|
جمال النساء: نظام يحتجز تطورهن ويسحق إنسانية الجميع |
|
|
|
أحمد أشقر
|
|
2006-04-01 |
|
صفحة 2 من 2 الثالثة- الدين: تعتقد الباحثة أن وسائل الإعلام المختلفة تسوق "خرافة الجمال" وهوسه على أساس أنه "بشارة دينية جديدة"، ويدفعن النساء إلى الإشتراك في "هذه العبادة" في "كنيسة الجمال". والمثير أن "كنيسة الجمال"، تعوِّض الفراغ الروحي الناتج عن تراجع دور الكنيسة والدين، بتأثيرات لها "قوة وحماس الدين". وتجزم الباحثة بأن خبراء التسويق يتعمدون استعارة مصطلحات من قاموس الأديان والإيمان، مثل: "الجمال الروحي"، و"جمال النفس"، و"دواخل الإنسان"، و"حرب صليبية على السمنة"، و"ساعدني يا ربّ، الشيطان يريدني بدينة"، و"تخلصي من الوزن الزائد بالصلاة"... والقاموس طافح ومثير إلى أبعد الحدود. وتستنتج الباحث أن أهداف "دين وعبادة الجمال" هو: إخضاع وتخدير النساء لأسباب سياسية (ص 84- 123). بالطبع يمكن فهم مصالح الرأسمالية. إن استعارتها واستخدامها رموزا وموتيفات دينية، محسوب ومبرمج وممنهج. لأنها تعي وتدرك أن الدين (الأسطورة) هو أقدم وأعمق مكونات ثقافة الإنسان وأخلاقه. لذا تستخدمه في مشروعها، إقصاء النساء عن الحياة العامة، ومنعهن من التأثير فيها، عن طريق إلهاءهن بأشكالهن. ويؤكد وبالدليل القاطع، أنها-أي الرأسمالية- لم تكن مرة واحدة ضد الدين، أي دين، أو الإيمان، أي إيمان. وأنها تصادمت مع مؤسساته: الكنيسة والحوزة والجامع وسائر المعابد، عندما لم تعد تتمشى مصالح هذه المؤسات ومصالحها. ويمكن فهم "الدين" التي تتحدث عنه الباحثة، هو عدم إعطاء حق نقد "كنيسة الجمال". الرابعة- الجنس: تعتقد الباحثة أن الرأسمالية أخذت بالخطيئة الأولى اليهومسيحية: النساء والجنس، وطورتها. وتستند إلى العديد من الأبحاث الأنثروبولوجية القائلة: إن عقدة الخطيئة الأولى والجنس، لا تزال تطارد المرأة- وليس الرجل، وتقول: "لا توجد أية علاقة تذكر للإيمان والمعتقدات المختلفة ومتعة الرجل الجنسية، بينما بإمكانها أن تقص، مثل سكّين المطهرين بالمتعة الجنسية للنساء". من هنا بدأت الرأسمالية استحضار واستخدام المرأة في سياق جنسي عنيف، كي "تمنح جنسانية المرأة صورة جديدة". وتدرج الباحثة العديد من الصور التي تقرن: المرأة والجنس والعنف (انتبهوا للعنف والجنس والمرأة في الإعلانات والفيديوكليبات المختلفة!). وحديثها عن الجنس لا يحيدها عن طرحها المركزي: "الأشكال [المرأة والعنف والجنس] التي ذكرتُ تطورت مع التاريخ: الجنسانية متأثرة من الموضة، والموضة متأثرة بالسياسة". وتدرج في هذا الباب صناعة الجنس: إن المجلات والصحف المخصصة لذلك وأفلام الإيروتيكا والبورنوغرافيا، التي تحول المرأة ، بالأساس، إلى كائن بحاجة إلى عنف كي يُثار جنسيا، وذلك كي يربوا أجيالا من الناس تقبل بـ"أن العنف ضد النساء هو الشيء الوحيد الذي يهيجهن. [...] وكي ينتج أجندة جديدة، وأنواع الرغبات المناسبة لها" (ص 124- 164). أن الرأسمالية تسعى إلى هندسة علاقتنا العاطفية الجنسية- وقد نجحت إلى حد ما- إلى جعلنا أدوات تستفيد منها. فإنها تعمل من أجل تحويل عواطفنا تجاه الجنس الآخر، إلى حواس يمكن برمجة إثارتها، كي تخدم مشروعها. وقد يبدو للبعض بأن الموتيفات الجنسية، كما تعرض في وسائل الإعلام المختلفة، تهدف إلى إثارتنا. الأمر ليس كذلك: ترافق الموتيفات الجنسية تشكيلة واسعة ملحقات "خرافة الجمال" وهوسه، اقتصاديات الجمال: كالملابس وأدوات ومواد التجميل،... ومنشطات الجنس. وما إلى ذلك من أغراض تساوي مليارات مليارات الدولارات في حساب الرأسمالية. ليس فقط: إن إغراقنا في ذاتيتنا المتوزعة على الفشل ،عادة، والإثم والعار، يشل قدرتنا على التفاعل النشط في مجتمعنا، من أجل تغييره إلى الأفضل... والإنسان المضطرب، كائن يستهلك كل ما تنتجه الرأسمالية من زبالة! وقد نجحت بتحويل الجنس من طاقة بناء، إلى أداة رقابة وتحكم ذاتي، وأنتجت رجال شرطة وحرس حدود وجيش، في نفوس وعقول الناس. لقد أصبح النساء والرجال- وليس النساء فقط كما تدعي الباحثة- وقودا لمحركات "الاقتصاد"/ الرأسمالية. إنه نجاح الرأسمالية- إنه فشل الإنسانية! الرابعة- التجويع: تتحدث الباحثة عن ظاهرة التجويع التي وصلت إلى درجة "الوباء". وتعتقد أن كل شخص خامس في الولايات المتحدة مصاب بهذا الوباء، والذي معناه الامتناع عن الأكل، أو تناول الأكل، وثم التقيؤ. و"الوباء" يزحف إلى بقية دول أوروبا وروسيا. غالبيتهم النساء: 90- 95% منهم. ثم تضيف معطيات مذهلة: فقد امرأتين من عشر نساء، سليمتان! بكلمات أخرى: 20% من النساء فقط، في أمريكا راضيات عن شكلهن! وتعتقد أن "التجويع" هو جزء من نظام السيطرة على النساء: أجسام النساء لا تخصهن، بل تخص المجتمع"، و"التجويع يؤدي إلى انهيار الإحساس بالقيمة الذاتية" و"تقضي على إنجازات الحركات النسوية. ومثلما يحدث لأجسامنا، يحدث أيضا لوعينا" (ص 165- 198). يمكن الاتفاق معها على ذلك، وإضافة: والرجال أيضا.الموت للفقراء- يعيش الأغنياء! وكما أشرت في بداية حديثي عن الكتاب إلى الباحثة تتحدث من منطلق رأسمالي خالص بدليل قولها: "يموت أبناء أحياء الفقر [في أمريكا] شبابا، يمكن لأمريكا أن تتعايش مع هذا. إلا أن المقصود هنا، النخبة التي في النخبة، الذين استلموا زمام السلطة على طبق من فضة [...] هؤلاء الذين من الواجب أن يضخوا دما جديدا للنظام الوطني، يموتون جوعا أمام أعيننا" (ص 165). هكذا إذن: القلق والتخوف ليس على الإنسان، أي إنسان، ورفضا لمصالح الرأسمالية البشعة والجشعة، وإنما على "النخبة التي في النخبة"! في هذه النقطة تفضح الباحثة نفسها، والطبقة التي تمثلها، البرجوازية المتوسطة. التي تنظر إلى الإنسان كقيمة تضاف إلى النشاط والتراكم الرأسمالي. ولا تتحدث عن الناس الذين يموتون جوعا في، ليس في آسيا وأفريقيا، بل في محطات القطار في نيويورك وواشنطن ولندن...! وتمتنع الباحثة عن الخوض في أسباب "التجويع" الاقتصادية، رغم أنها تذكر أن سوق تخفيض الوزن يساوي 33 مليار دولار في السنة (ص 24). معروف أن الرأسمالية التي تنتج الـ(junk food) زبالة الأكل، هي التي تنتج مقاييس الجسم، وهي التي تنتج عقاقير تخفيض الوزن. بالضبط، مثل الفاتيكان الذي يرفض ممارسة الجنس الحرّ وتنظيم الأسرة والإجهاض، ويمتك أسهما في شركات إنتاج حبوب ووسائل منع الحمل! والهدف واحد: ربح وسيطرة- سيطرة وربح. السادسة- العنف: كانت الباحثة قد تحدثت عن عمليات التجميل، والتجويع، وكافة الضغوط الاجتماعية والنفسية التي تواجهها النساء، من أجل "التعبد في كنيسة الجمال". وتؤكد على أنها مصادر لآلام جسدية ونفسية كثيرة، تمس قدرتهن وواجباتهن اليومية. ونسبة النساء الواتي يتناولن العقاقير المهدئة، أكثر من نسبة الرجال. في كندا وحدها، تبلغ نسبتهن ضعفي نسبة الرجال. وتتخوف الباحثة من استخدامات التطور التكنولوجي ضد النساء. وتخوفها ناتج من: إمكانية نقصان نسبة نساء الكون، لأن الطبّ أصبح قادرا على تحديد نوع المولود بنسبة 70- 80%، وهندسة نساء "حلوات وخنوعات". (ص 199- 243). ما تقوله الباحثة صحيحا ولا غبار عليه. ويمكن إضافة: هندسة رجال بأوصاف أنجلو سكسونية. إلا أنها وعندما تريد إبراز صيرورة تطور العنف، من الشكل الضيق إلى الجارف، فإنها تدفع الفاتورة لمن؟ لليهود طبعا. بدليل قولها: "في البداية قام الأطباء النازيون بتعقيم الناس ذوي العاهات الدائمة، وبعد ذلك تعقيم الناس ذوي الإعاقات البسيطة، وبعد ذلك الذين أعتبروا غير مرغوبين، وبعد ذلك شمل التعريف أيضا أبناء يهود سليمون للغاية [...]" (ص 240). سأقترح مثالا آخر تعرفه الباحثة أكثر مني بكثير: الذين هربوا من عدالة القانون في الجزر البريطانية، هاجروا إلى بلاد عامرة بأهلها وخيراتها، هؤلاء الفارون من العدالة وسعوا تجاوزهم للقانون في أوطانهم الأصلية، إلى إبادة 55 مليون سكان البلاد العامرة بأهلها... ثم انتقلوا إلى اصطياد أهالي بلاد أخرى عامرة بأهلها واستعبدوهم، وقتلوا منهم الملايين تحت ضغوط العبودية والتعذيب... ثم طوروا سلاحا نوويا، وأطلقوا منه قبلتين على مدينتين وادعتيين في اليابان، وأبادوا 250 ألف إنسان وادع في غضون ثوانٍ قليلية... ثم احتلوا الفيتنام وقتلوا فيها 3 ملايين إنسان.. وأفغانسان والعراق- إبادة. هؤلاء الفارون من العدالة في القرن السادس عشر، يملكون في القرن الحادي والعشرين، 168 قاعدة عسكرية ومئات الأطنان من القنابل النووية، خارج حدود دولتهم "الوطنية"، تكفي لإبادة البشرية مئات المرات... من يا ترى هؤلاء؟ إنهم أجدادها ونظامها: أمريكا! حسنا ماهو الحل الذي تعرضه الباحثة لـ"خرافة الجمال" وهوسه؟ تعتقد بضرورة تنشيط الحركات النسوية، مثلما كان في سبعينيات القرن الماضي. وزيادة الوعي بأضرار هذه الخرافة (ص 244 - 262). بالطبع هذا حل جزئي. فالحركات النسوية، التي هي برجوازية في الأساس، هدفت إلى أخذ حصة أكبر من الناتج الوطني والنهب الأمريكي لفقراء العالم، ولم تهدف إلى توزيع الثروة والبؤس توزيعا عادلا بين الجميع. مثلما فشلت الباحثة، جزئيا، في تشخيص كافة روافد جذور ومسببات وتداعيات "خرافة الجمال" وهوسه. فشلت (أيضا) بوضع تصور شامل وجذري لمقاومة هذه الماكينة. فقد استثنت مصالح العاملين في هذا القطاع، وغالبيتهم من النساء والأطفال. أي أنها حافظت على امتيازات طبقتها. وما رفضها لصناعة الجمال الذي يدر المليارات على طبقتها، هو رفض جزئي، لأنها حولته إلى "خرافة" وهوس. نفهم من ذلك: لو سوّقت الرأسمالية مشروعها "الجمالي" بأقل ما يمكن من الشدة والقسوة، لما عارضتها الباحثة قط، بدليل قولها: "يموت أبناء أحياء الفقر [في أمريكا] شبابا، يمكن لأمريكا أن تتعايش مع هذا. إلا أن المقصود هنا، النخبة التي في النخبة، الذين استلموا زمام السلطة على طبق من فضة [...] هؤلاء الذين من الواجب أن يضخوا دما جديدا للنظام الوطني، يموتون جوعا أمام أعيننا". فإلى الجحيم يا كل الناس، ما عدا "النحبة التي في النخبة، الذين استلموا زمام السلطة على طبق من فضة" من أحفاد الذين لا يزالون فارين من العدالة...!الوطن العربي: كباريهات وغلمان وعوالم ما قيل ويقال عن صناعة الجمال في أمريكا وأوروبا، صحيح جزئيا بالنسبة للوطن العربي؛ لأنه أحد أطراف النظام الرأسمالي، وتدور مصالح الطبقات الحاكمة فيه بالسياسة الرسمية لهذا النظام. ونستثني منها المقاومة في العراق وفلسطين ولبنان، وبعض الجيوب القومية واليسارية والإسلامية، هنا وهناك. صناعة الجمال بدأت هوسا في الوطن العربي، لأن أنظمته تقمع كل صوت حقيقي ضد الظلم والاستغلال. ومن خلال تحليل الصيرورة التاريخية لهذا الأقطار وفضائياتها المختلفة، لأنه المعبر الأمين جدا عن مصالح هذه الطبقات- الأنظمة، نراها تتوزع على ثلاثة مراكز: الأول- الخليج العربي: بدأت في أقطار الخليج العربي إثر حرب رمضان "التحريكية" عام 1973، وارتفاع أسعار النفط بنسبة وصلت الـ309%. الأمر الذي أغرق خزائن هذه الأنظمة، وجيوب الخليجيين بالأموال، دون أن تستثمر في البنى التحتية أو الفوقية، بل تم تبذيره في الكماليات المختلفة... إلى أن بلغ سوق هوس الجمال فيها 14 مليار دولار في السنة الفائتة. ويُعْتَقد أيضا أن "المملكة العربية السعودية"، هي أكبر مستهلك لأفلام البونوغرافيا في العالم، تليها "إسرائيل"! وتعرض فضائياتها، النساء الصغيرات سنا والممتلئات، لأن المجاميع هناك لا تزال تعتقد أن المرأة الجميلة هي التي "مصقول عوارضها" الثاني- مصر: انضمت مصر إلى هذه الدوامة، عندما قررت الطبقة الحاكمة فيها، في بداية سبعينيات القرن الماضي، بيع القطاع العام وخصخصته. الأمر الذي أنتج طبقة من "الأغنياء الجدد"، الذين أصبحوا أبطالا سلبيين في غالبية الثقافة التلفزيونية والسينمائية المصرية. هذه السياسة فتحت سوق الجمال على مصراعيه... وقد بلغ عدد عمليات فيها في العام الماضي 100 ألف عملية، تبذر 100 مليون دولار! هذه ناهيك عن كافة أقسام هذا السوق وملحقاته؛ إذ يقدر بحوالي ثلاثة مليارات دولار سنويا. حافظت المدرسة التلفزيونية المصرية على تقليديتها. فهي لا تزال تعرض "أصنافا" متعددة من النساء، الصغار والكبيرات، الضعيفات والممتلئات والبدينات الثالث- لبنان: يحتل لبنان مكانة هامة في هذه السوق لسببين: الأول- لبنان بلد ليبرالي. يتمتع شعبه، رجالا ونساء، ووسائل إعلامه المختلفة، بحرية أكثر من أي قطر عربي آخر. ويعود الفضل إلى كون لبنان أحد ميادين النهضة العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، وضعف السلطة المركزية فيه. والثاني: يتمتع لبنان بتراث نضالي... وقد وصلت ذروته بتحرير الحركة الوطنية الجنوبَ من الاحتلال "الإسرائيلي". هذين السببين هيئا أرضية الاستثمار بوسائل إعلامه، والهجوم على تراث المقاومة، بواسطة إعطاء انطباع أن اللبنانيين لا يهمهم سوى "الكيف"، وعرض بناته غوانٍ وأبنائه غلمان في هذا السوق. اختصت الفضائيات بالنساء الصغيرات والجميلات، والتي غالبيتهن أجرين عمليات تجميل مختلفة كي يبدين بهذا الشكل بكلمات أخرى: تغطي الفضائيات العربية كافة "الأذواق الجمالية" لمجاميع هذه الأمة. الأمر الذي يؤكد أهمية "خرافة الجمال" وهوسه في المستوى الاقتصادي، والسياسي- الاجتماعي، حيث توهم أبناء الأمة أن واقعها تلفزيوني... فقط! لقد أدخلت الكباريهات والعوالم إلى بيوتنا: وعينا وقيمنا وأخلاقنا، دون استئذان. أي أن الهدف هو وعي الأمة الجمعي، ومشروعها التحرري. وما محاربة اقتصاديات الجمال في وطننا العربي، إلا جزءا من معركة التحرر الوطني- القومي- الاجتماعي.2005
|