|
جمال النساء: نظام يحتجز تطورهن ويسحق إنسانية الجميع |
|
|
|
أحمد أشقر
|
|
2006-04-01 |
|
صفحة 1 من 2
خرافة الجمال: عن استخدام مُتَخَيلات جمالية ضد المرأة- تأليف: نعومي وولفتعالج الباحثة سوق "خرافة الجمال" وهوسه، لدى النساء المعاصرات، في الولايات المتحدة الأمريكية في الأساس، وبعض الدول الأوروبية. وتتحدث عن النساء المولودة بعد عام 1960 (وُلدت الباحثة عام 1962)، من الطبقة المتوسطة، اللواتي يعملن مستقلات وموظفات في القطاعين العام والخاص، وذوات "الياقات الوردية" إشارة منها إلى العاملات في قطاعات الخدمات المختلفة مثل: بائعات وموظفات الاستقبال في الفنادق والصالات المختلفة... اللواتي بحاجة إلى مظهر "الحلوة". وتستثني النساء من طبقات العمل الدنيا، لأنهن غير قادرات اقتصاديا على الانخراط في هذا السوق، علما أنهن العاملات في قطاع إنتاج المواد الأولية لهذه "الخرافة" وهذا الهوس. لا تستخدم الباحثة مصطلح "الرأسمالية" بتاتا، بل تستعيض عنها بمصطلحات مثل: "الرجال/ المُشَغِلون/ الاقتصاد". أي أن ليس لها مشكلة مع "الرأسمالية" كنظام اقتصادي- اجتماعي- سياسي- أخلاقي. فهي خير ممثلة لها، كما سنعي ذلك لاحقا. وإنما نقاشها ورفضها لـ"الرجال/ المشغلين/ الاقتصاد"، الذين حوّلوا جمال النساء سلعة وأداة، لـ"فصلهن عن ذاتهن" واحتجاز تطورهن، وعدم إطلاق العنان لهن في التشكيلة الرأسمالية، دون عوائق تذكر. تعتقد الباحثة أن "خرافة الجمال" وهوسه حديثا العهد. فقد بدأتا في سوق وثقافة المركز الرأسمالي بوضوح بالغ وصارخ، منذ ثمانينات القرن الماضي، عندما بدأ النساء يؤثرن في الحياة العامة، بدليل قولها: "إن العلاقة المرضية بالجمال في الثمانينات، هو نتيجة مباشرة لتغلغل النساء إلى مواقع القوة، وَرَدُ استهدف موازنته [التغلغل]". وتعتقد أنها تحدي لنشوء الحركات "النسوية". وأن "استخدام الجمال لم يكن لأسباب جنسية، بل لأسباب سياسة: لقد طوّر سوق العمل استخدام خرافة الجمال، وحوّلها إلى أداة لإضفاء شرعية التمييز ضد النساء في العمل. [...] ببساطة، تحوّل الجمال إلى مال/ فلوس. [...] وكلبشات بأعباء مادية جديدة، تبذر الطاقة الزائدة للنساء وتمسّ ثقتهن بأنفسهن". وتعتبر أن "هوس الجمال" أصبح "الوردية الثالثة" في حياة النساء الاقتصادية. هذه الوردية تستهلك جزءا لا بأس به من رواتب النساء ووقتهن وطاقتهن النفسية. والأهم هو: "المساس بثقتهن بأنفسهن". والورديتان الأولى والثانية: العمل المأجور (خارج المنزل)، والعمل غير المأجور، المنزلي (بالسخرة). وتذكر عدة معطيات هامة جدا: بلغت نسبة النساء العاملات، بحسب معطيات نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي، من مجمل نساء الفئة العمرية 25- 54، في "الوردية الأولى": في أمريكا 53.4% ، والسويد 77%، وفرنسا 55% وبريطانيا 63%. وتلخص بنتائج مذهلة للغاية: يعمل النساء، كافة نساء الكون، ثُلُثي ساعات العمل من مجمل ساعات عمل الإنسانية السنوية (في الورديتين الأولى والثانية)، ويربحن 10% فقط من الناتج الإجمالي العام، ويملكن فقط 1% مما تملك الإنسانية! ولا تنسى الباحثة أن تذكرنا بأن سوق الجمال ينتج سنويا: 33 مليار دولار لتخفيض الوزن، مواد التجميل 20 مليار دولار، وعمليات التجميل 300 مليون دولار وصناعة البورنوغرافيا 7 مليارات دولار. (ص 24- 36). يبدو منهج الباحثة إشكاليا وقاصرا عن فهم وإدراك مصالح الرأسمالية، التي لا تحتجز تطور النساء فقط- كما تؤكد الباحثة- وهن قوى العمل الأرخص في محركها. ونضيف إليها: إن إنتاج "خرافة الجمال" وهوسه، وزجّ النساء في هذه الدوامة مربح للغاية للرأسمالية، بدليل المعطيات التي عرضتها لنا عن حجم هذا السوق. وعلينا أن نؤكد: لا وجود للنساء، كنوع، بدون الرجال، كنوع. أي الرجل هو الآخر جزء من هذه الدوامة... فهو الذي يغازل المرأة باقتصاديات الجمال المختلفة. ما تعرضه الباحثة من معطيات هاما للغاية، إلا أنها تعتبر غير دقيقة وكافية؛ لأنها تعود إلى حوالي عقد ونصف خلا (عندما صدر لأول مرة باللغة الإنجليزية، في عام 1992، بعنوان: (THE BEATY MYTH: How Images Of Beaty Are Used Aganst Women) وتمت ترجمته إلى العبرية عام 2004)، ولا توافينا بكافة المعطيات عن بقية الدول، التي من شأنها أن ترسم صورة واضحة، قريبة إلى الشمولية. وجزئي أيضا، لأن صناعة الجمال تأخذ اليوم أبعادا جديدة؛ فقد بدأت هذه الصناعة بتسويق هذه "الخرافة" والهوس إلى الأطفال والرجال. وكذلك تمتنع الباحثة، وهنا نشخص مصلحة الرأسمالية وفكرها، فهي تنأى عن القول: أن صناعة "خرافة الجمال" وهوسه تستغل النساء في الدول المحتجزة تطورها؛ معروف أن الصين والهند وتركيا وأندونسيا وكافة هذه الدول، هي المنتج الأساسي لأدوات ومساحيق وكريمات التجميل. وان العمال هم من النساء والأطفال تحديدا، جميعهم يعملون بأجر سنوي لا يساوي ثمن زجاجة عطر من ماركة متواضعة. تبلغ أجرة ساعة العمل في الصين مثلا 18- 25 سنت فقط، بينما تبلغ الأجرة المثيلة في أمريكا 14 دولار للساعة، ودورات تدريبية مختلفة! الباحثة تمتنع عن الحديث عن استغلالهن ومصاعبهن الحياتية. فإذا كانت النساء في المركز الرأسمالي يعملن "وردية ثالثة" في محرك "خرافة الجمال" وهوسه؛ فإن النساء في هذه الدول يعملن "وردية رابعة" إحباطا، لأنهن، وهن نساء بحاجة إلى التجميل بصورة معقولة، يدركن أن ليس بقدورهن استعمال ما ينتجنه، لأنهن غير قادرات على شرائه، هذا عدا الأضرار الجسدية نتيجة للمواد الكيميائية المضرة المستعملة في هذه الصناعة، وعلاجها بحاجة إلى أموال طائلة، لا تصرف لعلاجهن. وما حصة النساء في هذه الدول من ساعات العمل أكثر بكثير، والأرباح والملكية أقل بكثير إذا ما قورن بـ"أخواتهن" من دول المركز الرأسمالي. أما الأرقام عن سوق "خرافة الجمال" وهوسه، فقد تضاعف عدة مرات في العقد ونصف الأخيرين. يكفي أن نذكر بأن هذا السوق يساوي 14 مليار دولار في أقطار الخليج العربي فقط، علما أن حضور جمال النساء في الحيّز العام في هذه الأقطار قليل للغاية، وإن ظهرن فيه، فإنهن يظهرن متخفيات/ محجبات. ولا تتحدث عن تدمير البيئة من أجل إنتاج المواد الأولية لهذه الصناعة، خاصة طبقة الأوزون... معروف أن للروائح المنبعثة من بعض العطور التأثير السلبي على الأوزون، لذا تشير بعض الشركات المنتجة لبعضها إلى كونه "غير ضار بطبقة الأوزون"! وتنأى (أيضا) عن الحديث عن الأبعاد الأخلاقية لهذه "الخرافة" والهوس (عدا استغلال العمال والعاملات في هذه الصناعة، لأن الاستغلال، أي استغلال، غير أخلاقي بتاتا). ونقصد بالأبعاد الأخلاقية: صناعة بعض المساحيق والكريمات والعطور من الأجنة، نعم الأجنة، التي تجهضها النساء العازبات والفقيرات غير القادرات على إعالة أبنائهن، لأن فيها علاجا لبعض تشوهات البشرة والجلد! وتنتج هذا المنتجات في بعض الدول الفقيرة مثل: روسيا والهند... وأمريكا اللاتينية. نظام للسيطرة والتحكم كنت قد أشرت في عنوان المقال إلى أن ("جمال النساء: نظام...") والسؤال الذي يطرح: ما هي العلاقة بين "خرافة الجمال" وهوسه، وكونه نظام؟ والجواب واضح وبسيط: للنظام/ order، ركيزتين أساسيتين: الدولة والقانون. والدولة هنا، الرأسمالية التي نجيّر القانون لمصالحها. من الواضح أن الباحثة تعتبر أن ما يحدث في هذا الميدان، أصبح نظاما، دون أن تشير إليه بالاسم؛ وإنما بتحديد معالمه. وتعدد أدوات سيطرته: الأولى- جهاز القضاء: ترصد الباحثة العديد من الحالات اللاتي فصلن فيها بعض النساء من عملهن، لأنهن "غير حلوات" بما فيه الكفاية، و"حلوات أكثر من اللزوم". في العام 1971 أمرت محكمةٌ أمريكية امرأةً بتخفيض وزنها بكيلو غرام ونصف أسبوعيا، وإن لم تنفذ هذا الأمر، تُسجن! وفي عام 1972 أقرت محكمة في نيويورك أن "الجمال سبب شرعيا لتشغيل المرأة أو فصلها"... وأن السيدة شميدت فُصِلت من عملها من متجر لبيع الكتب في لندن لأنها جاءت إلى العمل ترتدي "البنطلون"... وفي عام 1986 اشتكت مشيل فينسون مدير فرع البنك التي كانت تعمل فيه لأنه تحرش بها جنسيا... واغتصبها. المحكمة في منطقة كولومبيا (ميدان الأحداث) ردت شكوى فينسون، لأنها كانت ترتدي "ملابس استفزازية.. وأنها باركت هذا التحرش". هذه القرارات أثبتت للنساء أن الرجال المشغلين [الرأسمالية] هم الذين يقررون مواصفات الجمال، وأن جهاز القضاء يأخذ بهذه القرارات ويعتبرها موضوعية وواقعية، ويستخدمها ضد النساء (ص 36-50). لو ذكر هذا المعطيات اشتراكيا أو شيوعيا أو إسلاميا، لما صدّقه أحد، لأن هذا "يتعارض مع الدستور" كما سيدعون. إلا أن قرارات المحاكم المذكورة تؤكد ثلاثة أمور أساسية للغاية: الأول- إن جهاز القضاء هو في خدمة الرأسمال. وجهاز القضاء، هو لسان حال القوانين التي تشرعها الطبقة الحاكمة. والثاني- إن "حرية الفرد" التي يتغنى بها الدستور الأمريكي، هي حرية تراكم رأس المال، ولا حق لمن يحاول إعاقته! والثالث- الرأسمالية ورثت النظام الأبوي/ "البطريكي"، الذي أحد أسسه، قمع ضد النساء. الثانية- الثقافة: تعتقد الباحثة أن الرأسمالية فصلت النساء عن واقعهن المعيش، وفصلت الواحدة عن الأخرى، واستعاضت عن هذه العلاقات "بنماذج للتقليد" من النساء، وليس من الرجال، "لأن النساء ينظرن إلى أنفسهن". وتستخدم لهذا الغرض وسائل الإعلام المختلفة. وقد أنتجت نموذجين من النساء: "نسوان حلوات ومش فهمانات- نساء مش حلوات وفهمانات. بإمكان النساء أن يكنّ صاحبات عقل أو جسم، وليس الاثنين معا". لذا تعرض لنا وسائل الإعلام المختلفة، المرئية تحديدا، قطاعين من النساء: جميلات وغبيات وساذجات، وبشعات يتمتعن بقوة سلبية. وتتحدث الباحثة عن العلاقة المباشرة بين المُعْلِنِين [الرأسماليين] وأصحاب الصحف النسائية. وتورد بعض الأمثلة التي تؤكد على أن الرأسمال هو الذي بات يقرر كيف تبدو الصحيفة: الصحيفة النسوية (ميز) خسرت عقدا إعلانيا مع إحدى الشركات، لأنها نشرت صور نساء من روسيا غير مُمَكَيَجات كفاية، حسب إدعاء الشركة المعلنة! شركة لإنتاج جوارب النايلون (النسائية) اشترطت على إحدى الصحف، كي تعلن بها، عدم ذكر أي شيء عن الملابس المصنوعة من خيوط طبيعية! وشركة أخرى اشترطت على مجلة، كي تعلن بها، ألا تنشر صورا لنساء كبيرات في السن! والقائمة طويلة... وتستنتج قائلة: الصحافة في أمريكا، دائما كانت صحافة تسويق فقط. وتؤكد الباحثة على أن هذه الصحف يفتعلن صراعا وهميا بين الأجيال، فما من فتاة تريد أن تصبح كأمها. واتضح أن ما يؤرق قطاع النساء اللواتي تتحدث عنه، هو "خوفهن أن يصبحن كأمهاتهن". ولا تنس (أيضا) أن تتحدث عن الملابس النسائية المعلن عنها، أو اللاتي يلبسنها النساء المعاصرات. وتقارنها بـ"عذراء الحديد": وهو قالب من المعدن، اعتادت الطبقات الحاكمة في القرن التاسع عشر، وضع الفتيات فيه كي يحافظن على شكل معين... وفي كثير من الحالات توفين بعض الفتيات جراءه! تقارن الملابس الحالية به- أي "عذراء الحديد"- وتصف حالة النساء فيه قائلة: "كأُنهن أُدْخِلن إليه"، نعم: النساء لا يلبسون هذه الملابس، بل "يُدْخَلّن إليها". وإن كانت "عذراء الحديد" قد أدت إلى وفات بعض النساء جسديا، من اللواتي "أُدْخِلن إليها"، فإن الملابس الحالية "تقتل أرواحن". وبدلا أن تمنحهن الحرية الجنسية، فقد حوّلت النساء إلى أغراض أُدْخِلن إلى هذه الملابس (ص 60- 83 و195). لقد أطنبت الباحثة في الحديث عن الصحف والمجلات. وملخص قولها: إن حرية الصحافة والإعلام كذبة كبيرة، وأن الحرية الفعلية، هي حرية الرجال/ المشغلين/ الاقتصاد (الرأسمال والرسأماليين) فقط. ونضيف: ليس هذا فقط؛ الرأسماليون يحولون الجماهير والناس إلى سوق من المستهلكين في خدمتهم، ويغشونهم بحيث يحجبون عنهم، ليس الحقيقة، بل وجهة النظر الأخرى عن صناعة الجمال والعاملين والعاملات فيه، ووضع ومكانة النساء في الحياة العامة والاقتصاد. أما نجوم الإعلام من النساء، هم نجوم وهمية من صناعة تقنيات الجرافيك في أجهزة الحواسيب المختلفة. وبحسب الباحثة: إن 90% من النساء الحقيقيات لا يشبهن نساء وسائل الإعلام المختلفة. الباحثة لا تهتم كثيرا في التلفزيون والفضائيات المختلفة؛ لأن عندما صدر بحثها لم تكن القنوات التلفزيونية كثيرة ومشعبة إلى هذا الحدّ. وما يمكن أن يقال عن الصحف والمجلات يمكن أن يقال عن التلفزيون (أيضا) وزيادة. لأن تأثير التلفزيون أكثر بكثير، فإذا كانت أي طفلة وفتاة وامرأة بحاجة إلى معرفة القراءة والكتابة، ولديها القدرة الشرائية والوقت للتوجه إلى محلات بيع الصحف والمجلات، لشرائها وقراءتها، فإن التلفزيون وفّر الكثير من هذا المصروف والجهد والعناء. وما على إحداهن إلا الضغط على جهاز التحكم عن بعد، الرَمّاش، حتى تداهم الفضائيات بيتها، وعيها وقيمها وأخلاقها، دون استئذان، وتبث فيها معارف وأخلاق وقيم، لو أتيحت لها حرية اختيارها وشراءها، لما فعلت! وبما أن هدف التلفزيونات هو الربح المادي، (كانت شركات إنتاج السلاح في ثمانينات القرن الماضي، قد شاركت محطات التلفزة المختلفة رأسمالها)، فإنها اليوم تشارك "دور الأزياء" ومنتجو الملابس رأسمالها. أي أن محطات التلفزة ومصانع السلاح ودور الأزياء، تشترك جميعها لتغييب وعينا، وتحويلنا إلى قطعان من المستهلكين. وكثيرا ما نقرأ في مصادر إعلامية نقدية، أن "دار الأزياء الفلانية" هي التي تمول هذا المسلسل أو ذاك! لهذا نفهم لماذا استضاف بيت السفير الأمريكي في سيدنا علي/ "هرصليا" معرضا لإحدى دور الأزياء، في السابع من شهر أيلول الماضي، التي دورتها المالية تساوي 4.2 مليار دولار سنويا.
|