إذن أسباب إهمالها واضطهادها وتهميشها تهميشا كاملا، بل وحتّى، في بعض المجتمعات وفي بعض الأحقاب التّاريخيّة، اعتبارها، جهلا وظلما، مخلوقا آخر من غير جنس الإنسان، وهي مخلوقة حسب تصوّرهم السّقيم لخدمته بل ليفعل بها الرجل ما يشاء. يعود ذلك حسب تصوّرنا إلى عاملين أساسيين هما منطلق بقيّة العوامل الأخرى: أوّلا ـ غريزة حبّ التّـغـلّـب والتّـفـوّق: رغم أنّ الإنسان مميّز، عن بقيّة المخلوقات، بملكة العقل والقدرة على التمييز بين الخير والشرّو الإختيار بينهما، وكذلك بالقدرة على التفكير والإبداع، إلاّ أ نّه يبقى محكوما في بعض أعماله ومواقفه وقناعاته ببعض الغرائز الفطريّة فيه، المتصارعة داخله مع قيمة العقل لديه، التي تتمّم له إنسانيّته، متى تغلّبت عليها هوت به إلى الأسفل، إلى المستوى الحيواني. ذلك لأنّ الحيوان لا يحكمه إلاّ الحسّ والغريزة. ودور الغرائز لدى الإنسان يبرز ويتضخّم كلّما تقلّص لديه، بسبب الجهل وظلماته والجمود وضيق الأفق، دور العقل. ومن بين غرائز الإنسان التّي تقرّبه من الحيوان غريزة حبّ التّغلّب والهيمنة على الآخر. فهذه الغريزة هيّ التّي تنظّم طبيعة العلاقات وسلّم السّيادة في المجتمع الحيواني. لذلك فنحن نلاحظ أ نّه كلّما كان الحيوان أ قوى وأشدّ فى التّغلّب والإفتراس كلّما كانت هيبته وخشيته بين بقيّة الحيوانات أكبر. ولمّا كانت المجتمعات البشريّة الضّاربة في جذور التّخلّف والإنحطاط والتقليد هيّ مجتمعات غريزيّة إلى حدّ كبير، فهي إذن مجتمعات تشبه المجتمعات الحيوانيّة في بعض طبائعها وتصرّفاتها، محكومة ببعض الغرائز ومن بينها هذه الغريزة. فهي إذن مجتمعات يسيطر فيها القويّ، بكلّ معاني القوّة، على الضّعيف، بكلّ معاني الضّعف. وكلّما وقع الإنسان ضحيّة لغريزة التّغلّب لدى أخيه الإنسان، كلّما تضخّمت لديه هوّ بدوره دوافع هذه الغريزة، وبحث هوّ من جهته عمّن يسلّطها عليه ويحقّق بها عليه غلبته. والإنسان الجاهل والمتخلّف هوّ مغلوب من طرف أخيه الإنسان ومن طرف الفقر والفاقة ومن طرف قوّة الطّبيعة، وهوغالبا بسبب جهله وتخلّفه وتوحّشه لا يجد عمّن يسلّط غريزة حبّ التغلّب والتّفوّق إلاّ على المرأة من حوله وفي محيطه بعد أن عجز على إنفاذها على غيره خارج بيته ومحيطه. وهكذا، وربّما بسبب تفوّقه البدني الفيزيولوجي وشدّة توحّشه وقـساوة قلبه، وربّما لأسباب عدّة ومتداخلة أخرى، لم يجد الرّجل، عبر مختلف العصور، أفضل من المرأة كزوجة وكأخت وبنت وأمّ وقريبة، يتّخذها كضحيّة يسلّط عليها دوافع غـريزة حبّ التّغلّب والتّفوّق الكامنة فيه، فيحكم قبضته عليها ويسلّط عليها ظلمه وتوحّشه بحجّة العديد من الأعذار والتعلاّت التي لا ينهض لها دليل معقول ولا منقول. نحسب أنّ هذا العامل هوّ أحد أهمّ أ سباب حبّ هيمنة الرّجل على المرأة والإبقاء عليها في وضعيّة الطّرف الضّعيف والمهمّش والتّابع. ثـانيـّا ـ الجهل عـد والـمرأة الأوّل: إن كان الجهل هوّ عدوّ الإنسان عموما، فهو للمرأة أ شدّ عداءا. أمّا عداوته للإنسان عموما فحاصل من جهة كونه يحرمه من استغلال قدراته الذّهنيّة، ويحول بينه وبين التّسلّق في سلّم قيّم إنسانيّته، ويتركه مجاورا للحيوان محتكما في معظم الأحيان إلى حسّه وغرائزه. فالجهل ليس شيئا آخر سوى آلة لتعطيل العقل للقيام بمهمّته. والإنسان، كما سبق أن ذكرنا، ليس إنسانا حقيقة، مميّزا عن الحيوان وبقيّة المخلوقات إلاّ بعقله. فمتى تعطّل هذا الأخير، لم يبق للإنسان شيء كثير يميّزه عن الحيوان. فالعقل هوّ آلة الفهم والتّأمّل والتّمييز والإبداع وصناعة الفكرة والعلم ووعائه. وهو لهذا السّبب ميزة الإنسان ووسيلة ترقّيه في سلّم قيّم إنسانيّته. والجهل، كما ذكرنا، هوّ أشدّ ضررا وعداءا للمرأة. ذلك لأنّه يضرّ بها مثلما يضرّ بالرّجل. زيادة على ذلك فإنهّ يضرّ بها نتيجة الضّرر المسلّط عليها من قبل الرّجل بسببه. فأنت ترى الرّجل نتيجة جهله وتوحّشه، تحمل به المرأة وتضعه ويترعرع في أحضانها وبين ذراعيها، حتّى إذا كبر وصلب عوده قام فقال إنّ المرأة مخلوق آخر غير البشر ودونه في القيمة والكرامة، والرّجل يولد له الذّكر فيقيم الأفراح والولائم وتولد له الأنثى فيحزن ويتبرّم وجهه وفي بعض العصور والأماكن ذهب إلى حدّ وأدها، متناسيا المرأة هي التي قامت على مختلف مراحل خلقه وولادته ونمـوّه حتّى استقام عوده. وقد غاب عنه، بسبب جهله وتحجّره، أنّ كلّ الأجناس في الكون من حوله لا تلدها إلا أجناسها ولا تلد إلاّ من أجناسها. وإذا كان الجهل قد بلغ بالرّجل هذا المبلغ من الظلم للمرأة فلا فائدة إذن في الحديث عن بقيّة مظالمه الأخرى لها. المبحث الأوّل: وضعيّـة المرأة فـي الوطن العربي: لقد عاش الوطن العربي، مثله مثل العديد من البلدان المتخلفة الغائبة عن الدورة الحضارية المشابهة له، قرونا طويلة في الظلام الدّامس والجهل المطبق والانحطاط الرّهيب. فقد كانت وضعيّة المجتمع فيها وقتها تشبه إلى حدّ بعيد وضعيّة المجتمع البدائي، حيث يسود الحسّ والأهواء والغرائز، ويغيب فيها العقل وما يمكّنه صاحبه من النظر والتأمّل في سنن الكون وقوانين التطور، والإبداع والتمييز بين الخير والشرّ والصّالح والفاسد. وكانت سلطة الحاكم ثمّ المستعمر، في تلك العصور، مطلقة، مطارقها تدقّ رؤوس العباد وسياطها تلهب جنـوبهم، دون أن يكون هناك معارض ولا محتجّ ولا حتّى من يرفع رأسه. كما كان النّاس، في تلك البلدان، في صراع مرير مع الطّبيعة القاسيّة التّي لم تكن تجود عليهم من عطائها إلاّ بالقليل، بسبب بدائيّة وسائل إنتاجهم، وبذورهم المتواضعة في جودتها، وقلّة القطر في بعض السّنين على الأقلّ. فكانوا في معظمهم يشعرون بالإنهزام والدّنيّة، لا تنصفهم الحياة في أيّ وجه من وجوهها، فيعودون إلى بيوتهم مقهورين يبحثون فيها عمّن يسلّطون عليه جامّ نقمتهم ويحقّقون عليه غلبتهم، عـساهم يخفّفون بذلك عن أنفسهم ما هو واقع بهم من قهر وانهزام، فلا يجدون فيها من مخلوق ضعيف إلاّ المرأة، فيستبدّون عليها ويسلطون عليها أبشع المظالم، ليتذوّقوا بذلك حلاوة طعم الغلبة والتّفوّق الذّان لم يستطيعوا إيجاد طعميهما خارج البيت. لقد عاشت المرأة في الوطن العربي، كما في غيرها من الأقطار، لمدّة قرون طويلة، أين يسود الجهل والجمود والإنحطاط، في وضع مأسوي، أ شبه ما يكون بوضع العبد عند سيّده، ليست لها كرامة ولا إرادة ولا اعتبار، وليس لها من اهتمام وشغل وتكليف في الحياة إلاّ خدمة الرّجل في البيت والحقل وإ شباع رغبات غريزته البهيميّة في الفراش والحمل والإنجاب والقيام على شؤون البيت. وقد فرض عليها ذلك باسم التّفوّق الطّبيعي المزعوم للرّجل على المرأة، وكذلك باسم العادات والتّقاليد الفاسدة والحفاظ على الشّرف ومراعاة لغيرة الرّجل وإرادة الهيمنة عليها، وغير ذلك من الإعتبارات التّي كانت تنسب كلّها أنذاك، بسبب الجهل، إلى الدّين، والدّين منها براء. فقد فرض الرّجل بجهله وانغلاقه وتوحّشه وأهوائه على المرأة عنوة القعود في البيت أو العمل في الحقل تحت حراسته المشدّدة، ونبذ الإختلاط واعتزال مجتمع الرّجال وكلّ ما هوّ مرتبط بذلك من الأنشطة والإهتمامات العامّة للمجموعة، سياسية كانت أو إجتماعيّة أو إقتصادية أو ثقافيّة أو غيرها، والبقاء في ظلمات الجهل وعدم الخروج من البيت للتّعلّم أو للعمل أو للمشاركة في الإهتمامات العامة للمجتمع، ولا حتّى للتّعبّد. وقد شاع في تلك العصور المظلمة أن المرأة لا يحق لها مغادرة عتبة البيت بعد بلوغها إلا مرتين، مرة عند انتقالها من بيت والديها إلى بيت زوجها ومرة ثانية لانتقالها من بيت زوجها إلى قبرها. كما حرمت، باسم الدّين طبعا، من اختيار الزوج، شريك العمر، وحتّى من رؤيته قبل الدّخول بها، وحتّى من مجرّد إبداء رأيها فيه وكأنها ليست إنسانا ولا الأمر يعنيها. كلّ ذلك سلب منها، بسبب الجهل والإنحطاط، وهو من أبسط حقوقها، وأوكل إلى وليّها، وكأنّ الوليّ هو الذي سيتحمّل الحياة مع الزوج وليست هي. ومن فقه أصحاب الأهواء والجهل والإنحطاط أن جعل الطّلاق بيد الرّجال دون النّساء، سيفا مسلّطا على رقبتها، لا تدري متى يهوي به الزوج على رقبتها. أمّا المرأة، وكأنّها ملك للرّجل، لا تملك، في مسألة الطلاق، أمام ظلمه لها في سائر أمور الحياة الزوجيّة إلاّ أن تصبر، أو أن تنتظر حتى يقرّر هوّ أخذ المبادرة في الطّلاق. وفي العموم فقد حرمت من حقّ التّظلّم ضد المظالم المسلّطة عليها من قبل الرّجل، أبا كان أو أخا أو زوجا أو غير ذلك، وكأنّه هو السيّد الذي لا يسأل عما يفعل، والمرأة هي عبد الذي لا حول له وقوة، في مجتمع الرّقّ. لقد اقتصرت مهمّة المرأة، كما ذكرنا، في تلك العصور على إنجاب الأطفال وإشباع الرّغبات الجنسيّة للرّجل، في غير مراعاة في عديد الحالات لمشاعرها ولا حتّى لظروفها الصحّيّة مما يتسبب لها في أضرار بليغة قد تصل بها إلى الموت، وفي القيام بأشغال المنزل وتربيّة الأولاد. وكذلك في القيام بالعديد من الأعمال لصالح الرّجل والتّي يترفّع هذا الأخير عن القيام بها. فوضعيتها لم تكن في تلك الظروف وضعية الأنسان المكرم وإنما كانت وضعية الخادم المهان إن لم نقل وضعية العبد. وفي العموم يمكننا القول إنّ المجتمع االعربي كان، لعصور طويلة قبل استقلال، مجتمعا غارقا في ظلمات الجهل والانغلاق والجمود والإنحطاط والتقليد، ومجمّد الطّاقات. إلى جانب ذلك كان أيضا مجتمعا مشلولا شللا نصـفـيّا. ذلك لأنّ المرأة، كعضو فاعل في المجتمع، كانت في حكم الغائبة تماما، أو قـل بشكل أدقّ، في حكم المغيّبة بالكامل. ولا غرابة أن يكون مجتمع، هذه وضعيّته، مجتمعا معدوم المبادرة والفاعليّة، خارجا تماما عن الدّورة الحضاريّة. وهو لـشدّة تخلّفه كان يعيش وضعا يشبه الغيبوبة الكاملة، فاقدا للوعي بما كان يحصل حوله من أحداث هامّة ومن اكتشافات علميّة وفنّيّة مذهلة. كما كان لـشدّة ضعفه وتخدّره، ليست له القدرة حتّى على الدّفاع عن نفسه وصدّ الضرّ عنها. وهو ما جعله يسقط بسهولة في شراك الإستعمار الغاشم ويبقى تحت هيمنته ومهانته ثلاثة أرباع القرن. المـبحث الثّـاني: وضعيـّة المـرأة فـي الوطن العربي بعد الاستقلال: لقد كانت المرأة العربية أوّل المستفيدين من الإستقلال. ذلك أنّ هذا الحدث كان لها بحقّ استقلالا. فهذا الأخير لم يكن فقط تحريرا للبلاد من هيمنة المستعمر الأجنبي، إنّما كان أيضا تحريرا نسبـيّا للمرأة من ظلمات الجهل وهيمنة الرّجل عليها، وكذلك من سلطان العادات والتّقاليد الفاسدة. لقد كان بورقيبة، رغم تحفّظنا الشّديد على العديد من آرائه وسياساته وإنجازاته في ظلّ الدولة التي ركّزها، محقّا إلى حدّ بعيد في سياسته التّي انتهجها تجاه المرأة، لولا بعض الأخطاء والشّطط كما سنبيّنه لاحقا. لقد كان في هذه المسألة متقدّما على عصره أجيالا، بالمقارنة لما عوملت به المرأة في معظم البلاد الإسلاميّة بشكل عامّ. وقد مكّنت بداية إصلاح وضعيّة المرأة في الوطن العربي من فتح الباب واسعا لمعالجة حالة الشّلل التّي كانت تعيق جسم المجتمع في البلاد، وساهمت في تحرير طاقات هائلة، كانت قبل ذلك مجمّدة أو مغمورة. ولا تزال طاقات كبيرة أخرى مجمّدة، يجب الإسراع بتحريرها، وذلك بمواصلة تحقيق مزيد الترشيد لوضعيّة المرأة في المجتمع. ولم تكن كلّ الطّاقات المحرّرة من جانب المرأة فحسب، وإنّما كان جزء منها من جانب الرّجل في حدّ ذاته، أو من جانبه بسبب تأثير تحرير المرأة إيجابـيّا عليه. فالمرأة المحرّرة والمتعلّمة كأمّ وزوجة وحاضنة، كان لها التـأثير الإيجابي البليغ على الرّجل وتكوينه ووعيه وتربيّته وجدواه على جميع المستويات في المجتمع. ونرجو أن لا نكون مخطئين إذا اعتبرنا أنّ فاعليّة الفرد في الوطن العربي وحيويّته وإبداعه وعطائه، هيّ من أفضل ما هوّ موجود في الدّول والمجتمعات المشابهة التّي لم تشهد المرأة فيها من العناية والتحرير وإعطاء الإعتبار، ما شهدته في الوطن العربي في هذا الجانب. ونحسب أنّ النّهوض بالمرأة على علاّته قد ساهم بقسط وافر في تحسين مردود الفرد عموما في المجتمع العربي... وقد اعتمد النّظام العربي في إصلاحه لوضعيّة المرأة الوسائل التّاليّة: أوّلا ـ التعليم: إنّ أهمّ إنجاز، بدون منازع، هوّ تعميم التعليم، وذلك رغم ما شابه من نقائص ومحدوديّة، فهو لم يكن تعميما كاملا للتعليم بكلّ ما تعنيه العبارة من معنى، كما أنّ برامجه لم تكن بالمستوى المرجوّ وعانت من نقائص عدّة منذ انطلاقتها إلى حدّ الآن. لكن رغم ذلك فإنّ ما حصل في الوطن العربي في المجال التعليمي يعتبر إنجازا. وإذا كان العلم يعتبر، منذ القديم، نورا والجهل ظلمات، فإنّ العلم أيضا، كان ولا يزال، عتقا والجهل سجنا. أمّا في هذا العصر فيضاف إلى ذلك أنّ العلم غدا تقدّما وثراء، والجهل غدا أيضا تخلّفا وانحطاطا وفقرا. ان الوطن لا يملك من الثّروات المحوّلة وعوامل الانتاج إلاّ القليل المتواضع، لا يمكنه أن ينهض ويتحوّل إلى بلد غنيّ متقدّم إلاّ عن طريق العلم والتّعلّم والمراهنة عليهما والتضحيّة بكلّ الطّاقات من أجل كسبهما. فإن كان الشعب الجاهل حملا مرهقا فإنّ الشعب المتعلّم والمفتّق الطّاقات هوّ محرّكا قويّا نحو التّقدّم والرّقيّ وكلّ الخيرات. أمّا بالنسبة للمرأة، فقد مكّنها تعميم التّعليم، ولو جزئيّا بقدر استفادتها منه، من تنوير ذهنها وتفتيق طاقاتها وقدراتها التّي كانت بالأمس مجمّدة، مثلها في ذلك مثل الرّجل، ومن توعيّتها بدورها في المجتمع وفي الحياة عموما، ومن الشّعور بقيمتها وبثقتها في نفسها، كما وعّاها بحقوقها وبكونها شريكة للرّجل، ليس فقط في تحمّل أعباء الحياة العائليّة، وإنّما أيضا هيّ شريكة له في عمليّة النّهوض بالمجتمع نحو التّقدّم والرّقيّ. إذن فالمرأة، في البيت كما في المجتمع عضو فاعل وشريك، مثلها مثل الرّجل، وليست خادمة تابعة له. ولم يحصل الوعي بهذه المسائل بمجرّد اتّخاذ القرارات ووضع القوانين، وإنّما حصل بالأساس بالتربيّة والتعليم. وتجربة تعميم التعليم ساهمت في تحسين وضعيّة المرأة ولم تعالجها علاجا كاملا. ذلك لأنّه لم يكن، بالنسبة لها، كذلك إلآّ نظريّا. أمّا على مستوى الواقع فهناك عديد العوائق، التي سنتطرّق لها لاحقا، قد حالت دون تعميم التعليم، وذلك خاصّة بالنسبة للمرأة. ويعود ذلك، كما ذكرنا إلى عديد الإعتبارات، منها قوى التّزمّت والإنغلاق والجذب إلى الخلف، في البوادي والأرياف وحتّى على أحزمة الفقر في المدن الكبرى التّي حالت دون التحاق العديد من الفتيات بالمدارس. كذلك الفقر والأوضاع المزريّة التّي كانت تعيشها نسبة مرتفعة من العائلات حالت دون استمرار أعدادا كبيرة من الفتيات في مواصلة دراستهنّ وأجبرن على الانقطاع المبكّر عن الدّرا سة. كذلك، من تلك الاعتبارات قلّة المدارس المتوفّرة وبعد الموجودة منها عن مواقع السّكن، في الأرياف خاصّة، ترك العديد من الأهالي يمتنعون على إرسال بناتهنّ إلى المدارس خوفا عليهنّ من مفاخآت الطّريق غير الآمنة. ويمكننا القول إنّ المجتمع التّونسي، خاصّة في الفترة الأولى التّي تلت الإستقلال لم يكن، من أكثر من وجه، مهيّأ لتحقيق شعار تعميم التعليم كاملا غير منقوص. على هذا الأساس فنحن نعتبر شعار تعميم التعليم لم يتحقّق بعد في الوطن العربي، ولا يزال قائما ينتظر التحقيق. وما لم يطبّق تطبيقا كاملا وصحيحا فإنّ فوائده تبقى منقوصة. ونعني بالتطبيق الكامل أن يشمل كلّ الأطفال والشّباب في سنّ التعليم، ذكورا وإيناثا، في كلّ مكان في تونس، في الأرياف والبوادي، والقرى والمدن بدون استثناء. ونعني بالتطبيق الصّحيح، مساعدة كلّ أولئك أن يتقدّموا شوطا مناسبا في مواصلة تعليمهم، يقطعون بواسطته نهائيّا مع الأميّة ويربطون به مع القراءة والكتابة بدون حدّ ولا صعوبة، ومع الفهم والقدرة على النّقد. هذا في الحدّ الأدنى، على أن توضع كلّ التسهيلات لتمكين أكبر عدد ممكن من الجنسين، على السّواء، من مواصلة دراستهم إلى أعلى المستويات. وذلك إذا توفّرت لهم المواهب والقدرات الذهنيّة التي تمكّنهم من ذلك. وهكذا فنحن نعتبر تعميم التعليم، كمّا وكيفا، وسيلة أساسيّة لا يمكن التهوين من قيمتها ولا التقصير في تحقيقها، ومن أجل تفتيق المواهب والقدرات وتحرير الطّاقات البشريّة الهائلة، وخاصّة منها تلك الكامنة لدى المرأة، وكذلك من أجل تحقيق نهضة البلاد وتقدّمها ماديّا ومعنويّا. ذلك لأ نّه لا يمكن لتونس أن تتحوّل إلى صفّ الدّول المتقدّمة والمتحضّرة ما لم تقضي قضاء مبرما على الجهل والجمود وتقبل جماعيّا على التعليم والتربيّة وحبّ التّرقّي في سلّم المعرفة وكسب العلم والخبرات والمهارات. وقد مثّل تعليم المرأة، والنّهوض بها معرفياّ وتنوير ذهنها وتحرير طاقاتها وقدراتها الهائلة، الخطوة الأساسيّة الأولى التي فتحت أمامها الباب لتعي بحقوقها وبمكانتها المركزيّة في المجتمع وبضرورة أن تكون عضوا فاعلا فيه، ناهضا لتحقيق أهدافه، مثلها مثل الرّجل. ثـانيّـا ـ التشـريـع: لم يكن دور التعليم والتربيّة ثانويّا في موضوع تحرير المرأة والنّهوض بها وتنوير ذهنها وتوسيع وعيها وتحرير قدراتها وطاقاتها وتقويّة مكانتها في المجتمع، بل على العكس كان أساسياو فعّالا. إلاّ أنّ النظام العربي لم يكتف بذلك في مشروعه النّسوي. وإنّما عضّده بثورة تشريعـيّة في هذه المسألة، من خلال مجلّة الأحوال الشخصيّة الجديدة التّي وضعها. ثـالثـا ـ تشريك المرأة إلى جانب الـرجل فـي المـعترك اليـومي للحياة: بقيت المرأة العربية، خارجة تماما عن كلّ مجالات الحياة اليوميّة العامّة للمجتمع، من إقتصاديّة واجتماعيّة وثـقافيّة وخاصّة سياسية. وبقيت رغم أنفها متـفـرّغة لخدمة الحياة العائليّة الخاصّة في البيت ومعاونة الرّجل في العمل الفلاحيّ في الحقل. أمّا ترتيب الحياة العامّة للمجتمع من كلّ جوانبها وعلى كلّ مستوياتها فحرمت منه، وبقي من شأن الرّجل وحده. وهكذا فقد حرم المجتمع أنذاك، في تسيير شؤونه وتحقيق تنميّته وتقدّمه، من مجهود وطاقات نصف أعضائه. أمّا بعد، ونتيجة لما اكتسبته المرأة تدريجيّا من معرفة وعلم وتكوين في العديد من الفنون ومجالات، تنوّر بها ذهنها وتحرّرت بها طاقاتها ومواهبها، وشعرت بواسطتها بقيمتها في المجتع، التّي لا يمكن في الحالة الطّبيعيّة أن تختلف عن قيمة الرّجل. وكذلك نتيجة للثورة التّشريعيّة التّي وضعت حدّا المظالم التيّ كانت مسلّطة عليها، خلال عصور الإنحطاط، وضمنت لها حقوقها وبيّنت لها واجباتها. ثمّ أيضا نتيجة للإرادة السّياسية القائمة، التّي شجّعتها كثيرا على اقتحام مجلات الحياة العامّة والمشاركة، إلى جانب الرّجل، في المعترك العملي اليومي للمجتمع. لقد حاولت المرأة العربية، نتيجة ما ذكرنا من اعتبارات وتشجيعات، التوفيق بين العناية بشؤون عائلتها وبيتها والخروج إلى ساحة المجتمع لتشارك، إلى جانب الرّجل، في معترك الحياة العامّة، فتقلّدت مختلف المهامّ والوظائف حسب قدراتها وكفاءاتها. وقد تحوّلت المرأة العربية بذلك من موقع الإهمال والتهميش والتغييب والتّبعيّة للرّجل إلى مستوى المرأة الإنسانة المكرّمة والمسؤولة على أعمالها ومصيرها والمساهمة من موقعها في تحقيق الأهداف الكبرى للمجتمع. وقد أصبحت بذلك عضوا فاعلا وشريكا للرّجل بعد أن كانت، لقرون طويلة، كائنا مهمّشا تابعا له. ورغم أنّ ما حقّقته المرأة، في الوطن العربي، من انعتاق وتحرّر وكرامة واعتبار، ليس له ما يعادله في بقيّة البلاد العربيّة، فإنّ هذا الإنجاز بقي منقوصا، يشكو من عديد السلبيّات والتي نذكر من بينها ما يلي:
|