|
د. لين غرير
|
|
2007-12-07 |
قرأت الرسالة, فأعاد إلي صباحها ندى لحظة اللقاء..التقينا لدقائق, وتلامست أناملنا مصافحةً.. فنسيت يدها في حضن يدي لحظات وكأنها أرادت لها أن تهمس في أعماقي بوحاً بكلماتٍ مجنونة تحكي الإعجابَ سراً.
نظرةٌ وحيدة سجينة الثواني ألقتها في عيني لكنها كلمتني ببساطتها.. بوحدتها عن رغبة التعارف.. عن شوقٍ ولد فجأة للتعمق بالعينين أكثر, ولم تتجاوز كلماتنا التحية, سألتها البقاء لكنها اعتذرت لأن موعد سفرها قد اقترب. مع الصخب حولي نسيت رحيلها.. نسيت لقاءها وعدت طبيعياً, وجاءت الرسالة تحمل اعتذاراً لكنني فتشت بين سطورها عن كلماتٍ أخرى ربما شاءت أن تقولها ولم تكتبها.. استعملت كل حواسي في البحث دون جدوى.. تعبتُ وعدتُ إلى السطور أحاول قراءتها بتجرد كأنها لا تعني أكثر من اعتذار وإذ بالحروف تتحول إلى أرواحٍ تقفز فوق السطور مرتعشة تهمس لي بأنها تحمل شوقاً مجهولاً. كان اكتشافي مفرحاً, فأمسكت قلمي وبدأت أكتب كلماتِ سحرية تحمل مع كل حرفٍ عادي لغةً غير عادية. ارتفعت روحي محلقةً فوق غيوم الأرض وكان قلمي كمنظارٍ أراقب به مكانها. من نافذةٍ صغيرة أراها تجلس سعيدةً تحمل بين أصابعها رسالتي. رأيت تلك الأصابع الدقيقة الناعمة ولكم تمنيت تقبيلها, شاهدتها ترفع الرسالة إلى أنفها وتغمض عينيها وهي تستنشق عطري ثم تقبلها معلنةً ولادة حبٍ جديد. هاهي تقف وتذهب إلى المطبخ .. تبدأ بتحضير القهوة .. آه.. سأترك منظاري الحُلمي قليلاً لأشرب قهوتي معها. ذهبت أحضّر قهوتي لأعيد قراءة رسالتها مع طعمها المحبب, إذ يحلو للقهوة أن ترافق مشاعري الصاخبة.. فمع الحزن يصبح لها طعمٌ مميزٌ, وتتعطر بطعمٍ آخر مع الفرح. سكبت قهوتي الساخنة في الفنجان وجلست متلهفاً خلف مكتبي لأعيد قراءة رسالتها القصيرة ا وأكمل رسالتي. قبل أن أفعل حملتي رائحة القهوة إلى العقل الذي يتدخل في لحظاتي السعيدة الضائعة, كأن قبضته ترفض أن تترك يوماً من أيامي يفلت من بين أصابعها. العقل يقول: أن تفكيري مجنون وأنني توهمت بأنها نسيت يدها في يدي فقد كانت مصافحة حارة وحسب, وعيناها كانتا فقط تعبران عن لهفة التعرف إلى شخصِ نسمع باسمه ونراه لأول مرة, وهاهي رحلت ولم تنتظرني, ثم من اللباقة أن ترسل رسالة اعتذار فهذا أسلوب التعامل الراقي.. و.. فتحت الرسالة وأعدت قراءتها..إنهُ لأمرٌ مضحكٌ حقاً! هي رسالة عادية جداً, تبدؤها "بالسيد" وتنهيها "مع كل المودة".. أين لكلماتها بأجنحة ترفرف بها فوق السطور؟.. أين لحروفها بزعانف تسبح بها وسط الكلمات؟.. رسالة ودية لا أكثر. أغلقت رسالتها ومزقت رسالتي ثم زحفت يدي إلى أوراقي المتراكمة على المكتب لأبدأ عملي وأنا أرتشف قهوتي الملونة بلون الخيبة, وأعد نفسي ألا أنظر إلى االأموربعد اليوم سوى نظرة عادية...
د. لين غرير، زاوية "بين السطور"، (رسالة عادية)خاص: نساء سورية
|