SWO
 
اتصل بنا | من نحن | النشرة البريدية | مواقع مهمة | شارك معنا | ابحث في المرصد

المعرفة حق لجميع الناس

الحملة الوطنية: أوقفوا قتل النساء! أوقفوا جرائم الشرف!

منتدى الحوار
منتدى نساء سورية
لا للعنف ضد المرأة
قل لا للعنف ضد المرأة
استطلاع نساء سورية
هل انت مستعد للامتناع عن استخدام كلمات مثل: معوق، متخلف عقليا، كسيح.. بهدف الإساءة إلى شخص أو فكرة؟
 
خط الثقة

 انقر هنا..
أوقفوا جرائم الشرف
الوثيقة الوطنية
إدانات..
شركاء..
مقالات..
فهرس الأسماء الموقعة
أضف توقعيك
حق الجنسية
من أجل قانون جنسية عادل
Languges
English
Français
Deutsch

خدمة RSS


عمالة الأطفال في سورية: أكثر من نصف السوريين قادرين على القراءة والكتابة فقط! والجامعيين 3.5 %! طباعة أخبر صديق
معن عاقل   
2007-11-04

صباح، نورا، مصطفى، محمود، عماد، علاء... أوما شئتم من الأسماء، هم أطفال تصادفونهم يومياً، هذه تدفع عربة أمامها، ذاك يجمع أكياس النايلون، وتلك تتدفأ جالسة القرفصاء أمام مدخنة سيارات مركونة لم يطفئها صاحبها في يوم شتائي قارس البرد، وآخر يضع ميزاناً ويجلس متكوراً في زاوية أحد الجسور...

لكل واحد منهم حكاية تنبض بالحياة التي بصقتهم إلى الطرقات ومكبات القمامة وورشات الحرف المختلفة... لكل واحد منهم قصة تفصح عنها تارة عيون ذليلة متسولة، وأخرى ردود فعل قاسية وفظة، وأحياناً شتائم يختزنها القاع لهؤلاء، أو الأصح شتائم تصنعهم وتستمر فيهم.
المرير في الأمر، تلك اللامبالاة التي تتبدى على معظم المارة عندما يرونهم، قليلون جداً من يرمقونهم بنظرة خاطفة سرعان ما يمحون صورتها، والقلة القليلة تتوقف لتشبع حاجة التأمل لديها.
الأكثر مرارة أيضاً أنني مضطر، مثل الحكومة والباحثين والعاملين في مجال الإحصاء، للتعامل معهم كأرقام ومجردات رياضية، مضطرٌ إلى أن أنتزع من صباح ذات السنوات السبع قسوة والدها الذي يفرض عليها يومياً ألا تعود إلى البيت إلا ومعها 150 ليرة، مضطرٌ أن أنتزع من أم محمود احتضانها لوحيدها عند عودته من جمع أكياس النايلون بعد قضائه نصف نهاره في المدرسة، وأن أنتزع من مصطفى عدوانيته وشراسته نحوي عندما حاولت أن أتتبع ولو جزءاً يسيراً من تفاصيل حياته وأسرته... والأهم أنني مضطر لفضح نفسي لأنني عندما وصلت إلى مرحلة الكتابة اكتشفت أنني لا أختلف عن الآخرين في شيء، فقد بذلت كل هذا الجهد رغبة في كسب مادي ومعنوي أولاً، وبعد ذلك طغت الشفقة على تلك الرغبة، وها أنا الآن أفكر بهؤلاء الأطفال على أنهم غدنا الذي سيفضح كل شعاراتنا ونقائصنا، لكن بعد فوات الأوان.
على أية حال، إذا كانت الأرقام الإحصائية ونتائج المسوح تؤمن لأصحاب القرار والمعنيين بالمشكلة مؤشرات عامة تساعدهم على تحديد خطوطها العامة وتحديد آليات التدخل فيها، فإن تفاصيل تلك الأرقام وقراءاتها والبحث في دلالاتها تؤمن لنا إمكانية التوصل إلى مترابطات المشكلة والبحث في الأدمة المولدة لها في سياق المتغيرات المتعلقة بها. ويبدو أن أول دراسة تعرضت لمشكلة عمالة الأطفال قام بها المكتب المركزي للإحصاء بالتعاون مع جامعة دمشق ومعهد فافو النرويجي ومكتب اليونيسيف وجاء فيها أن عدد الأطفال العاملين في سورية من الفئة العمرية (10-17) سنة يقدر بحوالي 621 ألف طفل ويشكل 17،8% من إجمالي عدد الأطفال في هذه الفئة العمرية، وفي حالة استبعاد عدد الأطفال العاملين في مشروعات الأسرة وحيازاتها الزراعية تنخفض هذه النسبة إلى 10%، وتتمثل إشكالية هذه الدراسة أنها تجاهلت من هم دون العشر سنوات، واعتمدت معيار الطفولة على أنه كل ما هو دون الثامنة عشر من عمره، في حين أن القانون السوري يسمح بتشغيل الأطفال بعد سن الخامسة.
وبالتزامن مع هذا المسح، كشف د. نبيل مرزوق في أحد بحوثه عن معطيات إحصائية أكد فيها أن العاملين في الفئة العمرية 10-14 سنة يشكلون 3% من إجمالي قوة العمل في البلاد وترتفع هذه النسبة في الريف لتصل إلى 4،2% من قوة العمل.
وما خلا هاتين المحاولتين، لم تجر أية محاولات أخرى لتحديد حجم المشكلة، بل جرى التطرق إليها في سياق علاقاتها كأحد المترابطات لمشكلات أخرى كالفقر والتعليم وغيرهما.
جدير هنا الإشارة إلى رسالة ماجستير قدمها أ.عبد الله أطوز في جامعة تشرين، وهي عبارة عن دراسة ميدانية في أسباب ونتائج عمالة الأطفال في سورية عام 2005، كشف فيها عن بنية الظاهرة، وشملت عينة الدراسة 6 آلاف طفل وطفلة يعملون، وتتراوح أعمارهم بين (8-14) سنة (3840 طفلاً و2160طفلة)، وأظهرت الدراسة أن عدد الذكور العاملين أعلى من عدد الإناث إجمالاً، وأنه في الفئة العمرية (8-9) سنوات فاقت عمالة الإناث حجم عمالة الذكور أما في الفئة العمرية 12-14 سنة فإن حجم عمالة الذكور فاقت حجم عمالة لإناث، وتدرجت نسبة عمالة الأطفال من 9،3 في الفئة العمرية (8-9) سنوات، إلى 16% في فئة (10-11) سنة، وقفزت إلى 74،7% في فئة (12-14) سنة، أي أن نسبة الأطفال العاملين في الفئة الأخيرة شكلت حوالي ثلاثة أضعاف نسبتهم في الفئتين الأوليتين مجتمعتين.
أما من حيث مكان الإقامة فأظهرت الدراسة فجوة الريف/المدينة، إذ أن الأطفال العاملين المولودين في الريف شكلوا حوالي أربعة أضعاف الأطفال العاملين المولودين في المدينة (78% ولدوا في الريف مقابل 22% ولدوا في المدينة) ومع ذلك، فإن نسبة المقيمين في المدينة منهم هي 42% مقابل 58% يقيمون في الريف، وهو ما يعطي مؤشراً على حجم الهجرة إلى المدينة وآثارها على الأطفال.
ومن حيث الوضع الاقتصادي للأسرة، بينت الدراسة أن 6% من الأطفال العاملين فقدوا والدهم، و26% منهم لا يحصل آباؤهم على أجر شهري، و30% يتقاضى آباؤهم أقل من 4000 ل.س شهرياً، و32% يتقاضى آباؤهم 4-6 آلاف ليرة، و4% يتقاضى آباؤهم 6-8 آلاف ليرة، و5% أجر آباؤهم 8-10 آلاف، و0،5% يزيد الأجر عن 10 آلاف ليرة، وهو ما يشير إلى أن العلاقة بين عمالة الأطفال والوضع الاقتصادي للأسرة قوية وعكسية، فكلما تدنى مستوى الأسرة الاقتصادي ازدادت نسبة الأطفال العاملين فيها.
وأظهرت الدراسة ارتباطاً قوياً بين عمالة الأطفال والمستوى التعليمي للوالدين، مُبَينَةً أن 6% منهم فقدوا والدهم، و4% فقدوا والدتهم، و60،05 من أسرٍ الأب والأم فيها أميان أو ملمان، و10،33% من أسر الأم والأب فيها شهادة إعدادية، و3،28% الأب والأم شهادة ثانوية، و1،0 جامعة فما فوق.
أما من حيث ارتباط ظاهرة عمالة الأطفال بالتعليم، فإن الدراسة لم تستطع تقديم علاقة مباشرة أو ارتباط مباشر بينهما، ولعل سبب ذلك يعود إلى إلزامية التعليم الابتدائي والأساسي فيما بعد، وبالتالي فإن وجود الطفل في المدرسة لا يشير بالضرورة إلى أنه خارج سوق العمل، بل قدمت توصيفاً لواقع علاقتهم بالمدرسة مُبَينَةً الميل الواضح لديهم للتخلي عن التعليم مع اقترابهم من تجاوز مرحلته الإلزامية، وهكذا فإن 13% منهم دخلوا العمل مباشرة دون خوض تجربة التعلم في المدرسة، و52% منهم مقيدون رسمياً في المدارس، لكنهم تركوها وتفرغوا للعمل و35% منهم يجمعون بين الدراسة والعمل، وجَمَعَ 85،2% من أطفال الفئة العمرية (9-8) بين الدراسة والعمل، وانخفضت النسبة إلى 75،7% في الفئة (10-11)، ووصلت إلى20% في فئة (12-14)، بينما بلغت نسبة الأطفال ممن تركوا المدرسة في الفئة الأخيرة إلى 66،2%.
وإجمالاً، يشير تقرير التنمية البشرية الثاني2004، الصادر عن هيئة تخطيط الدولة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى ضعف العلاقة المباشرة بين التعليم وعمالة الأطفال، إذ جاء فيه بالاعتماد على إحصاء استبياني صادر عن مسح صحة الأسرة السورية 2002، أن في قائمة أسباب عدم الالتحاق بالتعليم أو التسرب منه للأطفال في سن (6-14) غير المقيدين في المدارس هو عدم الرغبة في التعليم بنسبة 35%، تلاه ثانياً عدم النجاح بنسبة 17،4%، أما العمل فجاء ثالثاً بنسبة 14،2%، بينما جاء سبب الكلفة العالية في أواخر الأسباب بنسبة 3%، وهذا يعني أن المدرسة والنظام التعليمي يشكلان في المقام الأول بيئة طاردة للتلاميذ، وأن الهدف أو السبب الرئيس لترك المدرسة ليس العمل، مع أن هذا التسرب المدرسي يقذف في المآل النهائي المتسربين إلى سوق العمل قبل أن يغادروا سن الطفولة.
على أية حال، سلط التقرير الضوء على واقع التعليم الأساسي (الابتدائي والإعدادي سابقاً) الذي يشمل معظم سن الطفولة مبيناً أن معدلات الالتحاق بصفوف السنة الأولى من نموذج التعليم الأساسي عند بدء تطبيقه عام 2002-2003 لم تتغير، بينما زاد عدد الملتحقين بالصف السابع الأساسي (الأول الإعدادي سابقاً) من 78% إلى 81%، مما يعني أن 19% من أطفال الثانية عشرة لم يلتحقوا بالمدرسة.
وبالمقارنة بين نسب التسرب عام 2001-2002 (8% ابتدائي و23% إعدادي) ونسب التسرب عام 2002-2003 (7% سنوات التعليم الأساسي الست الأولى و21% السنوات الثلاث الأخيرة منه)، لا تزال نسبة غير الملتحقين مرتفعة ومقلقة، خاصة لدى الإناث وأطفال الريف، وتدل على حرمان أكثر من ربع أطفال سورية من التعليم الأساسي، وارتداد قسم كبير منهم، ممن تسرب، إلى مجرد الإلمام بالقراءة والكتابة، أو أحياناً النكوص إلى الأمية التي لم تزل نسبتها حتى عام 2004 مرتفعة، وتقدر رسمياً بحدود 19%، وبالاستعانة بنتائج مسح صحة الأسرة السورية فإن نسبة عدم الالتحاق بصفوف مراحل التعليم الأساسي تتزايد اعتباراً من عمر ال12 سنة لتصل إلى 36% عند عمر ال14، وهي لدى الذكور أقل من مثيلاتها بين الإناث، وتزيد في الريف عنها في الحضر بعد عمر ال12 سنة، بل إن نسبة الالتحاق الصافية بالمستوى الإعدادي تتناقص بحدة إلى 53،4% على المستوى الوطني، سيما في الريف.
ويبين التقرير أن نسبة الأمية بين الأطفال الإناث الريفيات من عمر (10- 15) عاماً تصل إلى ضعف نسبتها بين الذكور (أي 3،92% مقارنة ب 1،32%) سواء كانوا فقراء أو غير فقراء، موضحاً أن مسح إنفاق الأسرة السورية ودخلها أكد أن المناطق الريفية شهدت فجوة نوعية مرتبطة بتمييزات مفهوم النوع الاجتماعي أكبر من فجوة الفقر، وهو ما يؤدي إلى تفاعل الفقر مع النوع لينتج فجوة كبيرة في التحاق الفقراء بالمدارس.
مع ذلك، أشار التقرير بشكل عابر إلى مترابطات الفقر- التعليم - عمالة الأطفال، مستعيناً بمسح خريطة الفقر في سورية، ومستنتجاً أن الفارق بين الأسر الفقيرة وغير الفقيرة من حيث نسبة الأطفال غير المسجلين في المدارس في كل من الريف والحضر يصل إلى أكثر من نقطتين مئويتين، حيث تزداد احتمالات العمل بين الأطفال والشباب في الأسر الفقيرة، وتصل نسبة الأطفال الذكور بين (16-14) عاماً الذين لم يتم تسجيلهم في المدارس إلى 15% مقارنة بنسبة 10% في الأسر غير الفقيرة، وتزداد المعدلات عن ذلك قليلاً بالنسبة إلى الفتيات.
عموماً، رغم ارتفاع معدلات التوسع الكمي والأفقي فإن نسبة حصة التعليم من الموازنة العامة خلال فترة 1983-2000 بلغت 7%، ولم تقفز هذه النسبة إلى الضعف إلا بدءً من عام 2001، حيث زادت نسبة الإنفاق الحكومي من 7،6% عام 83، إلى 15% عام 2002، وتراجعت موازنة التعليم ما قبل الجامعي إلى الموازنة العامة للدولة من حوالي 13% عام 1989 إلى 10،35% عام 1999، لتصبح 11،8% عام 2002، وقابلتها زيادة في عدد المتعلمين في كافة مراحل ما قبل التعليم الجامعي بزيادة تساوي 25% تقريباً، وبارتفاع في الأسعار يزيد عن 10% خلال الفترة المدروسة. أي أن موازنة التعليم هي في تراجع من الناحية الفعلية، وإن ازدادت رقمياً في بعض السنوات.
على أية حال تؤكد دراسة الفقر في سورية 1996-2004 أن التعليم هو أكثر المتغيرات ارتباطاً بالفقر في سورية، وأن أكثر من 18% من السكان الفقراء أميون، ووصل الفقر إلى أعلى معدلاته وأكثرها عمقاً وحدة بين هؤلاء الأشخاص، كما ارتبط الفقر عكسياً بمستويات التعليم، فمن شأن أي تحسن وإن كان متوسطاً في التعليم أن يقلل من صفوف الفقراء، وكانت الاختلافات في نسبة الفقراء فيما يتعلق بالحالة التعليمية واسعة، فتراوحت بين 11،7% بين الأميين في المناطق الحضرية إلى 1،5% بين خريجي الجامعة، أما المعدلات المقابلة في المناطق الريفية فكانت 16،5% و5% على التوالي، كما عزز الفقر من تدني التعليم ممال أدى إلى دائرة مفرغة بينهما.
كما أشارت دراسة الفقر إلى تفاعل الفقر مع النوع الاجتماعي لينتج فجوات واسعة في مستويات القيد بالمدارس بين الفقراء، ونتيجة ذلك لوحظت معدلات منخفضة لالتحاق الفتيات بالمدارس، والمرجح أن تكون الفتيات في الأسر المعيشية الفقيرة بالمناطق الريفية من الأميات بغض النظر عن نوع رب الأسرة المعيشية.
ومن أبرز نتائج الدراسة هو ازدياد الفجوة الإقليمية، والفجوة الريفية الحضرية بشكل عام، واعتبارها التعليم مسبباً ضعيفاً للفقر في المناطق الريفية لأن الصورة العامة للفقراء وغير الفقراء فيه لا تختلف كثيراً، في حين تزداد الفجوة التعليمية بين الفقراء وغير الفقراء في المناطق الحضرية، إذ تقل نسبة الحاصلين على تعليم ابتدائي فيها عن 80% في حين تصل النسبة بين غير الفقراء إلى 62%.
من جهة أخرى أشارت الدراسة إلى أن نسبة الأطفال العاملين في حضر الأقاليم الفقيرة (أقاليم الشمال والشمال الشرقي) وصلت إلى 2،52 من إجمالي الأطفال بين 6-15 عاماً.
وهكذا يتضح أن الغالبية العظمى من الفقراء لم تحصل سوى على تعليم ابتدائي على الأكثر، أو لم تحصل على أي قدر من التعليم، حيث وصلت نسبة الفقراء الذين لم يحصلوا سوى على تعليم ابتدائي أو أدنى إلى 81،3% من إجمالي الفقراء، في حين لم تصل نسبة الفقراء الحاصلين على تعليم جامعي بين الفقراء إلى 1%.
على أية حال، من الطبيعي أن ينال الفقراء، وفق مؤشرات الدراسة، الحصة الأدنى من التعليم، فمؤشرات الفقر الإجمالي تتحدث عن نسبة تصل إلى 30% من السكان بين مؤشري خط الفقر الأدنى والأعلى، وإلى 19% من السكان يتعرضون لفترات فقر عابرة، في حين تؤكد المؤشرات الإجمالية للتعليم أن ثلثي السكان في سورية هم نسبة الحاصلين على التعليم الأساسي (من الحضانة إلى السنة التاسعة) أو ما دون في عام 2003-2004، وأن نسبة الأميين (10 أعوام فأكثر) بلغت 14% من إجمالي السكان، بينما الحاصلين على تعليم ابتدائي أو القادرين على القراءة والكتابة 55،7%، والتعليم الثانوي 8،7%، والجامعي 3،5 % فقط.
إذاً، يمكن القول إن انتشار الفقر وإعادة إنتاجه موسعاً هو العامل الأساسي المحرك لظاهرة عمالة الأطفال في سورية، وهو ناتج بالتأكيد عن سياسات واستراتيجيات حكومية اقتصادية فشلت في ظل الاقتصاد الموجه عن تحقيق التنمية، وفشلت أكثر تحت مظلة الانفتاح الجارية واقتصاد السوق الاجتماعي في توجيه المقدرات نحو النمو المستدام، والدليل أن معظم المشكلات وجدت لها ارتباطات ومؤشرات مع مناطق انتشار الفقر كالهجرة من الريف إلى المدينة وعدد أفراد الأسرة ومستوى التعليم وظواهر التفكك الأسري، أو الأصح، هي نتاج مباشر لمشكلة الفقر، لكنه تعود بالمقابل للمساهمة في تعميقه.
ويمكن إجمال النتائج على النحو التالي:
عمالة الأطفال في سورية ليست محددة بدقة من حيث الحجم، ولا يمكن اعتبار نسب التسرب من المدارس كمعيار مباشر للظاهرة، لأن هناك الكثير من الأطفال يجمعون بين العمل والدراسة، إضافة إلى أن التسرب قد لا يكون بالضرورة للعمل، بل لأن البيئة التعليمية والمدرسية طاردة للتلاميذ، مع أن المصير النهائي للمتسربين هو سوق العمل قبل تجاوز سن الطفولة، ومن جهة أخرى، يعتبر الفقر المحرك الرئيس لانتشار هذه الظاهرة، سيما أن السياسات الحكومية ترسخ اللامساواة، إذ أن النمو على المستوى القومي ليس مواليً للفقراء وارتفعت اللامساواة في سورية بشكل عام بين 1997-2004 (ارتفع مؤشر جيني من 0،33 إلى 0،37) وفي عام 2003-2004 استهلك ال20% الأدنى من السكان 7% فقط من كافة الإنفاق في سورية واستهلك ال20 % الأكثر ثراء 45%، وتلعب تقليدية التعليم ومؤسساته وعدم قدرتها على مسايرة التطورات وانخفاض كفاءته الداخلية والخارجية دوراً في تثبيط حوافز متابعة التعليم أو التمسك به بوصفه قيمة اجتماعية واقتصادية، سيما أن مشكلة البطالة طالت حتى خريجي الجامعات، بل إن تقرير التنمية البشرية لعام 2004 ذكر، حول التعليم والعائد، أن من الأجدى اقتصادياً للفرد الاكتفاء بالشهادة الإعدادية وأن يبدأ العمل بعدها مباشرة لأن الدخول الإضافية التي يمكنه الحصول عليها بعد الشهادة الثانوية لا تعوّض الدخول التي تضيع عليه في تحضيره لتلك الشهادة الثانوية، وهذا ناتج عن قلة فرق الدخل بين الشهادتين. أما جدوى الانتقال من المرحلة الثانوية إلى الجامعية فهو أيضاً سالب وغير مجدٍ اقتصادياً وبالتالي الأفضل الاكتفاء بالثانوية.
الأخطر من ذلك، هو الثقافة التي يكتسبها الطفل في سوق العمل، والمقصود هنا مجموعة القيم وقواعد السلوك وأنماط التفكير التقليدية التي تمنعه راهناً ومستقبلاً عن تنمية مداركه ومسايرة التطورات المتسارعة التي قد تطرأ على سوق العمل.
في دراسة أعدتها د. نفيسة الصباغ بعنوان الاستثمار في إلغاء عمالة الأطفال جاء أن إنهاء عمالة الأطفال في العالم وتقديم خدمة تعليمية لائقة لهم يتطلب 139 دولاراً للطفل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أي أن إلغاء عمالة الأطفال في مصر ستكلف 2 مليار دولار و870 ألف، لكنها ستعود بفائدة تقدر بحوالي 124 مليار دولار أمريكي سنوياً في الدول الأقل تقدماً، وستكون أعلى في أمريكا اللاتينية حيث تصل إلى 330،6 مليار وفي جنوب الصحراء الإفريقية 584،4 مليار، أما في شمال إفريقيا والشرق الأوسط 444،4 مليار دولار.
وتوصلت الدراسة إلى أن العائد النهائي بعد عشرين عاماً من التطبيق ستختلف تبعاً للمنطقة وكثافة عمالة الأطفال فيها وتكاليف العملية التعليمية، وستكون في الدول الأقل تطوراً حوالي 5% من النمو السنوي للدخل القومي، وبالنسبة لدول أسيا ستكون 28%، وأمريكا اللاتينية 9%، وجنوب الصحراء الإفريقية 54%، أما في شمال إفريقيا والشرق الأوسط فستكون الفائدة حوالي 23% من الزيادة السنوية للدخل القومي.
هذا يعني أن مجالاً جديداً خصباً للاستثمار انفتح أمام راسمي السياسات الاقتصادية في سورية، لكنه، بكل أسف، سيبقى في آخر قائمة الاهتمام لأن مادته الرئيسة وهدفه النهائي هو الإنسان.

المراجع
1- أسباب ونتائج عمالة الأطفال|دراسة ميدانية- عبد الله أطوز، جامعة تشرين 2005
2- التقرير الوطني الثاني عن التنمية البشرية 2004 – برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
3- الفقر في سورية: 1996-2004 – هبة الليثي
4- مسح صحة الأسرة السورية 2002
5- الاستثمار في إلغاء عمالة الأطفال- إعداد نفيسة الصباغ


معن عاقل- (عمالة الأطفال في سورية: أكثر من نصف السوريين قادرين على القراءة والكتابة فقط! والجامعيين 3.5 %!)

تنشر بالتعاون مع كلنا شركاء (25/10/2007)

 
< سابق   تال >

أبواب نساء سورية
الصفحة الرئيسية
مرصد العنف
قضايا المرأة
العنف ضد المرأة
قضايا الطفولة
العنف ضد الأطفال
قضايا الأسرة
قضايا الرجل
قضايا المعوقين
المراهقة والشباب
حياتنا الجنسية
قضايا الإيدز
التدخين والمخدرات
قضايا صحية
تربية وتعليم
سكان، تنمية، بيئة
مجتمعيات
فلسفة ورأي
حوار مفتوح
فن وثقافة
إبداعات حرة
كتابك المجاني
كتب وإصدارات
دراسات قانونية
قوانين واتفاقيات
تقارير ووثائق
سؤال وجواب
نشاطات
قضايا الجمعيات
مرصد الإعلام
أدلة وتدريبات
تعاريف ومصطلحات
الاتجار بالبشر
زوايا نساء سورية
زاوية حادة
سكر نساء
بين السطور
وإلى موعد آخر.. كل أحد
همسات صارخة
قالت لي العصفورة
مواطنيات..
شغفي..
علم نفس واجتماع
مقالات ودراسات
رسائل وحلقات بحث جامعية
مراجع باللغة العربية
مراجع باللغة الانكليزية
سير ذاتية
دورات، محاضرات، نشاطات
صفحات أساسية
أرشيف الافتتاحية
سيرة ذاتية للكتاب
كاريكاتير
صفحات خاصة بالجمعيات
رابطة النساء السوريات
مركز البحوث والدراسات
المركز الإنجيلي لرعاية المسنين
نادي دوحة الميماس
إحصائيات المرصد
عدد المقالات: 5999
عدد القراء: 3600363



© 2008 SWO
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.