|
نادين باخص
|
|
2008-01-05 |
لا أدري إلى أي حدّ يمكن للمرء التحدّث عن شيء لم يأتِ بعد، لاسيما وإن كان الموضوع متعلّقاً بالكتابة والأدب، إذ سرعان ما سَيُبادر من الآخرين بردّة فعل تستنكر أنْ يكون هنالك رأي حول شيء لم يُطبع بعد، ولم يتداوله القرّاء، لأنّه ببساطة رأي شخصيّ.. منذ سنوات عدة _ قد تقارب السبع أو تفوقها _ بدأ جيلٌ من الشعراء بالتكوّن.. ولأسباب معيّنة نابعة من الظروف النفسية والفكرية والشعورية لأولئك الشباب، ومن بيئتهم الثقافية التي راحوا يوحّدونها عن طريق التواصل فيما بينهم، أبدعوا سلسلة من القصائد التي إن أُريد جمعها تحت بند معين، قيل إنها شعر مصبوغ بالمزاج الجمعي لأولئك الشباب، فقد خلقوا جوّهم الخاص، وأمسياتهم المستقلّة، وعقدوا الجلسات الليليّة المطوّلة ليمارسوا مزاجهم ذاك وفق ما يحلوا لهم، وإذا بدرويش وأمل دنقل وأدونيس والسياب ومظفر النواب والقباني والمتنبي وأبي نواس وكلّ مَنْ رفع يده حين طُرِحَ سؤال : « مِنْ يكون شاعراً ؟»، قد حضر ليكمل الحلقة مع أولئك الشباب.. و لا يعني القول بالمزاج الجمعي الذي صبغ قصائدهم أنَّ تلك القصائد جاءت من نمط واحد، فلكلّ واحد منهم خصوصيته وتجربته المستقلة، اللهم إن لم يُغرم أحدهم بمفردة أو جملة وردتْ على لسان أحد الأصحاب، وإذا بها تنساب في قصيدته عبر اللاشعور !! و ليس القول باللاشعور إلا من باب تجنّب الدخول في الحديث عن السرقات التي لا يمكن إلا وأن تواصل نشاطها عبر الزمن.. وما ذلك التجنّب إلاّ لأنّ الحديث الآن مخصص لذلك الجيل الذي لم يطرح نتاجه الإبداعي أصلاً حتى يتمّ التحاور في شأنه، وتناوله بالنقد.. و المشكلة التي كانت قائمة خلال سنوات نشاطهم الشبابي _ إن جاز القول _ أي نشاطهم الأدبي على مستوى المهرجانات والأمسيات الخاصة بالشباب، أنّ معظمهم احتجب عن منابر النشر كلها، ليس من باب تمرين الشعر فيهم أكثر، وصقله من أجل اعتلاء الساحة الأدبية لاحقاً بثقلٍ نوعي، لا أبداً، لم يكن الأمر كذلك، بل لأنهم قرروا أنّه ما من متلقٍّ سيقرأ نتاجهم، «فلماذا النشر ؟» وبالرغم من أنه كان من الأجدر بهم أنْ يكونوا أكثر تفاؤلاً، فلطالما كانت نصوصهم جوازات سفر تمنحهم الصعود إلى أي منبر ثقافي ورقي أو إلقائي، خصوصاً وأنّ لدى معظمهم _ إذا لم يقل كلهم _ مجموعات جاهزة للطبع، قد تفوق في فنيّتها كثيراً مما تفرزه المطابع يومياً.. و ما حصل عند الغالبيّة أيضاً أنّ اعتدادهم بأنفسهم بلغ درجة عالية، ويحقّ لهم طبعاً، لكن شرط ألاّ يبلغ بهم ذلك حدّ اليأس من القارئ، لأنّ القارئ مازال موجوداً وسيستمر، ومن غير المنطقي القول بانقراضه.. لكن ولأنّ الصيرورة هي الثابت الوحيد، فلابدّ إذاً أنْ تتحوّل أفكار أولئك الشباب بمرور الزمن، وإن المحرّض الأساس لتحوّلها كان مشاركتهم في مسابقات عربيّة، منحتهم مراكزها الأوّل، وإذا بهم يدخلون سلك النشر، ويفكرون بطبع مجموعات أُخر بعد مجموعاتهم التي فازت، ومن هؤلاء الشباب الفائزين : صلاح إبراهيم الحسن وحكمة شافي الأسعد (جائزة سعاد الصباح)، حسن بعيتي، سرى علّوش (جائزة الشارقة)، حسن الحسن، فؤاد عمران (جائزةدبي الثقافية..) وما خفي من الشعراء الشباب الذبن لم يشف النور عن أسمائهم أعظم.. وأعظم هنا تفيد الكثرة لا التفضيل.. إنّ جيلاً من الشعراء لايزال قابعاً كالجمر تحت الرماد، وهم _ على مباشرتهم الحركة _ لابدّ لهم من الإسراع في حركتهم تلك، فبعد أن امتلكوا أدوات القصيدة ومفاتيحها، من الضروري أن يثبتوا أنّ القصيدة التي تُكْتَب في سورية اليوم، قد تسهم في ترسيخ جيلٍ شعريّ ربما سيظل تاريخ الشعر العربي يذكره.
نادين باخص، (أدباء تحت الطبع)جريدة تشرين، (5/1/2008) |