|
حقوق النساء.. ثقوب في الوعي العربي و الإسلامي.. "رؤية للإصلاح" |
|
|
|
د. عادل مجاهد الشرجبي
|
|
2006-04-01 |
مقدمة: كغيرها من المجتمعات شهدت المجتمعات العربية والإسلامية خلال العقدين الماضيين موجة تحول كبيرة باتجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية البشرية المستدامة، ومثلت قضية حقوق الإنسان للمرأة واحدة من القضايا التي كثر الحديث حولها في المجتمعات العربية والإسلامية خلال السنوات الماضية، وتجاوزت حدود المناظرات الفكرية إلى مستوى الممارسة، فنفذت بعض الدول العربية والإسلامية إصلاحات قانونية بما يتوائم مع توجهات التشريعات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان للمرأة، ونفذ بعضها الآخر ترتيبات مؤسسية تمثلت في إنشاء آليات وطنية هادفة إلى تحسين أوضاع حقوق النساء، وتأسست في بعض ثالث من الدول العربية والإسلامية مؤسسات مجتمع مدني خصصت أنشطتها أو جزء منها لقضايا حقوق الإنسان للمرأة، وأعدت في بعض منها استراتيجيات وطنية للنهوض بأوضاع النساء، ونفذت برامج ومشروعات حكومية وغير حكومية لتمكين النساء من ممارسة حقوقهن، والدفاع عن النساء اللاتي تنتهك حقوقهن ومناصرتهن. وعلى الرغم من أهمية هذه التطورات، فإن نتائجها حتى الآن لا زالت محدودة، وإذا استمر تنفيذها بنفس الرؤية والمنهجية والأسلوب فإننا لا نتوقع حدوث تغير كبير في أوضاع حقوق الإنسان للمرأة على المدى المتوسط، حيث ينظر كثير من المسئولين والناشطين والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية إلى حقوق الإنسان للمرأة باعتبارها حقوق للإنسان الفرد، وتهمل الرؤية الاجتماعية الثقافية لحقوق الإنسان، وحتى في الحالات التي طور بعض هؤلاء منظوراتهم لقضايا حقوق الإنسان للمرأة، وتبنوا مداخل نظرية النوع الاجتماعي، ورؤى التنمية البشرية المستدامة، وهي نظرية ورؤى تولي اهتمامأً للجوانب الثقافية والاجتماعية لحقوق الإنسان، فإن منهجيات تخطيط الأنشطة وأساليب تقديم الخدمات لا تزال مناهج وأساليب تقليدية، وبالتالي فاقتصرت الاستفادة من المداخل والرؤى السوسيوثقافية على تفسير واقع حقوق الإنسان للمرأة دون الاستفادة منها في تغييره، فأنشطة التثقيف وحملات التوعية المعتمدة على النصح والإرشاد والوعظ لا يمكن تغيير الثقافة الذكورية السائدة في المجتمع. لذلك فإننا في هذه الورقة نسعى إلى تقديم رؤية حول طبيعة التغيرات الاجتماعية والثقافية المطلوبة والهادفة إلى خلق بيئة ملائمة اجتماعياً وثقافياً لتفعيل مبادئ حقوق الإنسان للمرأة، واحترامها وتمكين النساء من ممارسته. 1- إعادة تشكيل الخارطة الاجتماعية وبناء التحالفات: رغم ما شهدته المجتمعات العربية والإسلامية خلال العقدين الماضيين من تحولات في المجالات السياسية والاقتصادية، فإن هذه التحولات لم تؤد إلى تغييرات مهمة وذات شأن في التركيب الاجتماعي وفي خارطة توزيع القوة، فلا تزال القوى الاجتماعية والتقليدية مهيمنة على السلطة وعلى مؤسسات صناعة القرار، ولا شك أن هذه القوى تستخدم وسائل وأساليب عديدة للحفاظ على أوضاعها وللدفاع عن مصالحها، ولا شك أن التغيير الجذري والشامل سوف يطيح بهيمنتها وسوف يسلبها الامتيازات التي تتمتع بها، ومن ثم فإن هذه القوى تمارس أن يمكن أن نسميه بالتغييرالتكيفي، فتعمل على إفراغ التغيير من مضمونه، وتحوله إلى تغيير شكلي، وتسعى إلى إفراغ مبادئ حقوق الإنسان للمرأة من مضمونها الحقيقي، وتحويلها إلى مجرد شعارات توظف لتجميل السلطة، وإضفاء ملامح حداثية- شكلية- على المجتمع التقليدي. لكل مشروع اجتماعي اقتصادي أو سياسي قواه الاجتماعية المؤهلة لتنفيذه، فلا يمكن بناء ديمقراطية بقوى اجتماعية غير ديمقراطية، ولا يمكن تطوير أوضاع حقوق الإنسان بقوى اجتماعية لا تؤمن بحقوق الإنسان، لذلك فإن الجهود التي تبذل في بعض الدول العربية والإسلامية لتمكين النساء من ممارسة حقوقهن في المشاركة السياسية لا تعدو كونها مجرد تغييرات شكلية، فالهدف من تواجد النساء في مؤسسات صناعة القرار هو إشراكهن بشكل فاعل في صناعة القرارات السياسية والاقتصادية، وبالتالي فإن النساء اللائي يتم إيصالهن إلى المؤسسات التشريعية والسياسية في معظم البلدان العربية والإسلامية، لا يتمكن بشكل فعلي من المشاركة في عمليات صناعة القرار وتوجيهه، وذلك بفعل هيمنة القوى الاجتماعية التقليدية على المؤسسات التشريعية والسياسية. لذلك فإن الشروط الاجتماعية الملائمة لتحسين أوضاع حقوق الإنسان للمرأة، وتكريس مبادئ حقوق الإنسان واحترامها، تتمثل في تحديث البنية الاجتماعية، وتكريس الظروف التي من شأنها إضعاف هيمنة الارستقراطيات القديمة والصفوات التقليدية القديمة والجديدة، وتعزيز أهمية القوى الاجتماعية الحديثة (البرجوازية الوطنية والطبقة الوسطى الحديثة والأنتلجينسيا)، وتظافر وتكامل جهود ومنظمات المجتمع المدني الناشطة في مجال حقوق الإنسان للمرأة، وتكوين حركة اجتماعية لحقوق الإنسان، قائمة على التحالف بين منظمات حقوق الإنسان (للمرأة والرجل) ومؤسسات المجتمع المدني الحديثة بشكل عام، والتنظيمات التي تسيرها القوى الاجتماعية الحديثة. 2- تحديث رأس المال الاجتماعي: نقصد برأس المال الاجتماعي مختلف المنظمات والتنظيمات الاجتماعية التي طورها المجتمع خلال مسيرته التاريخية، وبالنظر إلى طبيعة رأس المال الاجتماعي في المجتمعات العربية والإسلامية يتضح أن التنظيمات القبلية والطائفية والدينية والإثنية لا زالت هي المهيمنة على الحياة الاجتماعية، بل واستطاعت مد تأثيرها ليشمل منظمات المجتمع المدني الحديثة، بحيث أصبحت بعض الأحزاب وبعض المنظمات غير الحكومية NGOs والمنظمات القائمة في المجتمع المحلي CBOs مجرد واجهات مؤسسية حديثة لخدمة توجهات تقليدية. تعتمد بنى وممارسات التنظيمات الاجتماعية التقليدية على أسس ومعايير تميزية ولا مساواتية رأسياً وأفقياً، وإذا كانت هذه التنظيمات تميز بين أوضاع ومكانات الرجال الذين ينتمون إليها بعضهم مقارنة بالبعض الآخر من جانب ومقارنة بالرجال الذين ينتمون إلى تنظيمات أخرى من جانب آخر، فإنها بالتأكيد تميز بين الرجال والنساء، وبالتالي فإن هذه البنى والتنظيمات غير مؤهلة لتكريس ثقافة حقوق الإنسان عموماً وحقوق الإنسان للمرأة بشكل خاص، وبالتالي فإن تطوير أوضاع حقوق الإنسان في المجتمعات العربية والإسلامية يتطلب التوسع في تأسيس مؤسسات المجتمع المدني الحديثة، وتقليص أهمية وتأثير المؤسسات والمنظمات والتنظيمات التقليدية. تصنف التنظيمات الاجتماعية- باستثناء الأسرة والعائلة- باعتبارها جزء من المجال العام Public Sphere ، بينما تصنف الأسرة والعائلة باعتبارهما جزء من المجال الخاص Private Sphere، ويعتمد هذا التصنيف على طبيعة التفاعلات التي تتم بين الأفراد، ففي المجال الخاص يقوم التفاعل على أساس شخصي وعاطفي وغير رسمي، والأشخاص الذين يدور بينهم التفاعل يرتبطون بعلاقات قرابة، أما في المجال العام فإن الأشخاص المتفاعلون لا يرتبطون بعلاقات قرابة، وتنظم تفاعلاتهم بناء على أسس رسمية وقانونية. تتحدد علاقات النوع الاجتماعي (علاقات الرجال بالنساء) وفقاً للمعايير الثقافية السائدة، فتميل الثقافات التقليدية إلى الفصل بين المجال الخاص والمجال العام، وتحرم المرأة من المشاركة في المجال العام، وبالتالي فإن التنظيمات الاجتماعية التقليدية هي تنظيمات ذكورية. وبتأثير الثقافة التقليدية في المجتمعات العربية والإسلامية، انسحبت بعض خصائص التنظيمات الاجتماعية التقليدية على كثير من التنظيمات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية "الحديثة"، فهناك فصل تام بين الرجال والنساء في مؤسسات التعليم الجامعي ومرافق العمل في المملكة العربية السعودية، وفي دول الخليج العربي واليمن وبعض الدول العربية الأخرى هناك نوع من التأنيث لبعض الأعمال والتذكير لأعمال ومهن أخرى، وعلى مستوى مؤسسات المجتمع المدني فالغالبية العظمى منها تتسم العضوية فيها بأحادية الجنس (أما رجال أو نساء)، والعدد المحدود من المنظمات غير الحكومية ذات العضوية المشتركة، فإن التفاعلات فيها بين الرجال والنساء محدودة، ويمثل الحجاب عائقاً إضافياً من عوائق التفاعل، وعاملاً من عوامل الفصل بين النساء والرجال، وبالتالي فإن التحديث المشوه في البلدان العربية ترتب عليه تكيف المجال العام بما يتلائم مع معايير تقسيم العمل التقليدي، وأضفت عليه كثير من ملامح المجال الخاص، وتحولت مشاركة المرأة فيه إلى مشاركة زائفة وغير حقيقية. في ضوء ذلك فإن رأس المال الاجتماعي في المجتمعات العربية الإسلامية بخصائصه القائمة غير ملائم لتكريس مبادئ وثقافة حقوق الإنسان للمرأة، الأمر الذي يفرض ضرورة تحديثه. 3-تغيير طبيعة العلاقات الاجتماعية: ترتب على طبيعة البناء الاجتماعي والعلاقات الطبقية السائدة في الدول العربية والإسلامية وطبيعة التنظيمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة فيها، أن اتسمت العلاقات الاجتماعية بين الأفراد بطابع أبوي تسلطي، وسيادة ثقافة دوجماطبقية إملائية وغير حوارية، وتساهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية في تكريس الثقافة الإملائية وإعاقة تشكل ثقافة حوارية، وسيادة العنف على المستويين الفردي والاجتماعي، ويتوقف طبيعة العنف واتجاهاته على خا رطة توزيع السلطة والقوة في المجتمع، فالرجل يمارس عنفاً ضد المرأة والكبير يمارس عنفاً تجاه الأصغر منه، والمستوى يمارس عنفاً تجاه مرؤوسيه، وهكذا، وبالتالي فإن تكريس ثقافة حقوق الإنسان يتطلب إعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها العلاقات الاجتماعية بحيث تستند على أسس احترام إنسانية الإنسان والمساواة والكرامة. 4-تحصين الخطاب والممارسة الدينيان ضد التوظيف السياسي والاجتماعي: فقد سعت المجموعات السياسية والاجتماعية المتصارعة في المجتمعات العربية الإسلامية إلى توظيف الدين في هذه الصراعات، وأدعت كل منها الشرعية الدينية، وعملت على إضفاء الصبغة الدينية على ممارساتها، والتي قد تكون أحياناً بعيدة كل البعد عن جوهر الدين الإسلامي الصحيح، فعلى سبيل المثال كانت القوى الدينية في اليمن في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين تحرم التعددية السياسية باسم الدين، وفي مطلع التسعينيات من القرن نفسه كانت من بين أوائل القوى التي أسست أحزاباً سياسية، فه لتغير الدين الإسلامي؟ بالتأكيد لا، وإنما الذي تغير هو ممارساتها وتوجهاتها وتكتيكات تحقيق مصالحها، وفي الحالتين سعت إلى تبرير توجهاتها بنصوص دينية.خاتمة كانت تلك بعض التغييرات التي نراها ضرورية لتهيئة البنى الاجتماعية والثقافية لتقبيل ثقافة حقوق الإنسان، ومع ذلك فإن أحداث هذه التغيرات مشروط بالإرادة السياسية، فهي ليست تغييرات فردية وإنما هي تغييرات بنيوية وهيكلية، ومثلما تطلبت التغييرات الاقتصادية تغييراً هيكلياً، فإن التغييرات الاجتماعية والثقافية تتطلب هي الأخرى تغييرات هيكلية، ومن ثم فإن الدولة هي المؤسسة الوحيدة ا لقادرة على المبادرة بتدشين هذا النوع من التغيير عبر إعلان استراتيجية وطنية للتغيير الاجتماعي والثقافية بما يتلائم مع الديمقراطية وحقوق الإنسان. 3/2005 |