|
ليبيا اليوم في حوار مع الروائية وفاء البوعيسى، كاتبة رواية "للجوع وجوه أخرى" |
|
|
|
خالد المهير
|
|
2007-12-07 |
|
صفحة 2 من 2 * في إطار آخر دعيني أسألك لم كان هذا التعمد من قبلكِ في تشويه بعض الشخصيات بالرواية كشخصية نجلاء، وشقيق نجلاء الشاذ؟ * دعني أقول لك شيئاً، إن شخوصاً كنجلاء وأخيها الشاذ لا تحمل دلالة التشويه المتعمد على الإطلاق، إنها تحمل دلالةً أشد عمقاً وأذهب غوراً مما تظن، إنها تحمل دلالة الرفض والازدراء، والحصانة الذاتية التي يحمي بها الوطني نفسه في وجه كل دخيل أو غير منسجم مع مكوناته البيئية، وهي هنا البطلة، إذ شكلت البطلة مفهوم الدخيل في المجتمع المصري الذي عاش القطيعة السياسية العربية له بسبب اتفاقية كامب ديفيد. لقد أثار وجودها حالة الاعتزاز بالذات والنبذ تجاهها لأنها مختلفة، فالبطلة كانت تنتمي إلى البلد الذي وصل في عدائه حداً متطرفاً لم تصله دولة عربية وقتذاك، وهو تبادل القتال والحرب الكلامية والسجال بين النظامين لسنوات. وربما كان ذاك الـ (تشويه) كما عبَّرتَ عنه يمثل من ناحية البطلة الوجه الآخر للاغتراب. والاغتراب ليس جديداً ولا طارئاً في الأدب العربي، لقد جرى تناوله كثيراً على المستوى الروائي منذ عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم وموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح والحي اللاتيني لسهيل إدريس.....الخ. والاغتراب من جانب البطلة حمل مفاهيمه المعروفة: العجز، فقدان المعايير، غياب المعاني، اللا انتماء، فهو لم يكن يحمل فقط معنى البعد عن الأهل والأصحاب وذكريات فيها رائحة الوطن، بل معنى التمييز والاضطهاد، وقسرية حبس الأحلام لأن التصريح بها يغضب الآخرين.* بصراحة رغم أنها الرواية الأولى لكِ لكنكِ لم تكوني موفقة في اختيار التوقيت والشخصيات، الشخصيات في العمل تعبر عن حالات نفسية متأزمة تعيش بعيداً عن الواقع، أما أكبر شخصية متناقضة بنظري فكانت الزروق.* لم أفهم ما عنيته بعدم توفقي في اختيار التوقيت، أتعني ما عناه البعض بأن الرواية جاءت مبكرة جداً وسابقة لأوانها وكان يجب أن تنتظر لعشر سنوات حتى ينضج المجتمع الليبي ويتقبلها بانفتاح وتسامح كما قال لي عدد من المثقفين ؟ أم تراك عنيت أنني لم أحسن اختيار الزمن الذي دارت فيه أحداثها وهو فترة السبعينات حتى التسعينات حين كان المجتمع الليبي بالغ التعقيد والانطباق ؟ طيب في الفرضين أظن السؤال غير عادل تماماً، لكني سأجيبك عن الشخوص. شخصياً أجدني معجبة بهم وأحبهم جميعاً، أو بالأحرى أعشقهم، أنا مأخوذة ومفتونة بهم ولو كانوا مرضى نفسانيين تجتاحهم أصلف المشاعر وأكثرها بدائية. ثمة شخصيتين أو ثلاث قد ينسحب عليها هذا الوصف، لكنك لسبب ما تتجاهل شخوصاً رائعين كأندريه الصديق اللبناني المسيحي بمصر، ومنير الصديق الليبي بليبيا، والزروق الحبيب التونسي، وماما اعتماد، وطارق شقيق البطلة، أرأيت ؟ أملك شخوصاً طيبين أيضاً أليس كذلك؟ إن الروائي حين يخلق شخوصاً ما لا ينقل الواقع بالضرورة بل يتخيله، لكن المخيلة ـ مهما كانت قدرتها الإبداعية ـ هي جزء من الواقع أيضاً، ولن تنكر أن بعضاً من هؤلاء الشخوص إن لم يكن جلهم يعيشون بيننا، فهل تجدهم شخصيات مريخية تختلف عن شخوص العالم الأرضي إلى هذا الحد؟! أما "الزروق" يا عزيزي فقد كان النافذة الوحيدة على الجدار المغلق لبطلة الرواية، إنه صوتها المتوسل يتلعثم، يلثغ بفوضى اللا المكان الذي إليه تنتمي. هكذا كان "الزروق" بالنسبة إليها، فهي تحمل ملامح المرأة العربية في المجتمعات الشرقية، الانهزامية وفقدان الثقة بالنفس والاعتماد على حل سيأتي به مخلصها، ولن يكون إلا رجل، رجل يتمتع بصفات استثنائية، رجل بصفات كالزروق، مثقفاً، منفتحاً، متقبلاً ومتسامحاً، ولست أدري أين وقع التناقض فيه بالضبط، لا أظن قراءتك له كانت نافذة. * هل أفهم أنه كان أقرب الشخصيات إليكِ في العمل كونه يتمتع بهذه الصفات الاستثنائية؟* لتعلم أنه لا تتوافر لكل الشخوص عموماً قدرة الفعل، بل إنه ليس كل الناس يستطيعون النفاذ إلى أبعد من الكلام، ومهمة شخوص العمل الأدبي توجيه الاهتمام إلى شخوص المسرح الواقعي، الحياة. ورغم ذلك لا أستطيع أن أخبرك بأيها كان قريباً لنفسي، فكل الشخوص تُنشئ نوعاً من علاقة بينك وبينهما على طول العمل، رغماً عنك سيتسرب حبها إليك، ستتفهمها، ستستشيط غيظاً منها، ستتمنى أن تتصرف على نحو آخر غير ما أتى في الرواية، ستُفاجأ أنك بجرة حبر على ورق خلقت كائنات تناصبك الفعل، تتمرد عليك، تقرر ما تريد أو ما لا تريد، وأنت، بالكاد ستكون واقفاً كمتأمل ثم تتحسر وتتمنى لو أنها كانت غير ما كتبت. لكن أظنني أخبرك بأيها أبعد، حسناً ربما لن تصدق لكنها الحقيقة تماماً، إنها بطلة الرواية نفسها، تلك التي لم أعرف لها اسم، تلك التي في تنكيرها تعريف لحكاية كل بنت تعيش معاناتها. هذه الشخصية هي أكثر الشخصيات بعداً عني وإزعاجاً لي على الإطلاق. تنفتح النوافذ أمامها عدة مرات لكنها تتنهد في الزوايا، تتثاءب على عتبات بيتها ثملة بالرماد محجمة عن المحاولة، عبثاً راحت تبتاع أحلامها من متجرِ الأسمال، فقد كتفها الخوف كالأشجار وكتب عليها العودة إليه. لطالما انتظرت الرجل ليُحييّ المشط في شعرها، ليتجاوز بها الأسلاك الشائكة حيث الغبار ليس بوسعه المرور، سماؤها تشرق علي قرع أجراسه، وعند بعض مفترقات الطرق كانت تتوقف، تتسلق الغياب، ترسم أشجاراً يابسة وتنتظر، تنتظر جود عيناه بالمطر. أنا لا تغويني المرأة التي تنفق حياتها تنتظر شيئاً، تغويني تلك التي تصنع خلاصها وتحفر، تحفر فوق الضجيج، تصنع السؤال والدهشة، هذا النموذج من النساء أمقته، وأجده بعيداً عن شخصيتي، إنها هشة، انهزامية، قزمة الإرادة، من هنا كان انزعاجي منها.* جاءت الرواية معبقة بالشاعرية في مواضع كثيرة، فضلاً عن الاهتمام بالخطاب وإجادة الوصف في مواضع أخرى كوصفك للعلاقة الحميمية للبطلة مع الزروق ولقاءها به للمرة الأولى، ووصف ألم الموت ولقاء الأهل وغيرها، فمن أين جاء كل هذا الزخم ؟ هل تأثرت بأحد من الكتاب المعروفين؟ * ربما ستُفاجأ إذا ما قلت إن مطالعتي دائماً كانت في الأديان والسياسة والقانون، علم النفس والفلسفة والاجتماع، الأدب آخر ما كنت أتابع لقلة شغفي به باستثناء الشعر. ورغم ندرة قراءتي للأدب كان الكاتب حنا مينا الوحيد الذي أفلح في شدي إلى عالمه الساحر والمختلف، وفي روايتي لن تلمس مهما حاولت تأثري بأحد باستثناء هذا الكاتب، لقد استعنت بمقطع من إحدى رواياته بالرواية في المشهد المتعلق بنزهة البطلة مع الزورق في النهر، لكن للأسف حُذفت الإشارة إليه عند الطباعة، كما وقع خطأ كبير في تدوين أرقام الإصحاحات المتعلقة بالأناجيل، ولا ننسى الخطأ الأكبر الذي أوقعتني فيه مجلة المؤتمر، تدوين كلمة قصص على الغلاف بدل رواية، وهو تحديد أجناسي يختلف تماماً كما تعلم، وربما كانت مقابلتك فرصة لقول ذلك علناً. * كيف تصفين علاقتك بالدين؟ ولماذا كل هذا التشبث بالكتاب المقدس؟ * الدين كما أراه مكون أساسي لسلوكيات الأفراد وترشيد ثقافتهم، والأديان جميعها تتفق في قيم مشتركة منها إقامة العدل وعمارة الأرض. شخصياً أحترم جميع الأديان حتى الوضعية منها، إنها محاولات موغلة لتلمس الطريق نحو الله، نحو الحقيقة والجوهر، وأرى أن من حق أي شخص أن يدين بالدين الذي يريد، ويتحمل مسؤولية اختياره، سواء كانت هذه المسؤولية جزائية أو أخلاقية أو أُخروية. أنا أعترف بحق الآخر في عبادته أياً كانت دون عدوانية مني عليه، ودون تدخل طالما أن عبادته لا تؤدي إلي عدوانية ضدي. وكمسلمة ليس مطلوباً مني قبول تعاليم الآخر كما يؤمن بها هو أو يمارسها، بل مطالبة باحترام حقه في التعبد، وهو أيضاً ـ الآخر ـ مطالب نحوي بنفس القدر. أما في الرواية فيسعني القول أنني أردت نبذ التطرف والتأكيد على قيم الاختلاف، وقبول هذا الاختلاف بتسامح، واخترت أن يكون الاختلاف في أهم وأخطر ما يمس الإنسان، ديانته. فإن قبلنا الاختلاف معنا في الدين فيسعنا قبوله في باقي المفاهيم الأخرى، ونحن الآن ـ عالمياً ـ مطالبون بقبول معتقدات الآخر وعدم فرض معتقدنا عليه بالقوة، وأذكر أنني كنت أتابع بشغف ملتقى حوار الأديان بدولة قطر في منتصف عام 2004، وما ذهب إليه بعض الفقهاء المسلمين من ضرورة الحصول على اعتراف من المسيحيين واليهود بالإسلام كما يعترف المسلمين بهؤلاء، وأن الحوار انفض بلا نتائج مرضية. أنت في قبول اختلافك عن الآخر أو اختلافه عنك ـ وأقول عنه لا معه ـ ستعترف بقيمه دون ازدراء أو عدوانية، دونما شعور بالتفوق أو ألأفضلية وكل هذه الاصطلاحات الشيزوفريبنة، نحن المسلمون عقدتنا في عنجهيتنا، في اعتبارنا الأخيار الوحيدين على الأرض، المتفوقين بامتياز، نحن نقول أن ديننا آخر الأديان وناسخها، ورسالتنا خاتمة الرسائل السماوية وأسماها، ونحن العرب أفضل أمة أخرجت للناس، حلو، لكننا لم لا نتعامل مع هذا المورث بحس المسؤولية، بأن نكون متقبلين متفهمين ومتسامحين؟ ورغم شعورنا بتفوقنا لم نتقدم على أي صعيد منذ عهد النبي الكريم، نحن مقصرين في الاستجابة لأي نوع من المبادرات بهذا الاتجاه، كما أننا عاجزون عن تطوير مبادرات ذاتية أيضاً، والنتيجة ؟ الآخر الذي نرفضه ونحس بالتفوق عليه ينمو ونحن نكبو ونكبو. أظنني بالنهاية في إطار الدين أردت أن أقول أنه يتعين أن نبتعد عن صميم العقائد لأن كل واحد منا غيور علي دينه وان نتجه للحوار والتعاون في القيم المشتركة الأخرى. إن القول بغير ذلك كفيل بإسقاطنا في مستنقع الاستعلاء والتباهي والإقصاء، وهذا بحد ذاته تطرف يقع فيه كل أصولي سواء كان يهودياً أو مسيحياً أو مسلماً. أما عن الكتاب المقدس فكل الآيات الواردة بالرواية هي من العهد الجديد أي الأناجيل الأربع، وهي إحدى أجزاء الكتاب المقدس عموماً الذي يشمل العهد القديم والمزامير وأعمال الرسل (التلاميذ)، والواقع إنه كتاب رائع، إنه يشتمل على كل ما يمكن أن تبحث عنه في عقيدة المسيحي: الأخلاق والعادات والوصايا التي ترسمها الأناجيل للعمل، وشخصياً أجده ينادي بكثير من القيم التي نادى بها الإسلام، إنه بالكاد يفترق عنه، إنه كتاب أخلاق، كتاب تعليم وأكثر من ذلك لغته ذات سطوة بلاغية أخاذة، إنه يعجبني، وأذكر هنا قولاً للسيد المسيح عليه السلام بمرقس:17/2: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى، لم آت لأدعو أبراراً، بل خطاة إلى التوبة". وربما كانت المحبة إحدى أهم الوصايا العشر المعروفة، والمحبة كما جاءت بها التعاليم الإنجيلية هي عطاء الذات ذاتها، وانبجاسٌ من الأعمال، وشمّالةٌ للعدو والخاطئ والشرير بمقدار ما هي تقصد أيضاً الله والقريب، كما أنها تعتبر أكبر وصية، وشريعة الملكوت السماوي الأولى، والمحقّقة له في هذا العالم، وبدونها يكون المسيحي مُدانا ً، بل هي تُحقِّق في الإنسان مملكة السماوات، وهي نواةٌ في الأناجيل، ومحور أخلاقي والمحرك الأكبر للعلائق وتاج الوجود والمآل.* هل دار بخلدكِ يوماً كل هذا الجدل الذي أُثير حول الرواية ؟ هل توقعته؟ * كانت ردود الفعل على الرواية أكثر صرامة مما تصورت، وهي ردود فعل تقليدية من خلفيات محافظة في مجتمعنا، وقد فاجأتني قليلاً، وللأسف المجتمع الليبي في حقل المعرفة والإبداع الثقافي تخلف ويتخلف باستمرار، ودائماً تتدخل سلطات بالغة الانغلاق على فكر المثقف، سلطة المجتمع المتسلحة بالعادات والتقاليد حول رفض الكتابة عن الأنثى بل وعلى كتابات المرأة أصلاُ، سلطة المفاهيم الدينية التقليدية التي تمج التطرق إلى أحكام العلاقة بين الرجل والمرأة، وترفض مناقشة مفهوم العورة والحجاب مثلاً، وهذا شيء لا يصب في خانة تنمية المجتمع والنهوض بالمرأة طالما كان يُرفض مجرد السماح بإبداء رأي ما حول أمور تتعلق بحقوق المرأة في الاختيار، في الدراسة، في العمل، في الخروج. والرواية بالمناسبة تتعرض لمفاهيم غاية في البساطة، إنها لا تتعرض لأمور حساسة كالقوامة أو الولاية وإلا لكانت الدنيا انقلبت على رأسي، إنها تتطرق لمفاهيم وحقوق أساسية جداً للمرأة، لكن المجتمع الليبي كما يبدو لي كان أشد إطباقاً مم اعتقدت، وبرغم الثورة الحقيقة على مستوى التشريع في إعطاء المرأة حقوقاً كثيرة لكنك حتماً ستلمس الفارق بين هذه التشريعات وبين نظرة المجتمع، إنه يكاد يستكثر عليها هذه الحقوق ويراها غير جديرة بها وغير أهل، الموضوع شديد التعقيد والتشابك ولا أظن الحديث يتسع هنا لرصد كل ذلك.* في هذا الإطار بالذات تعرضت الرواية إلى هجوم من التيارات الأصولية، في تقديرك هل الهجوم مبرر ؟ ومن هي الأطراف التي جاهرت بعدائها الرافض للعمل؟* أي هجوم على حق الآخر في التعبير هو تصرف غير مبرر، والفكر الأصولي لدى بعض متشدديه ذو حساسية مفرطة لأية محاولة للنقد والتجديد، فهو ينظر إليها بتشكك وريبة، فضلاً عن سوء الظن الذي يصبغ نظرته لدوافع هذا الكاتب أو ذاك في أي نقد أو رأي يبديه. هو فكر لا يكاد يؤمن بالحوار بل بالمصادرة، لا يؤمن بالتفكير وإعمال العقل، إنه لا يبحث ولا يجهد نفسه بالبحث مثلاً في علة تحريم الأشياء أو حتى إباحتها، لا يساير التقدم ويحترس من الجديد ويصفه بالمُحدث. والمرأة دائماً كانت هدفاً للخطاب الأصولي، ينادي بنقصان عقليها ودينها، بتدني مرتبتها عن الرجل، بإلزامها البيت والاختصار في تعليمها، بتحريم كل ما يصدر عنها بما في ذلك رفع صوتها بالحديث أو السؤال فما بالك بإبداء رأيها في مسألة ما كالسؤال عن علة تحريم سماع الأغاني واقتناء التماثيل والتصوير، أو علة منعها من الاختلاط والخروج وحق اختيار الزوج كما جاء في الرواية مثلاً، بل وربما كتابة رواية أصلاً. أما سؤالك عن الأشخاص الذين جاهروا بعداء العمل فيمكنني القول إنهم بعض المتشددين من هنا وهناك، بعض الغُلاة من المنتسبين للأوقاف أو المستثقفين ـ كما أحب أن أسميهم ـ الذين يشتغلون بتدريس مواد الشريعة، وبعضهم كما وصلني سجناء إسلاميين سابقين. * إن معظم أحداث الرواية تدور في بيئة غير البيئة الليبية، والقضية الأساسية قصة اعتناق المسيحية التي يمكن أن تثير جدلاً واسعاً في المجتمع المصري، لكن في تقديري أن ما أثارته الرواية هنا في ليبيا مفتعل لأسباب غير واضحة، وهو ما يرجح أن هناك خلفيات للموضوع، كيف تردين على ذلك؟* أتفق معك تماماً أن الرواية يمكن أن تثير حفيظة بعض الأخوة بمصر وهذا فعلاً ما حدث، لقد قوبلت بردات فعل متباينة من بعض القراء والمهتمين هناك، وقد جاءتني العديد من الرسائل والملاحظات حول الموضوع، لكن المجتمع المصري بالنهاية منفتح على قضية المسيحية كونه متعدد الطوائف، أما في ليبيا فقد جاءت ردة الفعل بسبب عدم انفتاحه بالمرة على مثل هذه القضايا، قضية تعدد الأديان وحرية المعتقد. المجتمع الليبي مسلم مائة بالمائة، لم يعرف المسيحية إلا عند دخول أعداد كبيرة من الأفارقة للبلاد بسبب توجهها نحو الانفتاح على أفريقيا التي تضم غالبية مسيحية، هذه الغالبية التي تمارس شعائرها في بعض الكنائس بالبلاد بمنتهى التسامح، لكن قضية اعتناق المسيحية وإن كانت في دول أخرى تشكل نقطة اهتمام كبيرة كما حدث بدخول قرى كاملة للمسيحية بالجزائر، وبعض الأفراد بمصر، وموقف الحكومة الرسمي حيال ذلك في كلا البلدين، إلا أن جانباً من المجتمع الليبي تعامل مع روايتي بمنتهى الحدة والرفض. لقد بدأ اعتناق الشخصية المركزية للمسيحية بالرواية كتوجه انفعالي خالي من التأييد أو الرفض، لقد جاء كتقليد، كبحث عن حماية وإشباع لحاجات مادية محضة، لكنه لاحقاً تحول إلى مبدأ، مبدأ تمسكت به حد تحسرها أن تدفن في مقابر المسلمين. أما عن قولك بأن الجدل حولها من قبيل المفتعل فهذا بعيد عن الواقع. فإن كنت تعلم بأمر المقالة التي كتبها أحد المتشددين التي تضمنت كثيراً من السباب الشخصي والرمي بالكفر لأنها نُشرت بإحدى الجرائد المحلية، فلعلك لم تعلم بالفتوى التي أصدرها أحد المشايخ بتحريم ثمن الرواية وتحريم قراءتها وتداولها، ولعلك أيضاً لا تعلم بأمر الشاب الذي جاء لمكتبي ناصحاً إياي بالاعتذار للمسلمين عن ما ورد فيها ومناقشتي حول موقفي من المسيحية ودعوتي للتوبة وسحب الرواية والرجوع عما أنا فيه من غي. قد أتفق مع أن الجدل مضخماً ومبالغاً فيه لكنه حتماً ليس مفتعلاً. * علمت أن الرقابة تدخلت بالحذف والتعديل في بعض أجزاء الرواية فهل هذا صحيح؟* أعترف أن الرقابة تدخلت في نص الرواية، لكني لن أذكر أين وقع التدخل وكيف حتى لا يفقد القرّاء شعورهم بالتشويق في طبعتها الثانية. * ما الذي لم تأتِ على ذكره فيها؟* أن أحدد أين يقع خلاص الإنسان بالضبط، أهو في الدين في الانتماء أم في الإنسان نفسه؟ لكن دعنا ندخر معاً هذه الأمنية للجزء الثاني. * هل ثمة أعمال روائية أخرى لكِ ؟ وماذا نتوقع فيها بعد ما أثرتِه في نص "للجوع وجوه أخرى"؟ * ثمة رواية أخرى تختلف عما كتب في الأدب الليبي النسائي كله، وهي لا تقل مشاكسة وإثارة للجدل من الأولى، فأنا مهتمة بالكتابة في مناخات غير مألوفة وأجهد نفسي كثيرا للوصول إلى هذه الأجواء، هل يكفيك هذا الجواب في الوقت الحاضر؟ * شكراً لكِ. * أشكرك أيضاً، لقد خصصتُك بهذه المقابلة رغم عزوفي عن إجراء أي مقابلات لتقديري الخاص لنشاطك كصحفي، وأشكرك تحديداً فقد كنت صبوراً معي وأتمنى لك التوفيق دائماً.
خالد المهير، (ليبيا اليوم في حوار مع الروائية وفاء البوعيسى، كاتبة رواية "للجوع وجوه أخرى")
|