|
بسام القاضي
|
|
2006-03-25 |
مدحتني إحدى السيدات العزيزات، رغم أنني لا أعرفها شخصياً، أن أكون رجلاً ومهتماً بقضايا المرأة! مشيرة إلى أن العادة هي أن تكون النساء هن المدافعات عن قضايا الحرية والمساواة بين الرجل والمرأة، لا الرجال! وطربتُ طبعاً لهذا المديح. فهو من سيدة أولاً. وسيدة لها باع طويل في المجال الإعلامي ثانياً. إلا أنني سرعان ما توقفت متسائلاً: أليس في هذا المديح قسط وافر من مشكلة التصور العام حول قضايا حرية المرأة والمساواة بينها وبين الرجل؟! ليس الرجال فقط من يسعون إلى تكريس أن قضية التحرر والمساواة هذه هي قضية نسوية. بل كثيراً ما تفعل النساء الأمر ذاته بطرق مختلفة. على أساس أن المرأة هي المضطَهدة في هذه المعادلة. وهي صاحبة المصلحة في التحرر والمساواة. وهي، بالتالي، صاحبة القضية! بالتأكيد هي صاحبة القضية إذا بقينا نفكر في وضع المرأة خلال القرون والألفيات الماضية. لكن يبدو لي أن الأمر يختلف كثيراً إذا نظرنا إلى المسألة وفق واقعنا الراهن. واقعنا الذي صار انقطاعه عن الماضي أكثر بكثير من اتصاله به. رغم كل ذلك الضجيج عن الأصالة والتراث وما إلى ذلك. بل قد يكون ذلك الضجيج أحد أهم المؤشرات على أن الحياة تغيرت بسرعة وعمق أكبر مما نستطيع استيعابه بهدوء. وبعيداً عن التفاصيل المملة، كان الرجال على الدوام عاجزين عن بناء أسرة وإعالتها دون عمل النساء. في الحقل أو في المرعى، فضلاً عن البيت. لكن عمل النساء كان غالباً، في الحقل أو في المرعى، في ملكية الرجل وتحت إدارته. وأهم تغيرات العصر الحديث أن هذا الأساس قد نُسف إلى غير رجعة. وصار الرجال والنساء مضطرين إلى العمل في ملكيات وتحت إدارات أخرى. في معامل أو مصانع أو وظائف أو محلات أو أسواق أو بسطات أو.. ولأنه لم يعد هناك أراض مشاع يمكن لأي أسرة أن تستصلح بعضها وتزرعها وتبني عليها وتعيش.. ولأن الحد الأدنى لضروريات العيش قد ارتفع كثيراً عن مستوى رغيف التنور وطبق البرغل وقطعة ثياب واحدة في العام وإبرة وخيط.. لم يعد يمكن للأسرة أن تكون وتستمر دون عمل النساء خارج حدود البيت. وحين خرج النساء ليعملن خارج حدود البيت، ويجلبن النقود لتصرف في الأسرة، بدأ التناقض بين سيطرة الرجال المطلقة وخروج النساء إلى العمل لدى الغير يحتدم ويشتد. وهذا التناقض لا ينعكس سلبياً على النساء اللواتي تغيرت ظروف حياتهن العملية دون أن تتغير مواقعهن في العلاقة مع الرجل فقط، بل أيضاً على الرجال الذين فقدوا الانسجام التقليدي بين رب العمل ورب المنزل. ولم يعد يمكنهم أن يديروا حياة تزداد تعقيداً كل يوم. على هذا الأساس للنساء مصلحة واضحة في إعادة رسم العلاقة بين النساء والرجال، سواء الأزواج والزوجات أو الإخوة والأخوات أو الأصدقاء والصديقات. لكن هنا أيضاً مصلحة واضحة للرجال في إعادة تشكيل العلاقة. فهم يعيشون درجة كبيرة من التناقض بين واقع الحال الجديد وبين العلاقات القديمة التي تحكمهم. ليس على الصعيد الشخصي فقط، بل أيضاً على الصعيد المجتمعي. إذ ما زال الرجال مطالبين بتأمين الأدوية والسكر وجرة الغاز.. وما زالوا مسؤولين أولاً عن تأمين البيت.. ومطالبين بالتشمير عن قبضاتهم إذا سمعت زوجاتهم أو أخواتهم تلطيشة في الشارع.. وهم، في الوقت الذي يعجزون فيه عن فعل ذلك كله، مجبرون على بذل جهود خارقة باتجاه فعله وفق الصيغ القديمة للعلاقة بين الرجال والنساء! وربما، أقول ربما فقط، يكون هذا التناقض واحداً من أكثر مشاكل الرجال هذه الأيام. مشكلة نادراً ما يجري التعبير عنها علانية وببساطة. وغالباً ما تتسلل إلى أشكال مختلفة من التوتر والعنف.. بل والضياع. إذن، ببساطة أعتقد أنها تعبر جيداً عن واقع الحال، للرجال مصلحة كبيرة في قضية تحرر المرأة ومساواتها. سواء وعينا ذلك أم لا.... 2/3/2005
|