|
من تحت الدلف.. لتحت المزراب.. لتحت الـ...!! |
|
|
|
رنا علي محمد
|
|
2007-11-23 |
كانت الوظائف ولا تزال حلم الكثير.. الكثير من شبابنا الذين لا دعم لديهم طبعاً سوى علمهم، فيقضون نصف حياتهم بالتعلم والنصف الآخر في البحث عن وظيفة... وكثير من شبابنا الذين يقومون بمهن لا تمت بصلة لإمكانياتهم العلمية أو العملية أو لشهاداتهم...
منذ مدة وعلى إحدى أرصفة مدينتي التي تشبه كل المدن في بلدي، التقيت صدفة بصديق قديم من أيام الطفولة... في المقهى الرصيفي الذي نرتاده ـ صديقي وأنا ـ كان صديقنا القديم يعمل على آلة صنع القهوة السريعة (اكسبريسو)... أخبرني أنه تخرج منذ أكثر من عشر سنوات من الجامعة، وأنه يعمل في هذا المجال منذ سنته الجامعية الأولى، وهو سعيد جداً وطموحه في هذا المجال حسّن مستواه الوظيفي، فاليوم هو الوحيد الذي يقوم بتسيير شؤون المحل وهو الموظف الوحيد فيه!!... ولم يأتي على ذكر الاختصاص الذي درسه!!!...
بعد مدة من ذلك اللقاء، وفي صباح حار هاتفني صديقي ـ خريج جامعات سورية ـ وطلب رؤيتي فلديه أخبار سارة، أتاني والدنيا لا تسعه وأخبرني أنه توظف في البلدية... وكانت دهشتي أكبر حين أخبرني أنه دفع مبلغ كبير مقابل تعيينه (مراقب عمال تنظيفات)... عاتبت صديقي على ذلك فغضب مني... وساد بيننا جو من الغربة ونحن نسير صامتين لنحتسي القهوة عند صديقنا القديم... كاد الأخير ينفجر غضباً وهو يخبرنا سراً أن صاحب القهوة يتمتع بتعذيبه ويتلذذ ـ وهو الرجل شبه الأمي ـ بإرساله ليشتري له الجرائد اليومية ويمنعه من قراءتها... يبقيه طوال اليوم واقفاً على قدميه، ويستدعيه للعمل وقت يشاء ولأسباب شخصية كأنه خادم البيت وليس موظف بمكان محترم... حتى أيام العطل يستدعيه دون مقابل، بحجة مصلحة العمل... وإذا اضطر لإجازة يقتطع من راتبه بدل أجرة يوم أجرة يومين، علماً أن الراتب لا يحتمل أن يقتطع منه أبداً... ناهيك عن رفضهم التأمين على حياة الموظفين، وعدم وجود أي ضمان صحي لهم، وفي أي لحظة بيقدر يقلك: «باي باي»... أمر جميل أن يكون رب عمل لشاب جامعي، كأنه يفرغ كل عقده به... المشكلة أن صديقنا يعيل عائلة ولا يستطيع ترك العمل، فقد حصل على هذا العمل (بطلوع الروح)، ولا مكان له في وظائف الدولة فالجامعيين لا يعيّون إلا بمسابقة، وفي حال إعلان مسابقة يتقدم لها الآلاف والنتيجة دائماً لصالح عشرة موجودين أصلاً في مقاعدهم!... خرجنا ـ صديقي وأنا ـ وسرنا في الشوارع وقد ازداد بيننا الصمت والكآبة... وأخيراً نطق صديقي: «اشتغل زبال بالدولة أحسن ما اشتغل عند حدا ويتمقطع فيني هيك...» نظرت في عينيه الدامعتين بغضب وعجز لساني عن النطق مرة ثانية... ومر حوالي الشهر حين أتاني صديقي غاضباً... لم يجد لنفسه اسماً في جدول الرواتب، ومراقب الدوام يتعامل معهم كالسبايا وهو خريج ابتدائية، إضافة لإشكاليات حول تجديد العقد، قد لا يُجدد رغم المبلغ الذي دفعه... لكن ما يواسي صديقي أن المراقبين ـ زملاؤه ـ جميعه جامعيون: انكليزي ـ فلسفة ـ تاريخ ـ رياضيات... وجميعهم دفع مبلغ لهذه الوظيفة أكبر من المبلغ الذي دفعه صديقي... وكلهم يأمل في تجديد عقده... وهذا ما زاد في كآبتي... فجأة نظرت حولي فوجدت نفسي أودع آخر صديقة لي... تذكرت حين قالت لي في أول إجازة لها: «الحياة في الإمارات صعبة جداً... الوقت كله للعمل... لكن على الأقل هناك عمل، ومقابل العمل هناك راتب... البلد الغريب بقسوته أرحم... بلدنا كالأم القاسية الظالمة التي تقسو كثيراً على أولادها فيغادرون المنزل... أما الإمارات فهي الخالة التي مهما قست تظل أرحم من قسوة الأم»... نظرت في المرآة فلم أر وجهي... رأيت وجوه أصدقائي... تذكرت كم أشبههم، وأني مثل أي منهم أتمنى الحصول على عمل يحفظ لنا شيء من كرامتنا... سألت نفسي وسألت خيالات أصدقائي: من منا المذنب؟ وفي ظل من نعيش؟ أنتحمل قسوة أمنا، أم ننتظر أن تحنو علينا الخالة؟... حين يتعلق الأمر بحقوق أو واجبات الموظف تجاه العمل فلا ينتظرون لحظة واحدة عن فعل أي شيء بحجة حماية مصلحة العمل، أما حين يتعلق الأمر بحقوق المواطنين فلا وجود لأي حق لهم لا في العمل ولا في الحياة.... ولا حتى في التعلم!!... ويبقى السؤال المطروح: متى سنتعلم أن نطالب بحقوقنا؟ لا كمتسولين ولا كرعاع تافهين يستجدون رحمة... بل كطلاب حق يحكون رؤوسهم ويدركون مصدر قوتهم ويعرفون كيف يوظفونها بالطريقة المناسبة... غسلت وجهي جيداً وأشعلت جهاز الكومبيوتر وبدأت باستقبال وقراءة إيميلات أصدقائي من مختلف بقاع الأرض...
رنا علي محمد، (من تحت الدلف.. لتحت المزراب.. لتحت الـ...!!)،
هذا الإميل محمي من السرقة عبر برامج السبام، تحتاج إلى دعم جافا سكريبت لتستطيع رؤيته
خاص: نساء سورية |