|
د. غانم الجمالي
|
|
2007-11-04 |
كتب الكثير نقدا وتفنيدا عن مسلسل "باب الحارة2"، وأعتقد أن معظم من كتب أخذ على عاتقه الدفاع عن قيم التحرر من قيود الماضي الذي لا يستطيع أحد أن يتجاهله بخيره وشره، بحلوه ومره،
والسؤال الكبير هو لماذا نجح المسلسل هذا النجاح الشعبي الواسع حتى عند الجماعات العربية خارج الوطن العربي؟ لابد من جواب سيما وأن الفن مرآة المجتمع.سوف أحاول الجواب على هذا السؤال بتناول ما للمسلسل وما عليه: - ما للمسلسل: يتناول المسلسل فترة زمنية محددة جدا لا تتجاوز الشهرين من ثلاثينات القرن الماضي وفي مكان محدد جدا أيضا وهو حارة دمشقية "مغلقة" نسبيا على ناسها، إذن انحصر المسلسل في زمان ومكان محددين بداخلهما أحداث درامية مشوقة طريفة تداعب المخزون الثقافي للشعب السوري وترسم بكثير من المصداقية الموروث القيمي له.. فيه الكثير من صور الحميمية والطيبة والتآلف كما فيه الكثير من صور التخلف والانفعالية واللاعقلانية، كحال الناس في ذلك المكان والزمان.. لقد وضع المسلسل الواقع كما هو بخيره وشره، دون تفريط ولا إفراط لكن دون أن ننسى دائما محدودية الزمان والمكان التي دارت بهما الأحداث.. إذن هو "حتوتة دمشقية" بكل ما تعنيه العبارة من معان إيجابية وسلبية. لقد أثار المسلسل أثناء عرض حلقاته الكثير من "الحوار" بين أجيال متفاوتة وهذا ما لمسته شخصيا حتى أنه أثار الكثير من الحوار والجدل في الجلسات الاجتماعية والعائلية دفع الكثير على اكتشاف الآخر بل واكتشاف الذات من جديد. كان لأداء شخوص المسلسل من الصدقية والحرفية الدور البارز في جماهيريته ناهيك عن موسيقى المسلسل ومواقع التصوير وتركيز كاميرا المصوّر كثيرا على لقطات كانت تداعب بود مشاعر الكثيرين حتى مشاعر من لم يسمع ولم ير تلك الأماكن مما يؤكد على أصالة الموروث وعمقه والتصاقه بالحاضر... أتذكر مقولة ها هنا تقول: "كي نصنع تاريخا لنا يجب أن نقرأ تاريخنا"، نقرأه بانفتاح وعقلانية دون الغوص بالايدلوجيات والديماغوجيات التي لا طائل منها سوى زيادة تشتت واقعنا و تعميق ضبابية مستقبلنا. لقد عبّر المسلسل عن الحالة الذكورية بموضوعية التي كانت واقعا أكيدا حينها وهذا لا يعني أنه يطالب بالعودة "للطالبانية"، لقد رصد المسلسل الواقع ولم يتبنّاه، وهذا دور من أدوار الفن الجماهيري. رصد المسلسل بعض الأحداث التاريخية الهامة في سوريا تتمثل بدخول الكهرباء وبداية زوال الفوانيس من الطرقات والبيوت. لمّح المسلسل – باستحياء - إلى بداية ظهور الشعور القومي من خلال مقاومة المشروع الصهيوني، وهذا الاستحياء ليس في التعبير عنه بالمسلسل بقدر ما كان كذلك في الواقع المعاش حينها. المسلسل نجح بامتياز جماهيريا وشعبيا وفنيّا، ولا بد لمن يحمل عليه أن يقف وقفة صدق وحب ويسأل: "إذا كان الفن مرآة المجتمع، وهذا المسلسل باب من أبوابه، وقد نجح شعبيا بامتياز، فلماذا نجح؟ ماذا يعني نجاح هكذا مسلسل؟ ماذا يعني نجاحه للباحث والمفكر؟ ماذا يعكس نجاحه؟ وإلى ما يشير؟ وكيف نستخلص منه العبر التي تعيننا على حاضرنا ومستقبلنا بإعمال العقل والموضوعية والابتعاد عن "قعقعة" سلاح التحرر والحداثة والعلمانية المفرطة؟!".- ما على المسلسل: على الرغم من محدودية زمان ومكان المسلسل لكن ذلك لا يعفيه من تقديم لوحة مجزوءة من تاريخ تلك الحقبة الهامة من تاريخ البلد، ولا يمكن أن تكون الحارة مغلقة على ذاتها إلى هذا الحد وبهذا الشكل وكأن الحارة لها فعلا باب يغلق عليها ليلا ولا يمكن الدخول أو الخروج منها سوى عن طريقه وكأنه لا يوجد تواصل بين باقي الحارات إلى عن طريقه وهذا أمر غير متواجد على هذا النحو في ذلك الزمان. لم يرصد المسلسل الحالة التعليمية في تلك الفترة علما أن المدارس التبشيرية والكتاتيب كانت قد بدأت بالتواجد منذ العشرينات بعد الحرب العالمية الأولى، فلم نجد لهذا صدى في المسلسل وكأن الناس في الحارة ليس مغلق على أشخاصها بالباب فقط بل مغلق على عقولها أيضا... كان رصد الحركة التنويرية أو بداية التعليم ضعيفا. ركّز المسلسل من خلال أحداثه على أهمية "الزعيم" الفرد في حل شؤون الرعية من خلال عدم القدرة على الحل والربط إلا بوجود "أبو شهاب" على الرغم من وجود أشخاص آخرين لديهم القدرة على اتخاذ القرار والقيادة مثل الحكيم والفرّان وعلى الرغم من وجود "مجلس عضوات" يملك القدرة على اتخاذ القرار الصحيح. أغرق المسلسل في تصوير انحلال وفساد سلك الشرطة "أبو جودت" وكأن حاله هذه في كل زمان؟!. صحيح أن "الفرنسي" كان قد أفسد ما أفسد لكن أين قيم وعادات الناس المتأصلة التي كان لا بد من التعبير عنها في بعض النواحي.- المأمول في "باب الحارة 3" عليه أن يرصد الحركة الوطنية و القومية والحركة النسوية وبداية تشكل الأحزاب والتعليم والحركة التنويرية في سوريا وأن يفتح "الباب" على مصراعيه حتى يخرج من كونه "حتوتة دمشقية" ليصبح "تاريخ الشام".
الدكتور غانم الجمالي، (باب الحارة مرة أخرى)خاص: نساء سورية |