|
قالت النساء.."إلى روح سحر" |
|
|
|
المحامي بديع وسوف
|
|
2007-12-07 |
كان حينها صغيرا. عندما وضعت عن رأسها (عباية) الحشيش وسقطت قرب الباب الخشبي للبيت العتيق.رفعت عصابة رأسها لتكشف عن بدر يضج بالتعب والعافية. غرفت من زير الماء رشقات على صدرها وبحنان غرائزي تلقفت طفلتها التي حبت إليها.
متها بقوة باستها وضعتها على ثديها لترضع ,لاطفت وجه طفلتها ومسحت على شعرها الأشقر وكأنها لم تتعب... مدت يدها إلى حرجها أخرجت قسما من رغيف خبز بدأت تأكل منه بشهية. ابتسمت راضية. فما زال أمامها الكثير من العمل الشاق فاليوم من أوله. فمادام هنالك ضوء توجد أعمال كثيرة وشاقة للنساء.. حملت الجرة إلى البئر لنقل الماء. وحدها تحلب البقر والغنم وتغلي الحليب وتخرج الزبدة.. وتطبخ لأسرتها وتنظف الدار من روث الحيوانات وتنقله إلى المزابل. وترتب المنزل وتلم الفرشات وتحضر العجين ليكون متخمرا عندما تعود من الأرض بحمل ثالث من الحشيش. تبدأ نسوة القرية مع صياح الديكة أعمالا شاقة حتى يشفق عليهن الضوء ويغادر القرية.. وفي أيام الآحاد يأخذن الثياب والأقمشة المتسخة وأولادهن إلى النهر ليتوزعن كطيور مضطهدة على أحجاره.. وكثيرا ما كان يبدو على بعضهن آثار الشدة والعنف (كدمات على الوجه كسر يد أو ساق ضيق في التنفس ربما ناتج عن كسر أضلاع.. كدمات على أنحاء متفرقة من الجسد) وكلها حوادث عابرة لا تؤهل أي منهن لنيل استراحة أو نقاهة تتحمل فيها مسؤلية أعمال الدار الداخلية فقط... بالرغم من كل ما يقدمن للمجتمع اعتبارا من الأطفال والأعمال الشاقة (الغير مأجورة) وانتهاء بواجبات الجنس... وكل ذلك لم يشفع لامرأة جاءت بأولاد إناث أو قحل محصول زوجها أونفقت إحدى حيواناته أو تعثرت إحدى بقراته في الولادة. فلا شك أن (وجهها غير مليح على الزوج) وبالتالي فمن حق هذا الزوج معاقبتها وتأديبها حتى تطلب من شركائها (الشياطين) الكف عن الفأل السيئ... فلا يمكن أن يقوم بيت ويستمر بدون امرأة مكافحة تشققت يديها وقدميها.. فكانت المرأة سبب ثراء الأسرة وبنفس الوقت هي أرخص الأشياء فيها. لذلك قالت نساء العرب ((المرأة وصية ابن الحلال)). بمعنى أن الرجل هو الضامن لحقوق المرأة. أما نحن فنرى أن القانون هو الضامن الوحيد لحقوقها *** مقدمة أخيرة: تغيرت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية كثيرا. لكن مأساة المرأة في مجتمعنا عميقة تطال مفاهيم تعارف الناس على أنها مفاهيم مقدسة دون أن يكون لها علاقة بالمقدس فالدين جاء رحمة للعالمين. ولا يمكن أن يكون القتل رحمة بل الرحمة تعني التسامح (المحافظة على حقوق الآخر) والغفران (إعطاء فرصة أخرى للمخطئ مهما كان خطأه). أما العدل فهو من أسماء الله. ولا شك بأن العدل يعني احترام حق الحياة للإنسان. هذا الحق الذي لا يمكن لشخص ما تقريره زوجا كان أو أبا أو أما أو أخا أو أيا كان. وفقط تملكه السلطة القضائية. ويتم بعد محاكمة فيها كل الضمانات القانونية وتفحص دقيق للأدلة. لتصدر حكما. فهل بلغ بنا التطور الاجتماعي لنسمي الأشياء بأسمائها؟ للخروج من حالة الجهل بالمقدس ووضع النقاط على الحروف. فالانسان مكرم عند الله ذكرا كان أو انثى والأديان جاءت لخدمة الانسان وليس العكس. ومن يعتقد أنه يدافع عن حقوق الله يكون جاهلا (فالله غني عن عباده). وإعمال القانون هو الأخلاق والشرف والضمانة الوحيدة لحقوق الأفراد وحقوق المجتمع. المرأة مسئولة عن أعمالها مسؤولية كاملة أمام المجتمع ولم يعفها من مسئولياتها. إذن من أين جاء إلى ثقافتنا بأن الرجل وصي على المرأة...؟ من المعروف بأن الوصاية تحمّل الوصي مسئولية الموصى عليه. أي بعض ذنوب الموصى عليه يتحمل وزرها الوصي. وهذا مخالف للقاعدة الاسلامية ((ولا تذر وازرة وزر أخرى)). فإن زنت تتحمل مسئوليتها القانونية كما الرجل. فالدستور والقوانين تحمي الاسرة. فمجرد كونها أنثى فهي مكلفة بحسب طبيعتها بعمل عام وهو إنتاج المجتمع مما يجعل مهمة المجتمع بالدرجة الأولى حماية المرأة التي تنتج أعضاءه ويدين لها بالوجود. حصلت تطورات هامة على المستوى القانوني إلا أنها بقيت قاصرة لجهة حقوق المرأة وبعض العلاقات في المجتمع تنصفها أكثر من القانون أي بعض العلاقات في المجتمع تسبق القانون. فالدستور السوري ساوى بين الرجل والمرأة. وكان على القوانين الأخرى أن تطبق الدستور وتفرغ الأفكار الدستورية في متنها أو على الأقل لا تناقضها عمليا. سيما أن المجتمع يتطور بسرعة هائلة تظهر معه حقوق المرأة التي أصبحت فيه قاضيا وطبيبة ومهندسة ومدرسة ونائبا في مجلس الشعب ووزيرة ونائبا للسيد رئيس الجمهورية... وهنا نجد أن قوانين الأحوال الشخصية التي تنظم شئون الاسرة النافذة وضعت لزمن كان فيه المجتمع أقرب (لزمن الحرملك). عندها لم تكن المرأة موظفة ولا يمكن لها أن تكون كذلك. تغير المجتمع وتغيرت العلاقات الاقتصادية بشكل جزري وبسرعة فمن اقتصاد تبادلي بسيط إلى آخر منجزات العلوم في الاقتصاد والاتصالات وكافة العلوم.. أي لم يعد الاقتصاد ذكوريا بل أصبحت المرأة تشارك فيه بفاعلية ومساواة في الإنتاجية. وهذا يقضي عقليا أن ينظم المجتمع بطريقة تناسب تطوره وتبعث فيه القوى الحية بإشاعة العدالة بقانون يغطي الحالة الراهنة ويكون دليلا لتطور المجتمع إلى الحضارة والرقي في المستقبل. فليس هناك ما يبرر تطبيق قانون شرع لزمن محدد وعلاقات محددة على زمن مختلف وعلاقات مختلفة.
المحامي بديع وسوف، حمص، (قالت النساء.."إلى روح سحر")خاص: نساء سورية
|