|
المحامي ناصر الماغوط
|
|
2007-11-04 |
جاءت إلى مكتبي وقالت لي: شوف يا أستاذ انت محام وسأقول لك كل شيء. تزوجت قبل عشر سنوات، وسكنت مع زوجي في منزل مستأجر خلال السنوات الخمسة الأولى من زواجنا.
ومن راتبي ومن راتب زوجي ومن خلال القروض التي كنا نحصل عليها من البنوك استطعنا بناء منزل متواضع، وأثثناه بشكل معقول وصار عندنا ثلاثة أطفال. ولا أزال حتى الآن أدفع من راتبي للمصرف لتسديد أقساط المنزل الذي طردني منه زوجي مؤخرا بعد أن تفاقمت خلافاتنا وقال لي بأنه سوف يرسل لي ورقة الطلاق على عنوان منزل أهلي، وقال لي أيضا بالحرف الواحد: مهرك (ويبلغ مائتي ألف) على صرمايتي سأدفعه لك على الداير بارة. طبعا تركت له المنزل لأنه باسمه وذهبت مصطحبة أولادي إلى بيت أهلي. فما العمل؟. قلت لها مطمئنا إياها: من هذه الناحية لا تقلقي، فسأثبت للمحكمة بأنك قد دفعت نصف سعر المنزل وأحصل لك حقوقك. انفرجت أساريرها وقالت لي: ياسلام، كتر الله خيرك، وهل يمكن اتخاذ هذا الاجراء بشكل سريع؟ قلت لها طبعا لا، لكنها دعوى مدنية ستأخذ عشر سنوات على الأقل. فردت ساخرة: عيش يا كديش. وخلال هذه العشر سنوات أين أذهب. قلت لها تذهبين إلى حيثما تريدين أنت حرة.. امرأة أخرى قالت لي بأنها كانت موظفة عندما تزوجت من شخص قريب منها يعمل في مهنة حرفية حرة يكسب منها قوت يومه. يوم يعمل ويوم لا يعمل بينما كانت هي ذات دخل ثابت. وعندما توفي والدها حصلت على ورثة متواضعة أعطتها لزوجها واشترى منزلا مقبولا سجله باسمه على أساس أنه لافرق بينهما. فهمت بقية القصة وقاطعتها قائلا بأن القانون لا يحمي المغفلين. وتابعت قائلة أنها بعد كله هذه السنوات التي كانت خلالها تصرف على المنزل بينما هو نادرا ما كان يصرف لضيق ذات يده. ومع تزايد الخلافات وتفاقمها أخيراقررا الانفصال، فتركت المنزل يدا من أمام ويدا من وراء حاملة حقيبة ضبت فيها ثيابها. والأنكى من ذلك أن المهر المذكور في عقد الزواج هو مائة ألف ليرة سورية لأن الجماعة كانوا " أوادم" بنظر والدها، أثناء إجراءات عقد الزواج. التقيت بامرأة ثالثة في القصر العدلي قالت لي بأنها تزوجت من شخص أوضاعه المادية مقبولة، وبعد الزواج تركت وظيفتها بناء على اقتراح من زوجها. وللأمانة -كما قالت- بأن زوجها لم يجبرها على ترك العمل لكن اقتراحه لاقى قبولا عندها خصوصا أنها في البداية شعرت أن زوجها طيب وابن حلال و شعرت بالاستقرار معه وأرادت أن تتخلص من الشحشطة اليومية في الميكرويات من أجل الذهاب إلى الوظيفة فتتفرغ لعمل المنزل وتلبية حاجات الأطفال في المستقبل لأنها كانت قد دخلت مرحلة الحمل. وأنجبت الولد الأول والثاني مع أن الخلافات بدأت بالازدياد فيما بينهما حتى وصلا لنقطة يستحيل بعدها مواصلة الحياة المشتركة. وقررا الطلاق. وها هي تعود إلى منزل أهلها وقد خسرت وظيفتها وهي بانتظار نهاية دعوى التفريق لتحكم لها بالمهر والنفقة، وكل المهر كما قالت لا يشتري لها غرفة في منطقة مخالفات. والكثير الكثير من أمثال هذه القصص غالبا ما تكون المرأة هي الضحية فيها. وما من يوم يمر إلا ويتم سحق عشرات النساء من قبل محاكمنا التي تحكم بموجب قانون أحوال شخصية موروث عن الحقبة العثمانية، أو قانون مدني يعمل ضمن آلية بيروقراطية تشكل العدالة أخر هم القضاة القائمين على تطبيقه. تحصل المرأة في مجتمعنا بعد الطلاق، في أحسن الأحوال، على كامل المهر الذي غالبا ما يكون متواضعا. وفيما لو أرادت المرأة أن ترفع دعوى مدنية لمطالبة مطلقها بحقوق مدنية أخرى تدعي عليه بها استنادا إلى المانع الأدبي المنصوص عنه في قانون البينات لأخذت الدعوى ربما عقودا من الزمن لأن المحاكمة هناك على ثلاثة مراحل. بداية واستئناف ونقض. وقد يكون محامي الزوج فهلويا وشاطرا، وفهمكم كفاية، فيكسب الزوج الدعوى ويرد طلبات الزوجة المدعية. فتروح عليها كما راحت على أمهاتها وجداتها من قبلها. فما العمل؟ في الغرب، هذه الدول الاستعمارية الإمبريالية الكافرة، تم حل هذه المعضلة على اعتبار أن عقد الزواج هو بمثابة عقد شراكة بين الزوجين. وتستمر هذه الشراكة ما دامت الحياة الزوجية قائمة. وفي حال تم الطلاق أو الانفصال، يتم حل هذه الشركة ويجري تقاسم كل ما اكتسبه الزوجان بعد الزواج فيما بينهما. طبعا هناك اعتبارات عديدة يأخذها القضاة لدى النظر بقضية التعويض الذي تستحقه المرأة بعد الطلاق منها مدى مساهمة كل من الزوجين في مؤسسة الزواج وما كسبه كل منهما وكيف كانا وكيف صارا الخ.. وبناء عليه، يتم الحكم للمرأة بتعويض لا يمكن أن يبخسها حقها كما هو الحال عندنا. وللعلم، فقد نص قانون الأحوال الشخصية السوري على حق المرأة بتعويض يعادل نفقة ثلاثة سنوات إذا ما تبين للقاضي أن الزوج متعسف في استعمال حقه بالطلاق وأن الزوجة سيصيبها فقر وفاقة من جراء هذا التعسف. وإذا كان معدل النفقة الشهرية الذي تحكم به المحاكم هذه الأيام هو حوالي ألف ليرة سورية. فالتعويض في هذه الحالة يساوي مبلغ ستة وثلاثين ألف ليرة سورية. صدقوا أو لا تصدقوا. لا نريد أن نتحدث عن الكسب الكبير الذي تحققه المرأة التي تتزوج في الغرب من أحد المشاهير الأثرياء، لكن دعونا نتحدث فقط عن الزواج في أوساط الطبقة الوسطى. على الأقل في مثل هذا الزواج تحصل المرأة على حقوقها كاملة. فإذا كانا يعملان معا وساهما في شراء المنزل والاثاث وكل الأشياء الأخرى، وحصل الطلاق فإنها على الاقل تأخذ معها ما جلبته وما ساهمت به هي. قد يقول قائل بأن النفقة الزوجية حسب القانون في بلادنا هي على الرجل، بمعنى أن المرأة إذا ما كانت ميسورة أو موظفة باستطاعتها ان توفر دخلها وتترك الإنفاق على زوجها وبذلك تتخلص من احتمال هضم حقوقها يوما فيما لو حصل طلاق فتكون طوال مدة حياتها الزوجية لا اشترت ولا باعت. هذا صحيح وجائز من الناحية القانونية لكن هل هذا منطقي وقابل للتطبيق؟ من يستطيع أن يتصور أن امرأة عاملة يمكنها أن تضع راتبها في البنك بينما يقوم زوجها بتغطية كل النفقات سواء كان قادرا على ذلك أم لا؟ الكلام حول أن النفقة الزوجية هي على الرجل موروث قديم منذ كانت المرأة عبارة عن خادمة في المنزل يتلخص دورها في تربية الأولاد وخدمتهم بينما يعمل الرجل في الزراعة أو التجارة ويعود إلى منزله ليجد جاريته أو خادمتة أو زوجته بانتظاره لتلبية طلباته وحاجاته. اليوم الوضع مختلف. خصوصا إذ أخذنا بعين الاعتبار مطالب الحياة المتنامية، وأن الممجتمع الحديث بحاجة لكامل قواه العاملة من رجال ونساء. ولا يفوتنا أن نذكر بأن أكثر من تسعين بالمائة من السكان في العالم هم من الطبقة الوسطى أو الفقيرة، وبذلك لايمكن أن نتصور أن تعمل المرأة ثم تعود لتنتظر أن يقوم زوجها بالصرف عليها وعلى المنزل مع أنه من المستحيل في عالم اليوم الاعتماد على مصدر دخل واحد. وفي جميع المجتمعات يعمل الرجل والمرأة جنبا إلى جنب. وكما هما شريكان في الدخل هما أيضا شريكان في الإنفاق الذي يفترض فيه أن يقوي ويعزز الحياة الأسرية نظرا لما يتضمنه من معاني التعاون والتآلف والتفاهم والانسجام بحيث يشعر كلا الزوجين أنهما منتجان ومساهمان في عملية بناء المنزل وتربية الأولاد وإعالتهم الخ.. فلو تصورنا أن المرأة قالت لزوجها بأنها سوف تخبئ راتبها في المصرف لأن النفقة هي على الزوج، أليس هذا كافيا بحد ذاته لأن يزعزع الأسرة، ويخرب الثقة التي يفترض أن تكون موجودة بين الزوجين؟ أو تصوروا كم سيكون الأمر مضحكا لو أن المرأة صرفت إلى جانب الزوج، لكنها راحت تطلب منه ومن البائع إيصالات عن كل سلعة تشتريها كإجراء احتياطي وقائي تحسبا لحصول طلاق في المستقبل ليتمكن القاضي من معرفة حجم المساهمة التي قدمتها ليحكم لها به إضافة إلى المهر. وبالمناسبة حتى هذا الموضوع هو اختصاص مدني تختص فيه محاكم مختلفة عن المحاكم الشرعية المختصة فقط بالزواج والطلاق وآثاره. المرأة التي هي أمنا وأختنا وحبيبتنا شريكة أساسية لنا في هذه الحياة. ولا يمكن أن تستقيم حياتنا بدون المرأة، وهذا "بعلم كرِّنا" كما يقال، ومن المؤسف أن نحتاج أن نكرره اليوم في هذه الساعة المتأخرة من نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. ومن المعيب أننا لا نزال نطالب لأنفسنا ولنسائنا بحقوق صارت من منسيات العالم المتطور، وهي من المسلمات وراسخة راسخة رسوخ الجبال والمحيطات والأهرامات. ولا يزاودن أحد علينا في موضوع الدين. قانون الاحوال الشخصية مستقى من العهد العثماني، أدنى درجات الإنحطاط في تاريخ العالم الإسلامي وهو كله مستند إلى اجتهادات وأراء فقهية عمرها أكثر من ألف عام، وليس عيبا ولا حراما أن نسن قوانين عصرية حتى لو كانت مخالفة للسلف الصالح الذي أفتى وقضى بما يتناسب مع عصره وزمانه بينما لنا عصرنا وزماننا المختلفين عن ذلك العصر الذي لا يمكن أن تكون اجتهاداته ملزمة لنا. أخيرا نتوجه لجيمع المهتمين من الزملاء المحامين والقضاة والأخوة أعضاء مجلس الشعب المختصين للإدلاء بآرائهم لإغناء هذا الموضوع، مع الشكر الجزيل للجميع.
المحامي ناصر الماغوط، (دفاعا عن المرأة)تنشر بالتعاون مع كلنا شركاء (24/10/2007) |