|
التعليم للجميع بحلول عام 2015: هل نواجه هذا التحدي بنجاح؟ |
|
|
|
نيكولاس بورنيت
|
|
2007-12-07 |
في عام 2000، التزم المجتمع الدولي بتحقيق ستة أهداف ترمي إلى ضمان التعليم للجميع بحلول عام 2015. لقد وصلنا اليوم إلى منتصف الطريق ولدينا أسباب تدعو للتفاؤل في مسعانا هذا. لكنه ما زال يتعين علينا إنجاز الكثير في تنمية الطفولة المبكرة، والمساواة بين الجنسين في التعليم، ومحو الأمية. لا يني المجتمع الدولي يحدد لنفسه هدفاً تلو الآخر في جميع المجالات: من التعليم، إلى الصحة، وصولاً إلى تغير المناخ... ولا شك أن الأهداف التي تكتسي طابعاً عالمياً تشير إلى اعتراف جماعي بوجود مشكلة، وإرادة جماعية بمواجهتها وإيجاد حل لها. وهذا ما دفع بأكثر من 160 حكومة للالتزام بستة أهداف في عام 2000، في داكار (السنغال)، سعياً لضمان التعليم الجيد للجميع بحلول عام 2015. كما أن اثنين من أهداف التعليم للجميع، هما تعميم التعليم الابتدائي والمساواة بين الجنسين في التعليم، يندرجان ضمن الأهداف الإنمائية للألفية، وهي كناية عن مجموعة واسعة من الأهداف المحددة للحد من الفقر ومصدّق عليها من جانب أكثر من 200 بلد. وتعتبَر الأهداف بمثابة أدوات سياسية يمكن أن يستخدمها المواطنون لحمل الحكومات على الإيفاء بتعهداتها. لكنها تفقد معناها إذا لم تحظى بمتابعة منتظمة، أي باستخدام نتائجها المرحلية مثلاً لأغراض إعلامية وللتأثير على السياسات المتبعة. وهذه تحديداً هي الغاية من التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع، الذي يركز على التعليم الأساسي، والذي صدر أخيراً للعام السادس على التوالي. أسباب تدعو للتفاؤل لقد طرح التقرير في طبعته الأخيرة سؤالاً صريحاً ومباشراً، الآن وقد أصبحنا في منتصف الطريق إلى عام 2015: "هل نواجه هذا التحدي بنجاح؟". تتيح نتائج الدراسات المعلنة مجالاً كبيراً للتفاؤل لأنه توجد، منذ عام 2000، ظاهرة واضحة دعونا نسميها "آثار داكار". فلقد اتخذ التقدم وتيرة أسرع خلال هذه الفترة، على جبهات متعددة، قياساً بالتسعينات. وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ارتفعت نسبة الالتحاق بالتعليم الابتدائي بـ36%، وفي جنوب وغرب آسيا بنسبة 22%. كما أن حكومات 14 بلداً عمدت إلى إلغاء الأقساط المدرسية في التعليم الابتدائي، مما عزز انتفاع الأطفال الأكثر حرماناً بالتعليم. وانخفض أيضاً عدد الأطفال غير المسجلين في المدرسة بشكل حاد، بالأخص منذ عام 2002. كما اتخذت بلدان عدة في أفريقيا وآسيا إجراءات خاصة لرفع الحواجز التي تحول دون تعليم الفتيات، من خلال إطلاق حملات خاصة، وتحسين شروط الصحة العامة في المدارس، وتوفير المواد الدراسية مجاناً، وتوظيف مزيد من المعلمات. ونفَّذت بلدان أميركا اللاتينية، من جهتها، برامج دعم للتعويض عن التكاليف المدرسية المترتبة على العائلات الأشد فقراً. وقد ازداد الإنفاق الحكومي على التعليم بنسبة تتجاوز 5% سنوياً في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب وغرب آسيا، وهما المنطقتان الأبعد عن تحقيق أهداف التعليم للجميع. وأخيراً، ارتفع مقدار الالتزامات بالمساعدة للتعليم الأساسي على نحو لافت بين عامي 2000 و2004، من 2،7 مليار دولار إلى 5،1 مليار دولار، واستفادت منه بشكل رئيسي البلدان ذات الدخل المنخفض. النجاح يولد مشاكله أيضاً وفيما تستقطب المدارس عدداً متزايداً وأكثر تنوعاً من التلاميذ، فهي تواجه، من ناحية أخرى، ضغوطاً لتوفير قاعات درس وكتيبات مدرسية إضافية، ومعلمين مُعدين إعداداً جيداً. وبحلول عام 2015، سيحتاج العالم إلى توظيف أكثر من 18 مليون معلم جديد، علماً أن التحدي الأكبر لتلبية الطلب يكمن في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وتلجأ الحكومات إلى إجراءات "للحد من اتساع الفجوة" تجنباً لتحول النقص في عدد المعلمين إلى أزمة، من خلال توظيف معلمين متعاقدين على الأمد القصير. لكن هذه الصيغة لا توفر حلاً لتحسين الجودة على قاعدة منتظمة، إذ أن الإعداد الملائم للمعلمين والتطوير المهني يظلان من الوسائل الرئيسية لتحسين عنصر الجودة في المدارس. وكان مستوى تعلم اللغات والرياضيات ضعيفاً نسبياً في العديد من البلدان عبر أنحاء العالم. كما ظهرت الحاجة إلى بقاء التلامذة وقتاً أطول للتعلم في المدرسة، مع معلمين مُعدين إعداداً جيداً وكتيبات مدرسية ومواد تعليمية كافية. ويُرجح أن يكتسبوا المهارات القرائية بفعالية أكبر إذا ما شرعوا التعلم بلغتهم الأم. ويُعتبر دمج جميع الأطفال واحداً من أبرز التحديات التي يواجهها التعليم اليوم. فثمة حاجة ماسة لاعتماد إجراءات خاصة للوصول إلى 72 مليون طفل ما زالوا خارج المدارس. وهم ينتمون إلى فئات السكان الأصليين، أو يعيشون في المناطق الريفية، أو المدن الأكواخ، أو البلدان التي تشهد صراعات، أو يعانون من الإعاقات، أو فقدوا أحد أبويهم أو الاثنين معاً من جراء الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية/مرض الإيدز. في جميع هذه الحالات، يشكل الفقر حاجزاً رئيسياً. ولن يصبح التعليم أكثر عدلاً بالنسبة للجميع طالما لم يجرِ اعتماد سياسات تعترف بأن للأطفال الآتين من خلفيات مختلفة احتياجات مختلفة. كما أن المبادرات المتواضعة كالبرامج الصحية وبرامج تقديم الوجبات الغذائية في المدارس يمكن أن تحقق نتائج مذهلة في مجال التعليم. جميع الأهداف هامة يستدعي توسيع نطاق التعليم ليشمل عدداً أكبر من التلامذة تركيزاً أقوى بكثير على جميع أهداف التعليم للجميع، ودعماً مالياً إضافياً من جانب الجهات المانحة. فالمجالات التي تثير القلق حالياً متعددة: التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، والمساواة بين الجنسين في التعليم، ومحو أمية الكبار. يفتقر معظم الأطفال تحت سن السادسة في غالبية المناطق النامية لبرامج الرعاية والتعليم. ولقد أثبتت هذه البرامج عن نجاحها في التعويض عن الحرمان، وإعداد الأطفال للتعليم الابتدائي، وتعزيز فرصهم بالنجاح المدرسي فور الالتحاق. كما أن الفائدة تعود على النظام التعليمي بأكمله عندما تكون انطلاقة الأطفال جيدة في مجال التعليم. الفتيات: تؤكد البيانات المتوفرة للعام الدراسي المنتهي في 2005 أن هدف المساواة بين الجنسين في التعليم الابتدائي والثانوي، والذي كان من المتوقع بلوغه في ذلك العام، لم يتحقق. فلقد حققت ثلاثة بلدان إضافية فقط هذه المساواة منذ عام 1999. وقد أفاد حوالي ثلث البلدان عبر العالم، ليس أكثر، عن تحقيق المساواة في التعليم الابتدائي والثانوي معاً في عام 2005. كما أن التفاوت ما زال منتشراً في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، والدول العربية، وجنوب وغرب آسيا، حيث يبرز تفضيل لتعليم الصبيان بشكل أساسي. وفي مناطق عدة أخرى، بما فيها أميركا اللاتينية والكاريبي، تتمتع الفتيات بفرص أكبر للتعلم. محو الأمية: يفتقر 774 مليون شخص من الكبار للمهارات القرائية الأساسية. وعلى الرغم من ارتفاع نسبة محو أمية الكبار في البلدان النامية، فإن العدد المطلق للأميين تغير بالكاد على مدى العقدين الماضيين. وينعكس هذا الوضع على شكل حرمان يجعل الأفراد، ولا سيما النساء، أكثر تعرضاً للإصابة بالمرض والتهميش والاستغلال. كما يزيد من احتمال امتناع الأهل عن إرسال أطفالهم إلى المدرسة. ولذا، يجب تشجيع محو الأمية في المدارس وفي المجتمع ككل من خلال برامج تعليم الكبار والوصول إلى الكلمة المكتوبة بواسطة وسائل الإعلام الملائمة وسياسات النشر المناسبة. ويُضاف إلى هذه الصعوبات مسألة المساعدة الدولية. ففي عام 2000، في داكار، تعهد المجتمع الدولي بدعم التزام البلدان بالتعليم من خلال تيسير كميات أكبر من المساعدة المالية. وبين عامي 2000 و2004، ارتفعت المساعدة للتعليم الأساسي بنسبة 90%، لكنها ما لبثت أن تراجعت في عام 2005، مرسلة مؤشرات سلبية. ويجب أن تسجل هذه المساعدة زيادة حادة لتلبية الاحتياجات المالية الخارجية السنوية التي تقدَّر بـ11 مليار دولار. التعليم مسألة تهم الجميع. وتفيد التقديرات بأن أهداف التعليم للجميع لن تتحقق إذا ما بقيت الاتجاهات السائدة على ما هي عليه. لكن يمكن الإسراع من وتيرة التغيير إذا ما توفرت الإرادة السياسية والموارد والشراكات اللازمة، سواء داخل البلدان أو فيما بينها. ومع اعتماد المجتمعات على المعرفة بشكل متزايد، أصبحت أهداف التعليم أكثر ملاءمة من أي وقت مضى. لكن على السياسات أن تكون جامعة، تشمل الجميع، وغير مفرِّطة بعنصر الجودة لجميع الفئات العمرية. ولعل الأهداف المعلنة في عام 2000 تضيء كالمنارة في وجه البلدان الساعية إلى إحراز تقدم وإيجاد منفذ من الفقر واحترام الحق في التعليم.
نيكولاس بورنيت، مدير تقرير الرصد العالمي للتعليم للجميع لعام 2008 - المدير العام المساعد لقطاع التربية (اليونسكو)، (التعليم للجميع بحلول عام 2015: هل نواجه هذا التحدي بنجاح؟)مجلة التعليم للجميع، اليونيسكو (2007) |