|
عياد عيد
|
|
2007-11-23 |
ظهرت على السطح في الآونة الأخيرة مشكلة اجتماعية وأخلاقية خطيرة، ظلت مستترة كالجمر تحت الرماد مدة طويلة إلى أن أشعلها الارتفاع الهائل في أسعار العقارات والتطورات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.
وتتمثل هذه المشكلة في أن الكثيرات من النساء في مجتمعنا قد حرمهن أشقاؤهن الذكور من ميراثهن الشرعي. وتبدو هذه المشكلة في أوضح صورها في الفئات الأكثر جهلاً في المجتمع. إذ يظن الرجل، وعلى نحو يخالف كل ما نصت عليه الشرائع وقواعد القانون الوضعي وأبسط مبادئ الأخلاق والعدالة، أن ليس من حق شقيقته أن تأخذ شيئاً من تركة مورّثها، وأن هذا الحق محصور به وحده من منطلق عدم جواز إدخال (الصهر في التركة) كي لا يذهب ميراث العائلة إلى الغرباء! وأن شرف الرجولة وتراث العائلة يمنعه من ذلك، فضلاً عن عوامل الطمع والجشع التي تتجلى لدى الكثيرين من خلال استضعاف الأنثى واستغلال جهلها وعدم درايتها بحقوقها وبكيفية دفاعها عن هذه الحقوق. إلا أن ارتفاع أثمان العقارات كما أسلفنا، ووصول أسعار بعضها إلى ملايين الليرات السورية، وزيادة وعي المرأة أدت إلى إحساسها بمقدار الغبن والظلم اللذين يلحقان بها، فشعرت بمدى التفاوت المادي بينها وبين شقيقها، الذي استأثر بالتركة واستولى على حقها الإرثي، مع العلم أن عقاراً واحداً قد يجعله من فئة الأغنياء، بينما تبقى هي فقيرة تكافح في سبيل لقمة عيشها، مما حدا بالكثيرات من النساء إلى إقامة الدعاوى القضائية التي أنصفت المرأة وساعدتها على تحصيل حقوقها. ولا بد هنا، قبل المضي في الكلام، من بيان الآلية التي يستطيع بوساطتها الأشقاء الذكور الاستئثار بتركة مورثهم وحرمان شقيقاتهم منها، إذ غالباً ما يكون هذا الأمر جلياً في المناطق التي تفتتح فيها أعمال التحديد والتحرير حديثاً، فالمناطق التي انتهت فيها هذه الأعمال والمسجلة عقاراتها في السجل العقاري يصعب فيها مثل هذا الأمر، إذ تغدو فيها حقوق الجميع مصونة قانونياً وتلقائياً بموجب قوة قيود السجل العقاري ونظامه الصارم، الذي يجعل التلاعب بقيوده أمراً عسيراً يتعذر معه على أي كان نقل حقوق تعود لغيره بغير موافقة هذا الغير، وبالتالي لا يستطيع الأخ الاستيلاء على حقوق شقيقته الإرثية التي تثبت لها فور وفاة المورث، ما لم يكن ذلك برغبتها وموافقة صريحة منها. أما في المناطق التي يجري فيها التحديد والتحرير حديثاً فإن الرجل، بما له من سلطة عائلية، يظهر أمام اللجان المكلفة بهذه المهمة أنه المتصرف بالعقار، ويخفي عن هذه اللجان حقيقة أن العقار عائد لمورثه، وأن هناك ورثة آخرين لهم حقوق في هذا العقار، ويقوم الأشقاء الذكور عادة بتوزيع عقارات التركة فيما بينهم (على الرغم من أن القاصي والداني يعلم أن المرأة في المجتمعات الريفية تبذل جهوداً مضاعفة عما يبذله الرجل من أجل الحفاظ على ممتلكات الأسرة واستثمارها، وخصوصاً الزراعية منها)، إذ يستغلون غالباً وجود شقيقتهم في منزل زوجها أو عدم درايتها بمرور لجان التحديد والتحرير، أو من خلال منعها من تثبيت حقها لأن ذلك يعد (عيباً) بنظر المجتمع. ويقدم بعضهم على إيهام شقيقاتهم بأنهم قيدوا حقوقهن، وأن هذه الحقوق محفوظة، ثم يظهر بعد فوات الأوان ما يخالف ذلك بحكم أن ليس لها أن تراجع اللجان لتثبيت حقوقها. وهنا تجدر الإشارة إلى الحقوق التي منحها القانون السوري بموجب أحكام القرار 186 ل.ر لعام 1926 وتعديلاته، حفاظاً على حقوق كل متضرر من أعمال التحديد والتحرير. فهو أولاً، كفل علانية هذه الأعمال، وأوجب الإعلان عنها قبل شهرين على الأقل من افتتاحها، وأكد ضرورة أن يتم هذا الإعلان في المنطقة العقارية التي تجري فيها هذه الأعمال وعلى نشرها في الجريدة الرسمية وثلاث جرائد محلية. وهو، ثانياً، ألزم أن تتم هذه الأعمال بحضور المختار، وأن يُسأل أصحاب العقارات المجاورة. وثالثاً، أعطى الحق للمتضرر خلال مدة ثلاثين يوماً من تاريخ إلصاق محضر ضبط الختام لعمليات التحديد والتحرير في أن يتدخل طالباً الحفاظ على حقوقه.، ورابعاً، أعطاه الحق في حال فوّت على نفسه الاعتراض أمام القاضي العقاري أن يتقدم باعتراض أمام القضاء المدني المختص خلال سنتين من تاريخ إبرام قرار القضاء العقاري، وذلك تحت طائلة سقوط هذا الحق. فإن سقط حقه في ذلك كفلت له المادة 17 من القرار 188 ل.ر. لعام 1926 الحق الكامل بإقامة دعوى التعويض عن فقدانه حقه العيني خلال مدة خمس عشرة سنة تلي انقضاء مدة السنتين المنوه عنهما أعلاه، مع الإشارة إلى أن الشقيقة، نظراً لوجود المانع الأدبي غالباً بين الأشقاء، غير مقيدة بهذه المدة في طلبها للتعويض، إذ يعدّ المانع الأدبي قاطعاً لمدة التقادم حسب القانون المدني السوري. وعلى الرغم من أن الأحكام المتقدمة تعطي ضمانات كافية لمن فقد حقه في استعادته أو التعويض عليه إلا أننا، وأمام تفاقم هذه الظاهرة، نرى أن من الضروري أن يقوم ذوو الاختصاص ببحث إمكان إضافة نص قانوني يقضي بفرض عقوبات رادعة بحق كل من يقدم قصداً على الإدلاء ببيانات كاذبة في أثناء عمليات التحديد والتحرير تؤدي إلى حرمان صاحب الحق من حقه، مع العلم أن القانون المدني السوري قد نص في مادته 850 على المعاقبة (بعقوبة إساءة الأمانة كل من استولى غشاً على شيء من مال التركة، ولو كان وارثاً). هذا فضلاً عن ضرورة أن تقوم الجهات الإدارية المختصة بالتوجيه إلى ضرورة السرعة القصوى في إنهاء أعمال التحديد والتحرير والقيد في السجل العقاري لما ذكرناه آنفاً من قوة قيود هذا السجل وضمانتها لجميع الحقوق، وأن تقوم أيضاً بالتوجيه بضرورة التشدد في أن لا تتم هذه الأعمال إلا بحضور المخاتير فعلياً، وسؤال أكبر عدد ممكن من جوار العقار للتثبت من ملكيته قبل قيده. هذا من الناحية القانونية، أما من الناحية الاجتماعية فلا مناص من تأكيد أهمية دور المؤسسات التربوية والتعليمية وغيرها في مضاعفة جهودهم لبث الوعي لدى الفئات التي ما زالت مصرة على حرمان المرأة من حقوقها، وبيان حرمانية هذا التصرف من النواحي الأخلاقية والقانونية والإنسانية، وبث الوعي لدى المرأة لمعرفة حقوقها في هذا المجال وكيفية الدفاع عنها. وهنا يبرز الدور التاريخي الذي يجب على القوى التقدمية أن تمارسه، وهي التي كرست جل وقتها وجهدها في سبيل الدفاع عن حقوق المرأة ورفع الظلم والحيف عنها، ونصرة قضاياها العادلة، لا سيما أن هناك حالات لا يمكن أن تطولها يد القانون، كما يحدث حين يقوم الأب بتوزيع أمواله في حياته على أولاده الذكور حارماً الإناث منها، إذ يصعب إبطال هذه التصرفات ما لم تتوافر شروط خاصة جداً ونادراً ما تتوافر، ويصعب جداً إثباتها.
عياد عيد، (ميراث المرأة.. مرة أخرى)تنشر بالتعاون مع جريدة النور، العدد 317 (14/11/2007)
|