|
بمناسبة يوم المرأة العالمي: يوم ليس لكنّ.. عالم ليس لنا.. |
|
|
|
د. عادل سمارة
|
|
2006-03-25 |
الايام كثيرة في العالم، فهل للعرب منها نصيب؟ تتحدد الايام بناء على إنجازات معينة، فيوم العمال العالمي كان نتاج أحداث ونضالات معينة ويوم الطفل ويوم المرأة. فأين موقعنا من هذه الأيام كاحداث ونتائج؟ لا بل ان لدي تساؤل حول الايام المحلية العربية (أقصد هنا ايم العرب القديمة، يوم حليمة، ويوم داحس والغبراء...الخ). هناك قرابة دزينتين من ايام الاستقلالات للقطريات العربية فهل هناك استقلالات حقيقية ليُقال إنها اياماً؟ أم ان هذه الأيام هي ايام شؤم في جانب منها لأنها تكريساً للتجزئة! هل الوطن العربي حر كسائر الاوطان؟ الاجابة ببساطة لا، لذا فهو خارج الزمن وحين تكون خارج الزمن لا تكون لك اياما من هذا الزمن. إذا كان هذا وضع العرب عامة، وضع مجتمع ذكوري وغير مصنع وخاضع للاستعمار بدرجات وألوان، فكيف سيكون وضع المرأة في هذا المجتمع؟ أما ونحن نتحدث عن يوم المرأة العالمي، فليس بوسعنا تجاهل حالتين: الأولى: ان هناك الكثير من النساء العربيات اللاتي عملن في الأطر الحزبية والمنظمات الجماهيرية وعانين السجون ومارسن الكفاح السياسي والمسلح. لكنهن قلة من جهة مقارنة بالرجل حيث لا تسمح هيمنة الرجل "بانفلات" نضالي للمرأة. لكن الأهم، ان نضالهن لم يتم استثماره بمعنى تسجيله ونشره للناس مما حال دون أن يكون تراثاً للنضال النسائي يجري البناء عليه. وهذا ما فتح الطريق لزعم النسويات الجدد وكأنهن هن من بدأن العمل النسوي من الصفر. والثانية: مشاركة نساء عربيات في هذا اليوم وكتابة مقالات ونشر "بوسترز" ومشاركة في ندوات محلية وخارجية بلغات أعجمية... ولكن كل هذا على السطح لأن المرأة العربية بالمجموع هي بين ظل للرجل أو منطقة خاضعة لاحتلاله في علاقة أشبه ما تكون بالاستعمار الداخلي الذي عالجته نظريات التبعية واسمته بالاعجمية Internal Colonialism. علينا الملاحظة ان الحالة الاولى هي حالة العمل الفعلي لنضال المرأة والتأسيس المنهجي، وإن لم يرتق الى ما هو مطلوب، لانتزاع حقوقها، أما الثانية فهي غالباً حالة متخارجة وتلفزيونية ومتأنجزة (من NGOs). فهل يمكن تطوير الحالة الاولى كي تسجل وتفعّل نضالاتها وتعلنها وتستثمرها وللحالة الثانية ان تنثني عن التخارج وتتفاعل على الارض مع الحالة الأولى؟ بين القمع الرسمي العربي لمختلف اشكال الوعي والانطلاق المجتمعي، وبين القمع التنموي الرسمي لأية محاولة تنموية، وبين هزيمة الرجل على يد نظام الحكم الذكوري (ولكن ليس كل ذكر فرئيس الجمهورية رجل والمعتقل السياسي او العامل المأجور رجل آخر) بجلاوزته وشرطته ومخبريه وعسسه وتدريب هؤلاء على يد خبراء الارهاب في المركز الراسمالي العالمي، وبين تخلف القيادات السياسية للتنظيمات الحزبية العربية، تحصل المرأة على نصيب الأسد في حمل اطنان القمع ممثلة في عبىءالتزويج وليس الزواج وعبىء الحمل بالاطفال وحمل الاطفال بعد الانجاب وحمل العمل المنزلي الذي لا احتساب لقيمته إلا عند الله، والمعاناة من قطع فرص التعليم... بين هذه جميعاً تجد الكثيرات من الناسء العربيات بأن "التخارج" هو المخرج، فيتأجنبن (من أجنبي). ولو ربطنا هذه المسألة بتطورات العولمة وخاصة بمفهوم الأمركة، اي قرار الولايات المتحدة ومختلف عجائز الامبريالية العتاق (بريطانيا وفرنسا نموذجا) بالتدخل في مختلف بلدان العالم "لحماية" هذا او ذاك كما هو في لبنان حالياًً، فليس من المستبعد ان تحتل الولايات المتحدة مصر لتحمي النساء من الرجال! أو أن ترفع الى السلطة في الاراضي المحتلة منظمة لبرالية متخارجة فتطلب هذه حماية امريكية للنساء من الرجال! وهكذا، تكتمل الكارثة على المرأة لتضيف الى ما حملت من أعباء عبىء استدعاء الاستعمار، الذي لم ينقذ في تاريخه أحداً، بل يسحق الجميع. هل هذه صورة الوضع في الوطن العربي؟ هل هناك ما تحتفل به المرأة العربية في يوم المرأة العالمي؟ كما اشرنا، نضالها وتضحياتها ومعاناتها في السجون غير مسجلة. هي تماماً كالعمل المنزلي لا تُعتبر عملا ينتج قيمة وبالتالي لا أُجرة عليها ولا اعتبار معنوي. فهل تحتفل هذه المرأة بهذا اليوم، أم هي تحتفل بما تحتفل به نساء أخريات في العالم؟ أعتقد ان هذا هو الأصح. قد يقول قائل ان هناك كثيرات من النساء العربيات في البرلمان او وزيرات او معلمات في الجامعات...الخ. نعم. ولكن كل هذا ضمن الديكور الذي تضفيه الدولة الذكورية الابوية (نتاج المجتمع الذكوري الأبوي المترسمل) على نفسها فتجمل نفسها ببعض الجنس اللطيف. ولكن، لا يعود هذا الجنس اللطيف لطيفاً لأنه يصيح جزءً من النظام السياسي الذكوري. إنه تذكير المؤنث الذي لا يجوز تذكيره، والأهم ان على هذا المؤنث أن يرفض التذكير على الأقل كما ترفضه اللغة العربية مثلا: لا يجوز التأنيث في كذا او التذكير في كذا! وحتى موضوعة الكوتا النسائية. ففي الاراضي المحتلة رفضها المجلس "التشريعي" وهو تشريعي تحت احتلال يسيطر على الارض. رفض انطلق من ارضية "دونية" المرأة وإن غلف الامر بعضهم بأن التنافس مفتوح للجميع. هذا غير صحيح، فلم تكن هناك ابدا فرصاً متساوية. لكن كيف يقبل من تغسل له زوجته أو إحدى زوجاته قدميه ان تصبح هي سيدة أولى في مستوى ما! وحتى النسويات وغير الحكوميات، حصرن مطالب النساء في الكوتا ضمن ما كان أقره "التشريعي" وتراجع عنه. ولأن النسويات الغربيات اكتفين ب 20-30 بالمئة للنساء لم تجرؤ نسويات بلادنا على المطالبة بالحق الحقيقي وهو 50 بالمئة. وقد يقول قائل: "أنا لا ارى فارقا بين ترتيب ولباس الفتيات في مركز مدينة رام الله او شارع أوكسفورد في لندن". وهذا صحيح، لكن السؤال هو هل هذا اللباس الفاتن وتلك المساحيق التي تعيد التكوين الى خلق أفضل، هل هذا الاستهلاك الذي لا يشبََع هو ما يمكن للمرأة أن تحتفل به؟ أم أنه لجوء من المرأة لتحقيق شيىء ما، حلم ما، متعة ما حتى لو في المظهر والشكل؟ لكن الامر أكثر بؤساً. فحين تلجأ المرأة الى هذا تفعله في خدمة الرجل القريب والرجل البعيد، رجل الاسرة أي الزوج ورجل المجتمع. تفعله لأن زوجها يسمح لها بذلك كي تظل دميته، وتفعله لرجل المجتمع المتعدد اي الراسمالي المستورد للسلع الاجنبية، ورجل اللسطة الذي يمنحه رخصة الاستيراد مقابل عمولة هو الراسمالي الذي يجلب السلع ولا تعنيه الافكار. لقد دخل العالم بنا حقبة العولمة دون ان ننجز الكثير من القضايا. لم ننجز القضايا التي تجعلنا جزءاً من صناع التاريخ. نحن مجرد حضور وفي المقاعد الخلفية إن لم نقل السفلى. لم ننجز الوحدة ولا التنمية ولا النمو ولا مساواة المرأة بالرجل حتى وهو تحت الاستعمار والقمع والتجزئة...الخ والعالم لا سيما مركزه الرأسمالي المتغوّل والمتوحش لن يعطينا فرصة أخرى لأنجاز المهام المعلقة هذه او أية مهام أخرى. بل سيصر على عدم إنجازها لأنه عدو. ومن هنا سيواصل هجومه كي نبقى ساحة خلفية له ينفذ فينا وعلينا رؤيته لنا ومخططاته ضدنا. من بين هذه المخططات إعادة الاستعمار المباشر او تعيين عملاء يجاهرون بعمالتهم ويفاخرون، وإعادة صياغة الوطن العربي كما يراه ويخدمه ومن بين "الجدلية الرجوعية" لعودة الاستعمار وإعادته ، هجوم الاستعمار او استدعائه. في حقبة العولمة يجري إحتلال المرأة العربية محلياً واجنبياً. هذا ما يجب ان نقرأه في يوم المرأة العالمي إن كنا صادقين. قبل بضعة اشهر عقدت في عمان ندوة نسوية وكانت المحاضرة السيدة (محامية) شيرلي بلير زوجة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير. كان جواً مخملياً ثقافوياً. فهل كانت هذه السيدة تستحق ذلك التكريم؟ وهي شريكة حياة رجل قرر احتلال العراق. وهناك في العراق على مسمع منها ومرأى من جنود بلادها كانت ولا تزال اغتصابات المرأة العراقية على الرصيف؟ لو قلنا كان على النساء العربيات ان يرفضن لقائها حتى تقف وتشجب احتلال العراق لقال البعض هذا كثير، وهذا موقف قومي متعصب. ليس كثيرا ولا موقفا قوميا متعصباً. ومع ذلك لماذا لم تطلب منها هاتيك النسوة ان تشجب اغتصاب المرأة في العراق وترويج الدعارة وجر النساء للدعارة بسبب الجوع؟ هل كان هذا كثيرا؟ أم ان النساء العربيات يعرفن أنها ليست نسوية وإنما ذكورية حتى هناك في بلاد الضباب الطبيعي والفكري. لعل بيت القصيد هنا هو أن تحرر المرأة ليس مسألة فردية ابداً كما تفعل المنظمات غير الحكومية الممولة والموجهة من الغرب الراسمالي المعادي. إن تحرر المرأة هو مشروع طبقي قومي جماعي نسائي معاً. ومن هنا، فإن الارتباط بالغرب الراسمالي والتزلف له والتمول منه ليس مسألة فردية بحتة. قبل قرابة شهر اصدر اتحاد المحامين العرب بيانا رفض ما يسمى بالشبكة القانونية للنساء العربيات التي تستهدف جموع المحاميات والقاضيات والمشتغلات بالقانون في المنطقة العربية وتأتي في إطار ما يسمى مبادرة الشرق الاوسط الكبير. واكد البيان ان امريكا لم تعد تكتفي بالعملاء او باختراق بعض المؤسسات عبر التمويل وبرامج العمل المرتبطة بالهيمنة وتمرير المشاريع الصهيو- اميركية. وانما يتجاوز ذلك لخلق تنظيمات جماعية تستهدف فئات مهنية وعمالية وقواعد شعبية" (القدس 19-2-2001). هل نلاحظ من هذا ان سياسة فرق- تسد انتقلت من تفكيك الوطن الى قطريات ومن تفكيك الطبقات الى انظمة تابعة وطبقات شعبية مضطهَدة، ووصلت الى تفكيك القطاعات الاجتماعية وها هي عبر المنظمات غير الحكومية والدولية الأخرى تزعم انها بالدورات والندوات و"التمكين" تدخل المنازل وتفرق الأسر؟ إذا كان لنا أن نهتم بيوم المرأة العالمي، فأعتقد ان المطلوب انتفاضة نقدية واجتماعية ضد احتلال الرجل للمرأة، الرجل نفسه الخاضع لاحتلال النظام التابع والنظام نفسه الذي يحتل الامريكي بلاده أو هو يستدعي الامريكي والفرنسي لذلك. وهجمة وانتفاضة ضد فرق الغزو الثقافي النسوية التي تحول ما أمكنها من النساء العربيات الى فترينات لعرض مفاتن ثقافة راس المال في حين يكون هدف هاتيك النسوة في الاساس دخلا اعلى وتذاكر طائرات وتماهي مع الغرب الراسمالي بسلخ الجلد واستبداله بجلد أبيض. 8/3/2005 د. عادل سمارة- رام الله المحتلة
|