|
المحامي أحمد منجونه
|
|
2007-11-23 |
لعل موضوعاً حساساً كهذا يقتضي منا البحث بالتاريخ القديم وصولاً للحاضر، فدور المرأة بالمجتمع مر بمراحل مختلفة، كل مرحلة لها طبيعتها وتكوينها الخاص الذي كان له أثره على وضع المرأة ومكانتها في المجتمع..
حدثنا التاريخ أن المرأة في العصور الأولى كانت قائدة في مجتمعها ومديرة لشئونه، فهي تقوم بمعظم عملية الانتاج داخل الأسرة، تنجب وترعى الماشية وتؤمن الطعام وتصنع من الصوف الألبسة والأشعار تلبي كافة حاجات أفراد الأسرة،فكان لها السلطة والنفوذ تسوس وتقود تختار زوجها وتتزوج بأكثر من رجل.. سميت تلك المرحلة من التاريخ بمرحلة الأمومة. في هذه المرحلة اتخذت بعض المجتمعات المرأة رمزاً لآلهتهم وعبدوها وسجدوا لها (عشتار).مع ازدياد عدد البشر وتنوع حاجاتهم وتعقد علاقاتهم، بدأت المجموعات البشرية تتمركز حول ضفاف الأنهار وتشكل المدن والقرى، وأصبحت الزراعة من المهن المهمة والضرورية مما أدى إلى ظهور بعض الصناعات التي تحتاجها تلك المهنة كالفؤوس والمعادن وأدوات زراعية وأدوات بسيطة للحياكة وللصيد وأسلحة للدفاع عن النفس والأرض مما اقتضت الضرورة لجهد وقوة الرجال.. حينها بدأ دور الرجل يزداد تقدماً، دور ونفوذ وسلطة المرأة يزداد تراجعاً وضعفاً وبظهور الصراعات والحروب بين المجتمعات كان لا بد من تشكيل قوة محاربة للهجوم والدفاع فزاد ذلك من دور الرجل قوة إلى أن استقر الأمر له وعرفت البشرية مجتمع الذكورة.. في هذا المجتمع أصبح الرجل قائد جيش وزعيم عشيرة ورب أسرة يتخذ القرارات ويأمر وينهي، وأصبحت الأنثى تابعاً مهاناً تتعرض للوأد خشية العار، تباع وتشرى وتعار وتسبى أنها ملك خالص للرجل ووسيلة لمتعته. مع دخول مرحلة التاريخ وبناء الحضارات ازدادت قوة الرجل ونزلت الأديان السماوية والتوحيدية لتوكد تبعية المرأة للرجل وإلى الأبد بقوانين إلهية صارمة، بالرغم من إعادة الأديان للمرأة بعض حقوقها المسلوبة. الدين الإسلامي ساوى بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات الدينية لها ماله وعليها ما عليه، إلا أنه لم يساوي بينهما من الناحيتين السياسية والاجتماعية وثبت تبعة المرأة للرجل.. قال تعالي [ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً ] النساء /34/ وفي السنة النبوية لانكاح إلا بولي فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الل عليه وسلم قال [ أيما امرأة أنحكت بغير أذن وليها فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر بما استعمل من فرجها فإذا اشتجروا فالسلطان ولي من ولا ولي له ] رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجه والترمزي. وطاعة الزوج من الفرائض الدينية وطاعة الله فعن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال[إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت ] رواح أحمد والطبراني. وهناك الكثير من الأحاديث التي أعطت الرجل حق الولاية والوصاية، ومن ثم جاءت القوانين من مصدر الشريعة لتضع المرأة بولاية الأب وتبعية الزوج، تطلّق ولا يحق لها التطليق والقوانين الوضعية لتحرم المرأة من إعطاء الجنسية لأولادها أو زوجها, وهذا ما جعلها جنساً ثانياً من قيمته الإنسانية وفي موقعه الحضاري وفي دوره السياسي والاجتماعي العام، فابتعدت عن الاهتمام بالشأن العام والمشاركة فيما تقتضيه الحياة العامة متنازلة عنه للرجل باعتقاد مزيف تسوقه وتورثه أن الرجال أقدر من النساء على اتخاذ القرار وتحمل مسئولية العمل العام وتولي مناصب صنع القرار (لذلك نجد أن أغلب النساء عندما يمارسن حقهم الانتخابي يتوجهن بانتخاب الذكور). لا يمكننا إغفال البطولات التي سجلتها بعض النساء عبر التاريخ في كافة المجالات ومنها العسكرية والسياسية والاقتصادية ونالت بعض المواقع المتقدمة في الحكم والدولة.. إلا أن ذلك لازال في الإطار الضيق والمحدود وخاصة ما يتعلق بالمرأة العربية.. وهذا يعود ضمن الواقع الحالي إلى عدة عوامل: أولاً: العامل التاريخي الذي سبق وذكرناه وأثره على الوضع الاجتماعي الذي كرس نظام تربوي يقوم على التمييز بين الطفل والطفلة [ فالطفل يربى لأن يكون الزوج والأب المطاع والطفلة مكانها المنزل وطاعة الأوامر ] وتبعية الأسرة بكاملها للأب وسلطانه يحكم بها كيفما يشاء وأراد. إن هذا الشكل والتقسيم للأسرة لا يمكن لأفرادها أن يكونوا مواطنين، فالأسرة التي لا تبنى على المشاركة والحوار والمساواة لا تنتج فرداً فاعلاً قادراً على الدفاع عن حقوقه وحرياته والقيام بواجباته والفعل الإيجابي بالمشاركة في الحياة العامة.. ثانياً: العامل التعليمي: يعتبر التعليم من أهم العوامل المؤثرة في إنتاج وإعادة إنتاج البنى الاجتماعية المختلقة، والغاية منها إعادة تركيب البنى الاجتماعية على أساس مقارب للواقع أو مغاير له. فالتعليم ليس انعكاساً لثقافة المجتمع فحسب، بل هي عملية تعيد انتاج ثقافة المجتمع والإيديولوجية السائدة فيه وبنيته الاقتصادية والسياسية.. والتعليم لدى مجتمعاتنا العربية تكرس مفهوم التمييز الجنسي وتقسيم العمل داخل الأسرة.. وهذا ما ولد مفهوم تفوق الرجال في ميادين العمل بكافة مجالاته وخاصة المجال السياسي الذي تفرد به الرجل.. كما أن النظم الاجتماعية السائدة تشجع الأنثى على التسرب من التعليم أما بسبب الزواج المبكر أو أسباب اجتماعية ودينية واقتصادية وهذا ما أدى لأن تكون نسبة المتسربات من التعليم أعلى من الذكور وخاصة في الريف ونسبة الملتحقات بالتعليم الثانوي.. والتعليم العالي أقل من الذكور، مما حرم المرأة من اعتلاء المناصب العليا في مفاصل الدولة والمساهمة في صنع القرار ثالثاً: العامل الاقتصادي: يساهم الوضع الاقتصادي في شعور الأفراد بالانتماء إلى المجتمع الواحد وتنظيم العلاقات بينهم من خلال إزالة الفوارق الطبقية والمساواة في فرص العمل وممارسة النشاط الاقتصادي.. وبالنسبة للمرأة فإن العامل الاجتماعي والتعليمي كان لهما تأثير في إضعاف مشاركة المرأة في سوق العمل والحركة الاقتصادية فنسبة مشاركة النساء في القوى العاملة في دول عربية مجاورة كلبنان تشكل 27% وفي الأردن 18% وفي سوريا 25% أغلبية النساء يعتمدن على الرجال من عائلاتهم لتغطية نفقاتهم مما أفقدهم العامل الأساسي لاستقلالهم وحريتهم. المواطنة بالنسبة للمرأة تتلازم مع تحررها واستقلالها وهذا ما يحتاج إلى تغيير في البنى الاجتماعية والتعليمية وهذا منوط بالرجل والمرأة على السواء فتحرر المرأة جزء أساسي من إعادة تشكيل كافة الأطر والهياكل الاجتماعية وبالتالي من عملية تحرير الرجل والمجتمع بأسره،وهذا يقود بالنتيجة إلى مجتمع فاعل وحر أفراده يمتلكون الوعي الكامل بحقوقهم وواجباتهم كمواطنين فالمجتمعات القائمة على أساس المساواة والعدل وصون الحريات والحقوق هي المجتمعات التي تسير نحو التقدم والحضارة.
المحامي أحمد منجونه، (المرأة والمواطنة)خاص: نساء سورية |