|
المرأة إحدى دعائم فلسفة "مُبصر المعرّة" |
|
|
|
هفاف ميهوب
|
|
2008-01-07 |
كان شكله لا يليق إلا بحكيم حيث يرتدي عمامة خضراء يضعها بأنامله فوق هامته التي تعبق بأسرار العلم، مشيراً إلى أن ما يسكن تحت تلك العمامة، هو المؤشر الوحيد على وجود العقل. إنه (أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي) الملقب (بالمعري) الذي ولد في (معرة النعمان) السورية عام 363هـ - 973م. لقد شغل (المعري) الناس في حياته مثلما مماته، تماماً كالمتنبي فكلاهما عاشا في الرابع الهجري وترنما بأعذب الكلمات لكن أبا العلاء كان يختلف في الأسلوب والمعتقدات فنتاجه الأدبي هو صورة صحيحة للحياة الاجتماعية التي عاشها بكل جوانبها فجعلته عملاق الفكر والأدب ونهر العبقرية والبداهة.تميَّز (المعري) بفكره الثاقب، حيث ترك لنا نحو سبعين كتاباً ضاع معظمها وما بقي فيها يشهدُ بذوقه الرائع وتطور فلسفته وخلاصة آماله وآلامه التي توضحت لنا في ديوانه (سقط الزند) الذي يعتبر من أهم آثاره الأدبية. عُرف عنه أنه كان رقيق القلب- لديه من الرحمة والرأفة ما لا نجده عند سواه لذلك، ولأن المرأة ومنذ الأزل، كانت هي الموضوع الأساسي الذي يلهم الشعراء والأدباء فقد كانت لديه أم وأخت حبيبة وزوجة فهي برأيه، وبكل حالاتها إحدى دعائم المجتمع الصالح، مثلما كانت إحدى دعائم فلسفته التي تميّزت بنزعة إنسانية جعلته لا يتمنى لأيّ إنسان إلا ما يتمنّاه لنفسه. إن (أبا العلاء المعري) ورغم احترامه وتقديره الشديد للمرأة. لم يتزوج بل هو لم يرد ذلك ولو أراد لوجد في بنات عمه وغيرهن من لا تأباه، لكنه أشفق أن يحمله الزواج على إنفاق ما لديه، فيضطر إلى سؤال إخوته وأرحامه، وهذا ما لا يرضاه، قانعاً أن يصاحب التعب بدل أن يريق ماء وجهه بسؤال، وهو يصوّر إعراضه عن الزواج بقوله الذي أوصى أن يكتب على قبره: هذا ما جناهُ أبي علي وما جنيتُ على أحد إنه بفعلته هذه، بامتناعه عن الزواج، استطاع أن يُغلَّب عقله على طبيعته، معتقداً أن الناس لو فعلوا مثله فنظروا بعين العقل، لأعرضوا عن زينة الدنيا من نساء وبنين. لقد تشدّد (المعري) في استخدام العقل في مسألة الزواج، فما يجلبه الأبناء لآبائهم من الشر يجعل أي عاقل يمتنع عن الإقدام على هذه الخطوة. يقول: أرى ولدُ الفتى عبئاً عليهِ لقد سَعُدَ الذي أمسى عقيما إن رأيه هذا، ورغم تشدّده، لا يعني رفضه إياه بشكل تام (فالضرورات تبيح المحظورات) وهو يعطف ويشفق على المرأة، مراعياً إنسانيتها بالدرجة الأولى، ولاسيما المرأة المتزوجة التي حضَّ على إعمال العقل في زواجها من رجل لا يكبرها بسنوات كثيرة كيلا تضيع الحكمة من الزواج. رغم أن (المعري) لم يتزوج، ورغم فقدانه بصره إلا أنه كان يفضِّل جمال المرأة الباطني وصدقها وكرمها لا جمالها الخارجي وربما كان ما يعاني منه وهو الأسير ضمن ثلاثة سجون سبباً في رأيه هذا. يقول واصفاً حاله: تراني في الثلاثةِ من سجوني فلا تسأل عن الخبير النبيثِ لفقدي ناظري ولزوم بيتي وكون النفس في الجسد الخبيث لم يكتف (المعري) بتوجيه النصائح والإرشادات للمرأة- دافعاً إياها للحفاظ على جمال روحها وعقلها وحسن اختيار زوجها. بل أيضاً طالب الرجل الذي يريد تزويج ابنته، بأن يختار لها من يرعاها ويحترمها ويحافظ عليها، محذّراً جميع الرجال من تعدّد الزوجات، قائلاً: وواحدة كفتكَ فلا تجاوز إلى أخرى تجيءُ بمؤلماتِ إن الاحترام والعطف، وشدّة الحرص التي أولاها (المعري) للمرأة وكذلك اعتباره إياها موضع البر والجميل، لم يمنعاه من الإسراف بسوء الظن بها بل بالغيرة بشكلٍ مفرط، بسبب ما كان يسمعه عن حالها ومتاعبها ومعاناتها، وربما كانت حملاته الشديدة عليها، رغبة منه في نهيها عمّا يجلب لها الضرر، لطالما اعتبرها، بل فضّلها وهي الأم، على الرجل الأب، بل عدّها مكرمة ينبغي خلاصها من الظلم والمعاناة. أوَليس هو القائل عن ذلك: إنَّ من أكبرِ الكبائرِ عندي قتلُ حوراءَ غادةٍ عطبولِ لقد كانت مواقف (المعري) ورغم فقدانه بصره منيرة، هو الفاقد البصر لا البصيرة فالظلام الذي يعيش فيه، رغم حلكته وقسوته عليه لم يمنعه من إعلان شأن الإنسانية بكل جوانبها مثلما لم يمنعه من الشعور أن حياته التوّاقة إلى الوجود لن يخمدها لهيب الألم فهو ومع ما كان ما يعانيه من قسوة أخذ بها نفسه كان يحنو على تلاميذه وأخيه الصغير بل إن طيف أبيه لم يكن يغادره وكذلك طيف والدته، وكل هذا إن دلَّ على شيء فهو تعلّقه وحبّه للحياة. من هنا ومن المؤكد أن ما كان يعيشه ويشعر به من حزن وتشاؤم وتناقض في الأفكار لم يكن إلا بسبب النور الذي فقده بحرمانه من أعظم ما يطلُّ به على الحياة. لكن، ولأن التحدّي كان يمثّلُ مفتاحاً لشخصيته الراقية في تحدّيها فإنه استطاع أن يحتل المكانة المميزة والمرموقة فينال حيث حلَّ وفي أيّ مجلسٍ، الاحترام والتقدير والتكريم. وبعد فإن (المعري) في سنواته الأخيرة بدأ يتحدث عن الزائر القادم إنه الموت الزائر الأخير فاستعدَّ لاستقباله بطيبة خاطر وهدأة روح قائلاً: موتٌ يسيرُ ومعه رحمة خيرٌ من اليسرِ وطولِ البقاء وهو رغم إحساسه بدنو أجله، لم يتوان عن بثِّ أفكاره ورغبته في إرشاد الناس وذلك حتى آخر لحظات حياته، مؤمناً بالخالق والقدرة الإلهية المطلقة ومتيقناً مثلما تيقّن كل من عرفه، بأنه ما كان إلا فيلسوف الإبصار والتبصّر. هكذا... وفي ربيع الأول من عام 449هـ - 1057م ودَّع ذو البصيرة، السنة السادسة والثمانين من عمره، وكانت عظامه قد وهنت وضعف سمعه لكن عقله يتمتع بالصفاء وذاكرته بالولاء، رغم كلِّ ما أصابها وما استطاع أن يوهن من قدرتها، على الحفاظ على كل ما استجمعته في حياتها، وحفظته بأمانة وتبصّر وإنسانية شاملة.
هفاف ميهوب، (المرأة إحدى دعائم فلسفة "مُبصر المعرّة") |