|
العنف ضد المرأة.. أسوء مظاهر الحضارة المعاصرة |
|
|
|
محمد بسام جودة
|
|
2008-01-05 |
يشكل العنف تجاه المرأة من أسوء المظاهر الحالية التي تعيشها الحضارة المعاصرة، فعلى الرغم من وجود القوانين التي تمنع اضطهاد المرأة، لكن تعامل اغلب الأعراف الرسمية وغير الرسمية يجعلها مواطن من الدرجة الثانية،
وهذا الأمر يجعل ضرورة تحرك المؤسسات الدولية والمحلية من اجل حمايتها ليس في يوم المرأة العالمي وانما في كل الأيام، ولا يقف العنف ضد المرأة في حد منع العنف عنها بل أن حرمانها من ابسط حقوقها السياسية والاقتصادية والشرعية والاجتماعية يعد من أكثر مراتب العنف ضدها. تعتبر ظاهرة العنف ضد المرأة لكونها أنثى، ظاهرة عالمية تعاني منها المرأة في كل مكان وأينما كانت، وإن اختلفت أشكالها، وعلى الرغم من الانتشار الواسع لهذه الظاهرة إلا أنها لم تحظى بالاهتمام الكافي إلا مؤخرا حيث بدأت الحركة النسوية العالمية تؤكد على أهمية ربط قضايا حقوق المرأة بقضايا حقوق الإنسان واعتبار العنف ضد المرأة انتهاكا صارخا لحقوقها الأساسية، وفي محاولة لتسليط الضوء على هذه الظاهرة، واستخدام كافة الوسائل الممكنة للقضاء عليها، فإن هناك حملة عالمية تقام سنوياً منذ عام 1991 وتجري فعالياتها باعتبار يوم 25/11 – 10/12 من كل عام، وتم اختيار تلك الأيام بالتحديد باعتبار يوم 25/11 هو يوم عالمي لمناهضة كافة أشكال العنف ضد المرأة. إن الموقف من المرأة هو الموقف من الحياة وبالتالي فلا يجوز لأحد أيا كان الادعاء بأنه يملك نظرة واقعية عادلة أيا كانت خلفياتها النظرية والأيديولوجية إن لم يكن يملك موقفا عادلا من المرأة وقضاياها، فالادعاء بالموقف العادل في السياسة والوطن وحقوق الشعب وحرياته عرجاء إن هي استثنت النصف الحي من المجتمع، والقول بان المراة هي النصف الحي ليس اعتباطا بل هي كذلك عند العرب أكثر من أي مكان آخر أو أية امة أخرى فهي لدى الطبقات الغنية ألام والمربية والزوجة والطباخة أو المشرفة والحارسة الأمينة على البيت والأولاد وهي في الطبقات الفقيرة والمتوسطة عاملة وشريكة في دخل الأسرة وبنفس الوقت خادمة بيتية بكل ما تحمل الكلمة من معنى فهي تعمل إلى جانب زوجها في الحقل أو المكتب أو المدرسة أو المصنع وتعود معه إلى البيت، لذا فان الموقف العادل من المرأة ينبع من إدراك حقيقي لدورها وإنسانيتها. مشاهد يومية، وصور راسخة في أعماق الذاكرة، سائرة عبر الزمن، صور من هذا الواقع العربي، الذي يشهد تحولات عظيمة في مختلف الميادين، إلا أنه مازال يفتقر إلى أبسط الحقوق التي من المفترض أن تحظى بها المرأة العربية، والتي رغم وصولها إلى عدة مناصب وحصولها على عدة مكتسبات علمية وعملية، إلا أنها مازالت قابعة تحت رحمة التقاليد والأعراف التي تكرس دونية المرأة بعدة مبررات اجتماعية ودينية... هي صور تبثها مجموعة من المنابر الإعلامية والأقلام الجريئة التي تحاول بشكل دائم النبش فيما وراء السطور... ولا توجد أية صورة تستوجب اهتمام الإعلاميين وعنايتهم أكثر من قضية العنف ضد المرأة...!! إن المجتمع العربي التقليدي الذي نشأت فيه المرأة، يجعلها خاضعة بشكل مستمر للسيطرة الذكورية (الأب، الأخ، الزوج...)، وسلطة المجتمع (التقاليد، الأعراف...)، التي تكرس دونية المرأة، وتساهم في إذلالها، وبالرغم من حصولها على درجات عليا في الميدان العلمي والعملي، إلا أنها تظل في نظر المجتمع مجرد قاصر، عديمة الأهلية، غير قادرة على تقرير مصير حياتها، فهي خلقت فقط للزواج وإنجاب الأطفال وخدمة الأسرة لا غير، وقد تفننت سلطة التقاليد والأعراف في إهانتها إلى درجة أنها شرعت العنف كوسيلة لتأديب المرأة باعتبارها ضلعا أعوجا يحتاج إلى التقويم الدائم، إذ تتعرض المرأة بشكل يومي لمختلف أشكال العنف، باعتبارها كائن من نوع خاص يشكل مصدر العار والفتنة. و رغم أن العنف ضد المرأة يعتبر من القضايا المسكوت عنها، والتي لا تظهر إلى الوجود إلا عبر بعض المنابر والأقلام النشيطة في مجال الإعلام أو من طرف بعض الجمعيات النسائية أو المؤسسات المناهضة للعنف ضد المرأة، إلا أنها تبقى مجرد إشارات بسيطة تحتاج إلى المزيد من الاهتمام والممارسة الجادة والهادفة. فالإعلام مثلا يعتبر من الوسائل المهمة التي يمكن الاعتماد عليها في محاربة العنف الموجه ضد المرأة في العالم العربي، إلا أنه لا يهتم إلا بنشر بعض مقالات جرائم وفضائح العنف التي تتعرض لها المرأة، من أجل إشباع رغبة المستهلكين للصحف اليومية، ونادرا ما يتم الاهتمام بمثل هذه القضايا التي تحتاج للمزيد من البحث الهادف والتحليل الجاد، نظرا لحساسيتها وصعوبة تناولها. كما أن بعض الجمعيات النسائية ورغم اتخاذها قضية المرأة شعارا وهدفا أساسيا لأنشطتها، وتسليطها الضوء على مختلف أشكال العنف الذي يمارس على جسد المرأة العربية، إلا أنها سرعان ما تسيطر عليها النزعة الذاتية، وتتعرض لسيطرة الأحزاب والتبعية الإيديولوجية. و تتعرض المرأة العربية بشكل يومي إلى ممارسات مختلفة من العنف في العمل، في الشارع، وحتى في البيت، من الزوج، الأب، الأخ،... وتشير الدكتورة المصرية عايدة سيف إلى: « أن العنف ضد المرأة أصبح ظاهرة منتشرة في مختلف المجتمعات، وحتى معاكسات الرجال للنساء في الشارع أصبحت عدوانية، بحيث تهاجم المرأة، وتتعرض للشتم والملاحظات القاسية، والسبب الرئيسي في ذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بعلاقة المرأة بالرجل، التي هي علاقة فوقية من جانبه وعلاقة دونية من جانبها، أي أن العنف يوضح علاقة التبعية القائمة بين المرأة والرجل في مجتمعاتنا العربية، والنظرة الاجتماعية التي تعتبر أن هوية المرأة وحمايتها لا تتحقق إلا من خلال الرجل الذي يصبح الحامي والمعتدي في نفس الوقت». ويعتبر العنف الوسيلة الوحيدة لتهميش المرأة وجعلها غير قادرة على النهوض بمستواها الاجتماعي والعلمي، بحيث تشهد عدة مجتمعات عربية جرائم قتل الشرف التي تمارسها الأسرة على المرأة، وهي عادة قديمة متوارثة عبر التاريخ، تمارسها بعض المجتمعات كأسلوب تربوي يهدف إلى الحفاظ على سمعة الأسرة أو العائلة ومكانتها في المجتمع، وهذه العادة تطبق في حق المرأة فقط، في حين يظل الرجل خارج دائرة الاتهام، ذلك أن مفهوم الشرف لا يطبق إلا على المرأة التي يكون مصيرها الوحيد هو القتل، والسؤال المطروح: هو لماذا تتحمل المرأة بمفردها هذا النوع من العنف؟ في حين أن الرجل يبقى حرا طليقا، حتى لو كان هو الجاني الحقيقي، مما يدل بشكل قاطع على مدى التفكك الأسري الذي تعاني منه مختلف المجتمعات العربية، فانعدام الرقابة والمتابعة للأبناء يدفع لارتكاب بعض هذه الجرائم إضافة إلى عدم تثقيف الأبناء الثقافة الجنسية المطلوبة والتي تجعلهم قادرين على التمييز بين الصواب والخطأ. و تعتبر المرأة الفلسطينية والعراقية أكثر النساء معاناة من العنف، ففي فلسطين تعاني المرأة بشكل يومي من العنف الذي يسببه الاحتلال الإسرائيلي لها ولأبناء شعبها، ومن مظاهر المعاناة فقدانها للهوية الشخصية، وفقدانها لحريتها في التنقل الداخلي والعمل والسفر، بحيث لا يتم ذلك إلا بتصاريح من الحكم العسكري الإسرائيلي، الذي يشن عليها حملة عنف قوية بإجراءاته القمعية وتحرشاته المختلفة، كما تتعرض إلى الاضطهاد من طرف الأسرة التي تمارس ضدها أنواعا متعددة من العنف، وسيطرة كبيرة تكبل تصرفاتها وحريتها الشخصية. في حين تزداد معاناة المرأة العراقية من العنف الممارس عليها بسبب الحروب الدائرة إذ تنال في ظل هذه الظروف نصيبا مزدوجا من الانتهاكات الجسيمة في حق جسدها. و بصفة عامة، تبقى النساء العربيات في غالب الدول محرومة من التمتّع ببعض الحقوق ومن ممارستها ولم ترتقي بعد إلى المواطنة ولا إلى المساواة رغم أهمية الدور الذي تلعبه في هذه المجتمعات. ففي مارس/آذار 2005، احتشد في نيويورك قرابة ثلاثة آلاف من ممثلي الحكومات والمنظمات النسائية ومنظمات حقوق الإنسان للاحتفال بذكرى مرور 10 سنوات على "مؤتمر المرأة العالمي"، الذي عقدته الأمم المتحدة في بكين، ولتقييم التقدم على طريق تنفيذ "إعلان بكين" و"برنامج عمل بكين". وإذا كانت الحكومات قد أعادت تأكيدها بالإجماع على الالتزامات التي قدمتها منذ 10 سنوات، فإنها لم تقدم أية تعهدات أخرى لتعزيز الحقوق الإنسانية للمرأة وحماية هذه الحقوق. ويرجع هذا التقاعس في جانب منه للهجوم الرجعي الذي تعرضت له الحقوق الإنسانية للمرأة، واتضحت معالمه خلال السنوات القليلة الماضية. وقد تولت قيادة هذا الهجوم، خصوصاً فيما يتعلق بالحقوق الجنسية والإنجابية للمرأة، الجماعات المسيحية المحافظة التي تؤيدها الولايات المتحدة، ويؤازرها الكرسي البابوي وبعض الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي. وشكلت الهجمات التي تعرضت لها حقوق المرأة، فضلاً عن تغير سياق الأمن العالمي وعدم توفر الإرادة اللازمة لدى الدول لتنفيذ المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، الخلفية التي واصلت فيها منظمة العفو الدولية العمل بالمشاركة مع الجماعات النسائية في شتى أنحاء العالم من أجل تعزيز حقوق الإنسان للمرأة. ومن بين المجالات التي شهدت إحراز التقدم إصدار تشريعات جديدة في عدد من البلدان تؤدي إلى الحد من التمييز ضد المرأة. ففي إثيوبيا، صدر قانون العقوبات الجديد الذي يلغي إعفاء الزوج من جريمة اختطاف العروس وما يرتبط به من اغتصاب. وأدخل مجلس النواب (البرلمان) الكويتي تعديلات على قانون الانتخابات تمنح المرأة الحق في الاقتراع والترشح في الانتخابات. ورحبت منظمة العفو الدولية ببدء سريان البروتوكول الملحق "بالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب" بشأن حقوق المرأة في إفريقيا. واحتفلت المنظمات النسائية في جزر سليمان بإنشاء أول دار في البلاد لإيواء النساء من ضحايا العنف في محيط الأسرة. وهنا لابد من أن نشير إلا أن المرأة العربية مازالت تعاني من العنف بمختلف أشكاله بداية من التهميش والجهل نهاية بتمييز الرجل عليها في مختلف المجالات العلمية والعملية، وبالرغم من أن هناك كثير من المطالبات في الفترة الأخيرة بتمكين المرأة من الحصول على كل حقوقها إلا أنها مازال لديها الكثير من المشكلات، التي ربما تتعلق بثقافة بعض المجتمعات القائمة على الجهل والمعتقدات أو بادعاءات من العادات والتقاليد. وقد أصبح موضوع العنف ضد المرأة وما يتعلق به من مفاهيم مختلفة خلال السنوات الأخيرة، موضوع اهتمام وقلق لدى العديد من دول العالم العربي، إلا أن القليل من الدول العربية التي تتخذ خطوات حقيقية لمحاربة العنف الواقع على المرأة العربية واستئصاله من المجتمع. لذا، واقتناعا منا بأن تطور هذه المجتمعات العربية وإرساء الديمقراطية والتنمية فيها مرتبتطان بالنهوض بأوضاع النساء القانونية وبالارتقاء بهنّ إلى صفة المواطنة الحقيقية، فإننّا نرى من الضروري الرجوع إلى النصوص القانونية التي تقرّ مبدأ المساواة الجنسين لمعرفتها والمطالبة باعتمادها من قبل الدول حتى تكسب النساء كافة الحقوق وتتمتّع بنفس الحقوق والرجال في كلّ المجالات وكلّ الفضاءات العامّّة والخاصة العائلية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية.
محمد بسام جودة، (العنف ضد المرأة.. أسوء مظاهر الحضارة المعاصرة)
|