|
يوسف عبدللكي: لوحاتي تحمل التفاؤل الحذر والاحتجاج.. وليس الاختناق.. |
|
|
|
ردينة حيدر
|
|
2008-01-05 |
ثلاثون عاما من الغياب والترحال بلا جواز سفر بين صالات العرض والمطارات، بعد أن سقطت سهواً تأشيرة دخوله إلى شوارع دمشق القاسية، برجالها الفضوليين، والحانية، برقة الأصدقاء، يوسف عبدللكي، فيض من رماد الموتى تأتوا لوناً، رائحة، إضاءة عبر مواشيره المرهفة والجارحة في آن معاً،
وعادوا منكسرين خلاله في وجه واحد للرفض والإشراق، للرفض والاحتجاج، رحلوا ولما يرحلوا.. ظلوا في ذاكرته، عالقين في كنه التاريخ الحقيقي لبلد سقط عن صهوة الحضارة جزافاً .. ظلوا يرقصون في لوحاته بين الأسود والأبيض، في سجن آخر، ريثما يتدفق الأحمر وينعتقون.. أهو احتجاز الحب، الذاكرة النهمة .. أم أنه الاغتراب..
يوسف عبدللكي الرمز الذي لطالما خبأناه في ذاكرتنا خوفاً أن يمزق حصانه الجدار ويتركنا وحيدين، يحكي لـ "مرصد نساء سورية" في معرضه الثاني في صالة الأيام حكاية الفن، التاريخ، الأصدقاء، بعد رحلته الطويلة خارج بلده سورية، في عودته التي انتظرها الكثيرون، وأرادوا أن يحتفوا معه، فتفاجئوا بزحمة الاختناق في عدد كبير من اللوحات المكررة، قال محتجاً: لا أعتقد أن هناك وصفة للتفاؤل أو التشاؤم التاريخي، وليس هناك فنان متشائم وآخر متفائل، هناك فنانون يعملون على تصوراتهم وهواجسهم، والمطلوب من العمل الفني أن يكون صادقاً بالطريقة التي يعكس فيها التصورات العميقة والحقيقية لصاحبها، كما أني لا أعتقد أنه هناك سوداوية في لوحاتي، بل هناك نوع من التعريج على جماليات الأشياء المهملة في حياتنا اليومية، و موضوعات مختلفة تحمل التفاؤل الحذر والاحتجاج، ويظهر ذلك مثلا من خلال رسم رأس السمكة المقطوع باتساع الحدقة، وكأنها حية ترفض موتها، كما أن مهمتي كفنان هي ليست إخراج الناس من الاختناق أو إدخالهم فيه، والذين كانوا يبحثون عن الخلاص في كل بلدان العالم تاريخياً، لم ينشدوه من خلال العمل الفني، بل من خلال حركة التاريخ والبشر، فالعمل الفني بالنسبة لي هو التلاقي بين روحي وعين المتلقي، طبعا هذا لا يعني أن العمل الفني لا يعكس هموم مرحلته السياسية والاجتماعية، والنفسية، لكن خشبة الخلاص يصنعها البشر أنفسهم لا الثقافة، و أعتقد أن السؤال هو مدى صدق الفنان في تصدير رؤاه وتجاربه، ومدى التصاقه بالعصر الذي ينتمي إليه من خلال عمله الفني.زوار معرض يوسف عبدللكي هل هم من النخبة المثقفة أم ماذا..!؟ يقول عبدللكي مترددا: هناك الطلاب، والفنانون، و متزوقو الفن ، وأصدقاء، أعتقد أنهم جمهور واسع الطيف.عندما نغير مكان إقامتنا وحياتنا تتغير المعطيات، وبالتالي الدوافع والمحرضات الفنية، فمالذي قدمته المعطيات الجديدة في سورية للفنان الكبير من معطيات ومحرضات جديدة وخاصة بعد غياب طويل يعزوه الشوق والوله، يضيف عبدللكي: سورية كغيرها من البلدان ذات التاريخ العريق والحضارة، تمثل معيناً لا ينضب على الإطلاق للإبداع، على اختلاف أنواعه، والواقع السوري غني بالمواقف والأحداث، سواء على مستوى البشر وحياتهم، أو على مستوى المكان. يوسف عبدللكي الغائب الحاضر، لماذا العودة اليوم إلى بلد رفضتك خارطته الجغرافية والسياسية؟ نظر إلي وضحك( أنت مع مين بتشتغلي.!!) وأضاف: عندما غادرت سورية إلى فرنسا، كان الهدف منذ البداية الدراسة والإطلاع على أعمال كبار الفنانين، في بلد مفتوح على العالم كفرنسا، ومن ثم العودة إلى سورية، لكني لم أرجع لأسباب سياسية كما يعرف الجميع، وأمضيت بعدها سبعة عشر عاماً بلا جواز سفر، كان مشروعي أن أعود، الطبيعي أن يعود الفنان أو المواطن إلى بلده، بل ليس من الطبيعي أن لا يفكر بالعودة، الأمر الآخر أنني خلال فترة 25 سنة من بقائي في فرنسا، حالفني الحظ بالإطلاع على أعمال كبار الفنانين، والمتاحف الكبرى، وصالات العرض الحديثة المنتشرة في معظم بلدان أوروبا، لكن هذا الفضول بالتعلم كان قد بدأ ينضب في داخلي، وصار عندي شعور بضرورة تغيير المكان، وإن حالفني الحظ مرة أخرى وكان ذلك التغيير هو نحو بلدي سورية، فسيكون ذلك هو الأفضل بالتأكيد، لأنه أكثر تلاقي مع أفكاري وتصوراتي عن الثقافة والمجتمع. الأصدقاء والرفاق، الذين دار عبدللكي في فلكهم ، وأنصتوا برهافة وكبرياء إلى موسيقا لوحاته الحزينة تارة والعنيفة تارة أخرى، هل كان لهم دور في جذب النيزك، مرة أخرى، إلى مركزهم..؟! أصدقائي في الحقيقة – كما أعتبرهم- هم الضمير الأكثر حياة في المجتمع السوري، خلال الربع قرن الماضية، بالتالي لاشك كان دورهم أساسي ليس فقط في عودتي، بل بصياغة آرائي، وكل تفاصيل حياتي، وبسببهم، لم أشعر مرة أني خارج سورية، كانوا معي، وكنت معهم دائما. دون وعي يقودك حدسك الحزين هذه المرة إلى لوحة كتب عليها إهداء لروح جميل حتمل، اللوحة التي هي عبارة عن سكين تخترق قلب عصفور صغير، عبرت عن عملية قتل عمد للكاتب الكبير، كما قال عبدللكي: كان جميل صديقي منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ولا أزال أذكره عندما زارني لأول مرة في مرسمي في دمشق القديمة وكان عمره خمسة عشر عاما آنذاك، كان يعاني من مرض وراثي(تضخم القلب)، و كان مصيره الموت عاجلا أم آجلا، لكني بالرغم من حالته الجسدية تلك، إلا أنني اعتبرت أنه مات بحكم الغربة، والقسوة، بعيدا عن أصدقائه ووطنه، نعم لقد اعتبرت موته عملية قتل، لقد عملت له أكثر من لوحة فينة قبل، ليس هناك هدف محدد من عرضها اليوم، فأنا لا أرسم لكي أعرض لوحاتي، أرسم لرغبتي بالرسم، وعندما يكون هناك معرض أقوم بتجميع اللوحات المتوفرة وأعرضها. وعن الحركة الفنية اليوم في سورية، بعد أن قام بالإطلاع عليها، من خلال أصدقائه الفنانين، وبعض المعارض الأخرى أخبرنا: الحركة التشكيلية في سورية واسعة ومتنوعة، لكنها توسع كمي على حساب الكيف، لكن يبقى لكل فترة، فنانيها، وأسمائها الكبيرة، بالرغم من ذلك أعتقد أن الجيل الجديد يطرح على نفسه أسئلة مختلفة عن الأسئلة في السبعينات، وهناك شكوى على مستوى واسع من انعدام الحوار بين السلطة والمجتمع، وبالتالي بين المثقف والمثقف، وبالتالي، الانكفاء على الذات والاستبداد بالرأي. لكن هل هناك نوع من التقليد الأعمى للفن الحديث الذي تشهده البلدان المتطورة..؟ أعتقد أن الفنانين السوريين ملتصقين بالواقع، أكثر، وأنهم حذرين تجاه الفن الحديث، وتجاه عمل قفزات في الهواء، وقد يكون هذا الحذر إيجابي وسلبي في آن معاً، وتكمن الإيجابية، بعملية الارتباط بالجذور وعدم التقليد لمجرد التقليد، وملامسة الواقع، أما السلبية تكمن في كون هذا الحذر يشكل حاجزا أمام المبدعين إذا ما أرادوا طرح أسئلة جديدة وعميقة. أراد أن يتكلم أكثر، وأردنا أن نستمع بكل جوارحنا، لصوت هزنا من الداخل وبقي- في السر- في جعبتنا ونحن في مقتبل العمر، وإنه لمن السعادة الغامرة أن يتحقق الحلم اليوم ، فنلتفت ونجده بيننا يتابع الطريق الشائك معنا، لكن ألسنا عالقون اليوم جميعا في هلام الاغتراب في بلد يحتضر فيه الشرفاء..!!
ردينة حيدر، عضوة فريق عمل نساء سورية، (يوسف عبدللكي: لوحاتي تحمل التفاؤل الحذر والاحتجاج.. وليس الاختناق..)خاص: نساء سورية |