|
ماذا يكمن في الصراع حول حقوق المرأة؟ |
|
|
|
د. مهند البراك
|
|
2006-04-01 |
في خضم الصراع الشائك والمستمر في قضية حقوق المرأة، يرى عديد من المفكرين والعلماء، انه قد يكون من اللاواقعي أو بسبب جهود مقصودة وأخرى قد لا تخلو من سذاجة وبساطة أو توحي بها، أن يغطيّ سؤال أي جنس أفضل وأيهما أقوى ومن يعود لمن ؟ فلا الرجل لوحده قادر على مواجهة الحياة والمجتمع والطبيعة، ديمومة البشر، الفكر والعاطفة، ولا المرأة لوحدها قادرة على تلك المهام والتحديات. انهما طرفان في كيان واحد، كلّ يحمل جوانب من القوة والضعف، ويجد ضالّته ومكمّله في الآخر. ومنذ ما يقارب الألف والخمسمئة عام، حقق الرسول الأكرم محمّد بن عبد الله وصحبه الأولون، نصراً كبيراً للمرأة في الجزيرة العربية، في مقاييس تلك العصور، حين اصلح الدين حياة المجتمع واعاد بنائه على اسس احدث في خضم ثورته الداعية إلى انهاء الرق، وواجه محرّمات اعتبرت المرأة وخاصة الفقيرة من ممتلكات الرجل، تباع وتشترى وتورث، كبقية حاجات الرجل من مال واملاك، في ظروف كانت المولودة فيها توأد بلا رادع أو تشريع يحمي حقها في الحياة. ويعتبر العديد ان الإسلام في ظهوره كان انتصاراً للمرأة في الجزيرة، اطلق من طاقاتها ضمن الواقع القديم وسعى إلى تحريرها كبشر ضمن دعوته لتحرير العبيد، فشاركت النساء بحماس في الدعوة الجديدة وقدّمن دونها تضحيات جسام. لقد اعتبرت الرسالة المحمدية المرأة بشراً وليست حاجة، وحققت لها حقوقاً في الإرث لأول مرة في مجتمع الجزيرة العبودي آنذاك، الأمر الذي هزّ المجتمع بعنف حيث شعر قسم من المسلمين الأوائل من الرجال انهم خسروا جرّاء(خسران) امتيازاتهم على النساء، أموالاً من الأموال الموروثة، وصارت النساء شريكات لهم بما تبقىّ منها، اضافة إلى ما دعى اليه الإسلام من قيم وابعاد ومفاهيم جديدة في تحرر(عتق) المرأة من الرق ومن الأسر، بعد ان كان ذلك يجري مقابل المال فقط آنذاك.. الأمر الذي اضاف قلقاً جديداً لتلك الأوساط الرجالية من ان يمتد ذلك إلى مطالبتهن بالاشتراك في الغزوات، الذي لو حصل، فأنه كان سيمكّنهن من اكتساب حقوق مشروعة في الغنائم، الأمر الذي لن يسهل الالتفاف عليه وفق اعراف ذلك الزمان. لقد اغاظ ذلك الكثير من اغنياء مكة ومحافظي الرجال رغم اسلامهم، واسس لصراعات اخذت تستمر وتتسع وتزداد تعقيداً، ظاهرها ديني اخلاقي حماسي، وباطنها سلطوي، مالي، مصلحي، اثني، عرقي، قومي.. ويرى العديد من الباحثين، ان قضية تحرير المرأة التي تمسّ جميع الرجال، مهما كانوا وأينما كانوا، اضافة إلى ما واجهت وتواجه من صعوبات اكبر مما واجهت وتواجه قضية تحرير العبيد منذ تلك الأزمان، قد حيكت لها صياغات وممتنعات في العالم الإسلامي، من مرجعيات متنوعة ـ ليست كلّها دينية بحتة ـ تدرجت من تفاسير مفاهيم " الطهارة " إلى مفاهيم " السفيه والسفاهة " وغيرها، وانها قد تبتعد عن المبادئ الأساسية للإسلام بصفته فلسفة إنسانية ورؤية حضارية متفتحة، وحيث لا يزال النقاش والفعل يجري حامياً حول مفاهيم ومحتوى وماهية مساواة الجنسين، منذ ان أوجب القرآن حقوق المرأة في الجزيرة العربية وناضل دونها النبي الكريم، ومنذ عهد صدر الإسلام في المدينة المنوّرة، والذي يستمر إلى الآن. وفيما يشير عدد من المفكرين إلى حقيقة تنوع حالة حقوق النساء في الدول الإسلامية من بلد لآخر، اعتماداً على تنوّع التفسير من مراجع اسلامية متعددة (1)، وعلى درجة وآلية علاقتها بالدولة وبالقوانين ولأسباب أخرى، فأنهم يرون ان ما في القرآن بآياته السمحاء وسياقه الإنساني وتناوله وتثبيته لحقوق المرأة وانتشالها في عصر الجاهلية العبودي، ما يمكن القول، انه لا يمنع ولا يشكّل عائقاً.. بل يطرح انْ أُخذ بمجموعه وبروحه السمحاء، امكانية الاجتهاد للتوصل إلى فهم عصري وحقوق اجتماعية متجددة للمرأة، لنصفنا الآخر. لا كما يطرح ويدعو البعض اليه باسمه، ولا بما يطرح البعض من آيات واحاديث مقطوعة ومجتزأة على صورة " ولا تقربوا الصلاة "، وبمعزل عن الأحداث والمشاكل التي قيلت فيها، والتي شكّلت انسانية القرآن الكريم وحيوية روحه. الأمر الذي يؤدي بأوساط واسعة إلى تأييد دعوات شخصيات اسلامية بارزة إلى ضرورة الإصلاح الديني وكشف مواضع الخلل والتفسخ(2) لأن البشر غير معصومين من الأخطاء، كما تعلّم الشريعة الإسلامية ذاتها.. الأمر الذي قد لم يعد يقبل التأجيل الآن، ونحن في مطلع الألفية الثالثة، ومع زيادة تعقّد الحياة ومفاهيمها وحاجاتها وتعاظم دور النساء فيها. لقد وجدت جهات متنوعة ـ سياسية، اقتصادية وقانونية وغيرها ـ في قضية المرأة التي تمس كل رجال المجتمع وبالتالي المجتمع باسره، ضالّة فريدة لتحريك العواطف بمفاهيم وقيم ماضية تتباهى بعظمة الماضي وتردده شعراً واغاني في محاولة يائسة للعودة اليه، وهي تصرف الأنظار وتحاول اعاقة ومنع الجهود الشاقة الرامية إلى تفتح حياتنا وتفاعلها مع مسيرة البشر الحيّة وتوسّع وتعمّق مفاهيمها الإنسانية، لتحقيق ذاتنا وتأسيس كياننا الحديث بمفاهيمنا وتراثنا الحضاري الثري، الضروري لمواكبة متطلبات العصر ومن اجل مواجهة فاعلة لتحدياته وآليات الاستغلال والقهر الاجتماعي الجديدة. انها تستخدم في ذلك انواع الأساليب، من اغراء إلى تهديد ووعيد، إلى قتل وذبح افراد، إلى القتل والإرهاب الجماعي واشعال فتن وصراعات وحروب. ويرى الكثير من المفكرين والعلماء والسياسيين وعموم المبدعين الإنسانيين، إضافة إلى العديد من المنظمات المدنية والنسائية والإصلاحية، ان قضية حقوق المرأة التي قد تشكّل احدى اكثر الجبهات حساسية في الصراع الضاري من اجل التمدن والتحضّر والديمقراطية الدستورية، وبعيداً عن التحديات والإثارات العاطفية، الروح العدمية والتعبير عن الآلام ان صحّ التعبير، وفي ظروف نسبة كبيرة للأمية والتخلف في منطقتنا (بمقاييس هيئات الأمم المتحدة)، إضافة إلى ظروف محافظة أوساط نسائية واسعة بسبب الحروب، الخوف الاجتماعي، الإرهاب والقمع والسجون والتعذيب، الفقر والعوز المؤديان إلى الدعارة والتحلل، ومخاطر عصابات ومافيات الجنس (3) والمخدرات.. تتلخص في: التساوي في الحقوق الاقتصادية، السياسية، الثقافية، الاجتماعية وأمام القانون! ** مراجع يغطي نشاطها مناطق غاية في التنوع العرقي والقومي والثقافي.. من ماليزيا واندونيسيا، منطقة الشرق الأوسط، أواسط آسيا والقوقاس، أجزاء أوروبا الشرقية اضافة إلى الغرب، إلى افريقيا.. في دول اسلامية صارت النساء فيها رئيسات دول ذات موقع وتأثير في عالم اليوم، اضافة إلى من تبوأن مواقع هامة في العلوم والآداب والفكر والفن والتربية والحركات السياسية والمدنية والحكومات، في وقت لاتزال فيه دول اسلامية هامة تمنع المرأة من ممارسة دورها وتأهيلها في القضاء، وأخرى تمنعها عن ممارسة حقها في الانتخاب واخرى تحرمها من التعليم ومن ممارسة تأهيلها العلمي، وأخرى تغض النظر عن جرائم القتل (غسلاً للعار)، وأخرى لا تزال تعتبر المرأة فيها حاجة من حاجات الرجل بل وعورة. يتابع العالم باهتمام كشف ملفات الفساد والسلوك الخاطئ الذي جرى ويجري في عدد من الكنائس، بعد ان احيل قسم غير قليل منها إلى القضاء وفق قوانين الدول ذات العلاقة، وسط غضب وقلق وتساؤل عما يمكن ان يؤديه ادعاء العصمة والتحصن بالمقدّس. تشير تقارير الأمم المتحدة إلى تنامي مخاطر اسواق الجنس وعصاباته وبالتالي إلى مخاطر مرض الإيدز ـ الذي بدأ بالظهور والانتشار في الشرق الأوسط ـ ، ونشرت الدورية الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة ان حجم اسواق ومردودات اسواق الجنس اخذ ينافس حجم ودور اسواق النفط!! في النشاط الاقتصادي الدولي. دورية الأمم المتحدة نوفمبر / 2002. مراجع: ـ سورتي " النساء" ، " الأحزاب" من القرآن الكريم. ـ " تفسير الطبري "، الجزء الثامن. ـ "الحريم السياسي " ـ ف. المرنيسي. 8 / 3 / 2005
|