|
نجاح وفشل الدراما في مصر وسوريا |
|
|
|
نعمان الحاج حسين
|
|
2007-11-04 |
يمكننا دوما إجراء تقسيم بين ماهو سياسي وما هو غير سياسي، لكنه إجراء شكلي لأننا سوف نجد أنفسنا في النهاية أمام هذه الحقيقة البسيطة – كما يقول رولان بارت -:(حيث ماهو غير سياسي..هو سياسي أيـضاً)..
... مع التغيرات الهائلة التي أصابت مصر وجعلت المجتمع المصري يهتز إثر الانقلاب الشامل الذي قاده الرئيس المصري أنور السادات، وصولا إلى عقد اتفاقية الصلح مع (إسرائيل) ؛كان يمكن للمراقب أن يتوقع انعدام توازن كل وسائل التعبير من أجل السير في ركب سياسة النظام، لكن ما حدث في مجال الدراما كان العكس – لحسن الحظ – فقد استدارت الدراما المصرية لتشق طريقها بالتعارض الجوهري مع الخطاب الرسمي. في أواخر السبعينيات تابع المشاهدون العرب عبر التلفزيون الأسود والأبيض مسلسلات (عنترة) و(سليمان الحلبي) وهي إسقاط تاريخي على الراهن السياسي بلغة فنية راقية من تأليف الكاتب (محفوظ عبد الرحمن). لم يكن جديدا من الناحية الشكلية تلقي اللهجة العامية المصرية عبر الوطن العربي عن طريق السينما المصرية، لكن دخول التلفزيون إلى كل البيوت حمل رسالة الدراما المصرية إلى أبعد أرض عربية عبر التلفزيونات الحكومية على اختلاف الأنظمة السياسية للبلدان العربية دون أي عائق رغم تضارب السياسات ومقص الرقابة، وهكذا تابع المشاهدون مسلسل (ليلة سقوط غرناطة) لـ (محفوظ عبد الرحمن) عام / 1982 / عندما سقطت بيروت تحت الحصار الإسرائيلي.. ومع انتشار التلفزيون الملون تابع المشاهدون العرب مسلسل (المرشدي عنتر) الذي لم يعرض حينها في مصر نفسها، والذي يتحدث عن نهاية الحقبة الناصرية وبداية الساداتية و(أبطال) الانفتاح الاقتصادي بلغة رمزية رفيعة أسست - باعتقادنا – لهذا التقليد الفريد في الدراما المصرية والذي سوف يرثه ويوسع انتشاره الشعبي طوال حقبتي الثمانينات والتسعينات الكاتب (أسامة أنور عكاشة) ؛ هذا التقليد الذي يلجأ للرمز ليس– فقط - بسبب المحظورات السياسية بل لأسباب فنية وتعبيرية لم ينوه بها النقاد كثيرا. في عام /1984/ عرض مسلسل (عصفور النار) والذي يرمز لرفض الشعب المصري للصلح مع إسرائيل وعدم تخليه عن القضية الفلسطينية ثم توالت المسلسلات التي تقدم قضايا المجتمع المصري من خلال جمالية خاصة جدا وأصبحت متابعتها طقسا اعتياديا في البلدان العربية: (رحلة أبو العلا البشري) و(الراية البيضا) و..(الزيني بركات) عن رواية لـ (جمال الغيطاني) والتي تدور أحداثها في حقبة تاريخية لكن المسلسل اختار اللهجة المعاصرة وهو اختيار ذو دلالة دون التقيد بالفصحى كلغة وحيدة لسرد التاريخ العربي، ومع بدايات التسعينات اقترب (أسامة أنور عكاشة) من الوصول إلى قمة مشروعه الفني في (ليالي الحلمية) للمخرج (إسماعيل الحافظ) وهي (ملحمة) درامية تطاولت إلى خمسة أجزاء للمرة الأولى في تاريخ التلفزيونات العربية، وإذا كان هذا يعطي فكرة عن قوة (العرض) إلا أنه يعطي في الوقت نفسه فكرة عن حجم (الطلب) على الدراما المصرية التي أصبحت في - ذلك الوقت- الناطق الرسمي باسم للمجتمع العربي..مع مسلسل (الأرابيسك) لـ(عكاشة)،توضحت كل الخطوط التي سبق ذكرها:الإتكاء على الرمزية كإسلوب تعبيري وفني وليس تحايلا على الرقابة- فقط – إعادة تحديد عدو الشعب المصري من جديد وهو العدو نفسه(إسرائيل)،التي تستهدف- حسب سيناريو المسلسل- اغتيال عالم مصري، ورغبة العالِم بتغيير ديكور شقته من خلال إحداث زوايا متنوعة: عربية إسلامية ووطنية وفرعونية، معتمدا على فنان ديكور كان جنديا في حرب /1973/.. على الجانب الآخر- جانب الجمهور العربي- بلغت متابعة هذا المسلسل أعلى درجات التواصل والتماهي.. في الفترة ذاتها تقريبا، عرض مسلسل (ومازال النيل يجري) تأليف (عكاشة) وإخراج (محمد فاضل) ويمكننا هنا عرض تلخيص له بسبب قدرته على تمثل الدراما كما تحدثنا عنها في الأسطر السابقة، من جهة، ولأن الرمزية التي أشرنا إليها بلغت في هذا المسلسل درجة الاكتمال، من جهة أخرى،ولأن إشاراته تستهدف الحاضر – لا الذي كان معاشا وقتها في بداية التسعينيات فقط – بل الذي مازال يتفاقم حولنا اليوم، وما يعجز المثقف عن قوله صراحة أمام المئات، طرحه المسلسل بشكل رمزي ومجازي على ملايين المشاهدين العرب وحتى بدايته تثير الإعجاب كبداية غير نمطية وغير مألوفة من مسلسل يستهدف الجمهور العريض وليس النخبة: ..(..أستاذ جامعي وطالب دراسات عليا من كلية التربية / قسم علم الاجتماع في جامعة القاهرة ؛يركبان زورقا في النيل بهدف إجراء دراسة ميدانية عن قرية مصرية نموذجية، وأثناء إبحارهم في النهر يصاب الأستاذ بالحمى فيقرر الإثنان النزول عند أول قرية يصل المركب إليها إلى حين شفاء الأستاذ على أن يواصلا رحلتهما بعد ذلك..ولكن بعد أيام من نزولهما ومع تماثل الأستاذ للشفاء لاحظ الإثنان معا في نفس الوقت أن لا حاجة لهما لمواصلة البحث عن قرية أخرى كموضوع لدراستهما فالأحداث التي تجري في هذه القرية التي وصلا إليها بالصدفة، مثل عينة عشوائية، هي قرية نموذجية: (تمثل مصر كلها) يقول الأستاذ)..وبذلك يتم تحديد الزاوية التي سوف يتم النظر للأحداث من خلالها..بعيون باحثين اجتماعيين وبذلك أيضا نتسلم مفتاح فك الرموز التي يقوم عليها السيناريو..وتوالت المسلسلات لكاتب السيناريو نفسه (عكاشة) مع المخرج ذاته غالبا مع حركة الكاميرا ذاتها والموسيقى التصويرية المتشابهة..وبكلمة وقعت الدراما في المرض الذي يصيب الكثير من الفنون في شيخوختها ألا وهي النمطية التي يصنعها الفن لنفسه ويصاب بها قبل أن يدرك حقيقة (مرضه) وقد احتاج الجمهور بضعة سنوات قبل أن ينفضّ عن التماهي مع هذه الدراما التي من فضائلها أنها لم تسقط في الشيخوخة المبكرة أي أنها أصيبت بـ(النمطية) في العمر الذي يصاب الفن فيه بالمرض عند النهاية الطبيعية للأشياء..واليوم يقف(عكاشة) نفسه ليعلن على الفضائيات أن (مصر) ليست عربية(!) ولا علاقة لها بالعروبة (!) كما أنه لا حاجة للعرب إذا أرادت مصر التقدم (!!) بعد سنوات من انشداد المواطنين العرب لدراما (عكاشة) بالذات.. مع ذلك قدمت الدراما المصرية قبل سقوطها أنموذجا مشرقا عن فن ملتزم دون أن تضحي بالشرط الفني والمتعة الفنية والإبداعية في ظل نظام سياسي لا يملك خطابا ملتزما..- 2-الدراما السورية: في الأثناء ذاتها- التسعينيات- بدأت الدراما السورية بالانتشار..كانت الدراما السورية موجودة دائما لكنها عبر عقدين سابقين قدمت نموذجا لدراما غير ملتزمة في ظل خطاب ملتزم رغم بعض الأعمال الهامة والتي تمثل الاستثناء وليس القاعدة مثل (أسعد الوراق) لـ(علاء الدين كوكش)..وكان الفنانون السوريون جزءا من الجمهور المتلقي للدراما المصرية، ومن هذه الناحية كانوا كغيرهم، شديدي الإعجاب بها، ومن ناحية أخري كانوا كفنانين ومعلقين على الدراما المصرية شديدي الحساسية نحوها، لأن جمهورهم المفترض كان جمهورا للدراما المصرية في الحقبة السابقة..لكن (أن تشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام..) وهكذا برز المخرج (هيثم حقي) الذي بدل أن يبدد طاقته بانتقاد الدراما المصرية ومديح الدراما السورية قام بتقديم مسلسلات: (دائرة النار- خان الحرير- سيرة آل الجلالي) وجدها الجمهور موازية لأفضل ما قدمته الدراما المصرية..ويمثل (حقي) خط الدراما الملتزمة بلغة فنية راقية ومحترفة..وهو نفسه مثقف وموهوب..بينما ظل (كوكش) يمثل خطا ملتزما من ناحية المضمون غير أنه ينتمي إلى حقبة من الركود الدرامي ولم يستطع أن يلحق بـ(دراما) هيثم حقي من ناحية الشكل الفني لكنه أيضا لم يستسلم للموجات الفانتازية التي جرفت بقية المخرجين وظل يمثل نوعا من ضمير الدراما السورية..بينما ظهر مخرج إلى جانب (حقي) لا يقل عنه موهبة هو (بسام الملا) في مسلسله (أيام شامية) لكنه يفتقر للرؤية الواضحة ولـ(المشروع الثقافي) الذي نجده لدى (حقي وكوكش).. والأمر ذاته ينطبق على(حاتم علي) الذي قدم (الزير سالم) في مرحلة جارفة من الأعمال الفانتازية..ومن هنا أهمية (هيثم حقي) الذي يتفوق من ناحية الشكل الفني على الموازين له من حيث الالتزام، ويتفوق على أنداده فنيا من ناحية الالتزام الثقافي والرؤية الواضحة.. ومع الهتافات والترحيب الذين ظلا يرافقان صعود الدراما المحلية، ظهر المخرج(نجدت أنزور) الذي خلط جميع الأوراق الدرامية وجعل الأرض تهتز تحت أقدام معظم المخرجين وبدا لوهلة أن المقصود بـ(الدراما السورية) الجديدة إنما هي مسلسلات (أنزور) –فقط- وانتقل بسرعة من(نهاية رجل شجاع) عن عمل أدبي لـ(حنا مينة) إلى سلسلة من الفانتازية التاريخية كادت أن تكون لا نهائية..ويقدم (أنزور) صورة نقية، وموسيقى منتقاة، ومجموعة من الممثلين النجوم، يضاف إليهم نصا يراعى فيه أن يكون ملتزما أو مقاوما، كل عنصر من العناصر السابقة مصنوع على حدة يتم جمعها معا باعتبارها عملا دراميا هاما بإنتاج ضخم.. وقد علق (حقي) على الظاهرة بقوله:((إن المقاييس التي يتم اعتبارها أدلة على التفوق الدرامي مثل نقاء الصورة..تجعل من السينما الإيطالية - سينما فيلليني وبازوليني- سينما من الدرجة الثانية!)) وقد خلبت أعمال (أنزور) لب الجمهور، ثم لب الممثلين الذين صاروا يحلمون ببطولة عمل درامي من إخراج (أنزور) رغم أن كل ما كانوا يفعلونه هو قراءة نصوص بالفصحى السليمة أمام كاميرات عالية التقنية وجمهور مشدوه، بعد ذلك، قدم مخرجون آخرون أعمالا مماثلة ظن الجمهور أنها من إخراج (أنزور) نفسه..ولم يكد العاملون في الدراما يستفيقون من غيبوبة الفنتازيا التاريخية حتى انتقل (أنزور) إلى موضوع الساعة: (الإرهاب) وهو موضوع سوف يلتقطه الجمهور بسرعة لأنه يشاهده في نشرات الأخبار وما تبقى يمكن تجميعه بسهولة، حتى العنوان يمكن اختياره بحيث يكون جزءا من المسلسل..فما هو موضوع الإرهاب؟ إنه شبان استشهاديون يقومون بأعمال قاتلة نتيجة فهمهم الخاطىء عن صعود الشهيد إلى الجنة..التي يلاقي فيها الشهيد حورا عين عذراوات طاهرات!وهكذا جاء مسلسل (أنزور) الأول عن الإرهاب بعنوان (الحور العين)..وهذا نموذج عن (المجاز الفني الرديء)..وهكذا فإن الخطر الذي تهدد النهوض الجديد للدراما السورية هو الإصابة بمرض(النمطية) منذ البداية..وهي حالة شاذة ككل الأمراض التي تبدو طبيعية في (الشيخوخة) لكنها قد تكون قاتلة حين تصيب الشباب... ولا غرابة أن نشهد هذا العام/2007/ حديثا عن أزمة الدراما في سوريا بعد مدة من دفن الرؤوس في الرمال،وبدلا من أن تكون هذه مناسبة محبطة يبدو أن الأمر سوف يكون على العكس، فلأول مرة نجد في وسائل الإعلام جدالات جادة عن الدراما المحلية دون مبالغات ومبارزات مع طواحين الهواء، ونلمس تعمقا في طرح القضايا الدرامية دون تسطيح أو نرجسية ومن المفارقات في الدراما السورية أن عام الأزمة سيكون عام الحقيقة وبعد سنوات كان فيها (هيثم حقي) كمن يقف وحيدا أمام تيارات متصاعدة من الفانتازيا التاريخية و(الأعمال التاريخية) الخطابية، نجد الآن إلى جانبه؛ ليس(كوكش) و(بسام الملا) و(حاتم علي)،فقط، بل سلالة من المخرجين الشبان لا يقلون موهبة ولا التزاما على رأسهم: (الليث حجو) و(المثنى صبح)...لقد استعاد الخط الواقعي في الدراما السورية جمهوره رغم كل شيء، وتبدو ملامح هذا الخط مثل مدرسة فنية يمكن تسميتها: الواقعية الفنية، وقد تابع عدد كبير من المشاهدين مسلسل (الانتظار) لليث حجو خلال العامين الماضي والحالي والذي يعرض الآن على قناة كويتية ما إن انتهى عرضه على قناة سورية، لقد استفاق الكثيرون من الفنتازيا التاريخية التي نسيها الجمهور والأمل أن لا تدخل الدراما في (فنتازيا الإرهاب) لأن الجمهور سوف ينساها لكنه سوف يتذكر دائما:(أسعد الوراق) و(دائرة النار) بالإضافة إلى (أيام شامية)..و(الانتظار)..
نعمان الحاج حسين- (نجاح وفشل الدراما في مصر وسوريا (1))- 18/10/2007 خاص: نساء سورية
|