SWO
 
اتصل بنا | من نحن | النشرة البريدية | مواقع مهمة | شارك معنا | ابحث في المرصد

المعرفة حق لجميع الناس

الحملة الوطنية: أوقفوا قتل النساء! أوقفوا جرائم الشرف!

منتدى الحوار
منتدى نساء سورية
لا للعنف ضد المرأة
قل لا للعنف ضد المرأة
استطلاع نساء سورية
هل انت مستعد للامتناع عن استخدام كلمات مثل: معوق، متخلف عقليا، كسيح.. بهدف الإساءة إلى شخص أو فكرة؟
 
خط الثقة

 انقر هنا..
أوقفوا جرائم الشرف
الوثيقة الوطنية
إدانات..
شركاء..
مقالات..
فهرس الأسماء الموقعة
أضف توقعيك
حق الجنسية
من أجل قانون جنسية عادل
Languges
English
Français
Deutsch

خدمة RSS


لماذا باب؟ ولماذا حارة؟! طباعة أخبر صديق
بانة الصفدي   
2007-11-04

لأنني لا أعتبر نفسي من الأشخاص الذين تهمهم التفاصيل كثيراً، حاولت التنقيب فيما يكمن خلف المشاهد في العلاقات المتخفية وراء ما نراه وندركه بسهولة.

 في العمق الذي هو بحاجة دائماً إلى الإمعان في التفكير بعيداً عما يمكن لمسه ومشاهدته. في الرموز المتخفية وراء لماذا باب ولماذا حارة ....؟ هذان السؤالان كانا بوابة الانطلاق.
تفكيك الرمز دائماً بحاجة إلى جهد فالباب يمكن أن يكون رمزاً لأشياء عديدة ومن الممكن أن يتخذ صوراً عديدة. لكن الرمز بشكله العام لابد من أن يحمل خصائص عامة أو بالأحرى خطوطا عريضة الأمر الذي يمنحه خاصية التكثيف.
ومن هنا يمكن للباب أن يرمز لما هو كائن في جسد المرأة مثلاً، وبالتحديد عندما تكون حاملاً حيث ينغلق الرحم لحماية تطور ونمو الجنين، وعندما يحين الوقت ينفتح الرحم (تنفتح البوابة) لتهيئ لخروج الجنين إلى الخارج، إلى الحياة.. وبعبوره هذه البوابة الرحمية تبدأ انطلاقته الأولى من الداخل نحو الخارج.. وإذن فالباب هو مكان العبور من حالة داخلية محمية إلى حالة خارجية غير محمية... لذلك يمكن لنا أن نرى الباب في هذه الحالة، وفي حالات عديدة، أخرى حاجزاً يفصل بين الداخل والخارج....
يستقبل الجنين الحياة بصرخة منذ تلمّسه تغيراً في درجة الحرارة، والأهم المباشرة بالتنفس باستقلالية بعيداً عن جسد الأم الذي كان يمده دائماً بالغذاء والأكسجين اللازم لنموه وتطوره.
إنه انتقال من شكل معين من حياة اتكالية إلى شكل آخر أقل اتكالية... وبحسب ما يفيد بعض علماء النفس يتخذ حنين العودة إلى الرحم مضمون رغبة لاشعورية تبقى غائصة في لاشعور المرء لا تفارقه مهما تقدم به العمر..
وحتى على صعيد علم الآثار فقد تم العثور في بعض الحضارات القديمة المكتشفة على هياكل عظمية لأناس دفنوا في الوضع الجنيني، الأمر الذي يساهم في التأكيد على مدى عمق هذه الرغبة اللاشعورية في الوجود الواعي للإنسان....
بالطبع يخرج المولود من رحم الأنثى إلى رحم رمزي أكثر اتساعاً هو الأسرة التي يحتاجها لتمده بالغذاء اللازم وحضانته في فترة سنوات طفولته الأولى والأهم حمايته من الخارج المليء بالأخطار...
إذن فالباب وبالتحديد باب الحارة يمكن أن يكون في هذه الحالة باباً رمزياً، والحارة في هذه الحالة يمكن أن تتخذ رمزيا صورة الأسرة الكبيرة الممتدة، حيث يقرر العديد من شؤونها رجل قوي (الزعيم/ العكيد) وكما هو معروف كانت الأسر الممتدة هي المألوفة، حتى وقت قريب، في مجتمعاتنا ولازالت منتشرة، حتى اليوم، في بعض البلدان.
وبالطبع لابد من أن تخضع أي أسرة إلى مجموعة من القيم والقواعد تنظم العلاقة بين أفرادها ومن خلال هذا التسلسل الهرمي يخضع كل فرد منها لشكل من أشكال السلطة حسب العمر والجنس و... إلخ. وبالمقابل، فمن المحتم أن تكون اللحمة بين أفراد هذه الأسرة قوية إلى درجة ما، وسر قوتها يكمن أولاً في حصر تواجدها في مكان يفصله عن الأماكن الأخرى وجود الباب الذي ينفتح وينغلق على ما يحتويه العالم الخارجي.
وإذا كانت حالة خروج الجنين من الرحم حالة غير اختيارية بل أمرا حتميا تحكمه قوانين طبيعية. ومع أن نمو جسد الفرد الإنساني وتطوره أمران لا مفر منهما، إلا أن الوجود الداخلي السابق، للجنين، تحمله الذاكرة اللاشعورية الفردية وتتوق إليه. ومع ذلك فهذا لم يمنع الذاكرة، التواقة للعودة إلى الرحم، من أن تجد منفذها المناسب، من خلال هذه الرغبة اللاشعورية ذات الطابع النكوصي، عن طريق استثمارها أفكار الإنسان الواعية.
لهذا يمكن لنمو الجسد وتطور الإنسان أن يأخذ منحىً معاكسا للنمو والتطور الفكري الذي من الممكن كثيراً أن تتحكم به قوى ورغبات لاشعورية نكوصية نحو الرحم... نحو الماضي...
مرة أخرى، يبدو الباب على أنه الفاصل أو الحاجز ما بين الداخل والخارج... وعليه فليس هنا ما يمنع من افتراض أن الدافع وراء إنشاء الأبواب محاولة إعادة خلق أو تشكيل الرحم الذي أجبر الكائن الحي الإنساني على مغادرته قسراً ليواجه مصيره في عالم خارجي عدواني ومهدد...
هذا الحنين اللاشعوري للرحم الأمومي من جهة، وفقدان جسد الرجل القدرة على الحمل من جهة أخرى، يمكن أن يكونا دافعين أصليين حفزا الرجل على ابتداع رحمه الخاص في صورة رمزية (العائلة، العشيرة، القبيلة، الحارة، الطائفة) وبالطبع فإنه يعمد إلى تنصيب نفسه السيد الأعلى لهذا الرحم الرمزي، الذي تم إنشاؤه على أساس رغبات لاشعورية جمعية ذات طابع نكوصي، مستبدلاً بذلك القوانين الطبيعية المتعلقة بحالة الحمل والإخصاب بقوانين وضعية وأبواب رمزية تفصل الخارج عن الداخل.
ومن ثمّ، فقد تم تهميش دور المرأة لأنها تملك رحمها الخاص، الخاضع لقوانين الطبيعية. وبالتالي أدى إدراك الرجل، عدم قدرة الرحم الكبير الرمزي الذي أنشأه على الإنجاب، للعمل على حيازة جسد المرأة ليحوز بذلك على خصوبتها المقابلة لدوره الثانوي في إخصابها... وبذلك تحول جسد المرأة من جسد مستقل إلى امتداد لجسد الرجل. وبهذا فقدت المرأة حقها في امتلاك جسدها الذي لم يعد يمثلها بل صار يمثل جسد الرجل.
ومنذ اللحظة التي أعلن فيها الرجل بناء الأبواب صار المجتمع القائم وراءه خاضع لمشيئته الذكورية ولازال التاريخ يذكرنا بأبواب القلاع الكبيرة وأبواب المدينة. هذا الطابع المعماري الذي كان الباب عنصراً أساسياً في وجوده، يعكس، بطريقة أو بأخرى، طبيعة الواقع الذي عمل الرجل على ابتداعه منذ عصور واقع الرحم الكبير، الذي هو دائماً في حاجة إليه لحمايته عندما لا يجرؤ على المواجهة.. فكم من الجيوش اختفت وراء أبواب حصونها؟ وكم من الجيوش خرجت من وراء هذه الأبواب لتواجه عدوها القابع دائماً داخل الأبواب؟.. ولابد من أن التاريخ يذكّرنا أيضاً أنه قبل ابتداع هذا الشكل المعماري للحصون والقلاع، لم تكن المرأة مختفية بل حاضرة ولكن بطريقة مختلفة.
إذن الآن الحارة هي، الأسرة الرمزية الكبيرة الممتدة، والرحم الرمزي الكبير الخاضع لقوانين الرجل الوضعية الهرمية وسطوته، حيث يتشارك جميع الرجال رغباتهم اللاشعورية القابعة خلف أفكارهم. ولذلك فهم يخضعون طوعياً لهذا التسلسل الهرمي، ويقاومون أية محاولة لزعزعة هذا الكيان القائم، هذا الرحم الكبير، هذه الأسرة الكبيرة الممتدة، أو العائلة، أوالعشيرة، أو القبيلة، أو حتى الطائفة...
تشارك النساء الرجال رغباتهم اللاشعورية النكوصية، ولكن امتلاكهن رحمهن الخاص وأسرار خلق الحياة في جوفهن، ربما كانا السبب وراء تنازل المرأة عن مشاركتها في المساهمة الفاعلة في صياغة عالم يشكله الرجال بحسب ِأجساد النساء... وربما كانت نرجسية النساء اللاشعورية هي التي جعلتهن يشعرن بالزهو، وهن يراقبن كيف يبني الرجال عالمهم أو واقعهم في شكل يتناسب مع أجسادهن الأنثوية. وربما لهذا السبب أيضاً تشارك العديد من النساء الرجال دفاعهم عما تم إنشاؤه لأنه يتواءم وهوية أجسادهن الأنثوية... وربما تمثل هذه النرجسية نوعاً من الشعور التعويضي للجسد الذي تم سلبه واستثماره لصالح الرجل...
ولا بد من أن يواجه الرجال نرجسية النساء هذه، ولابد من أن تخلق هذه المواجهة نوعاً مشوهاً من العلاقة التي تربط الرجال بالنساء يستشعرها الطرفان من دون أن يدركا أنها الثمن الموازي لسلب المرأة جسدها.
نرجسية يبرهن على تضخمها مبالغة النساء في مجتمعاتنا، بالتحديد، في التزين والاعتناء بالجسد.
فهل ترى يحق لنا اعتبار أن ما تم إنشاؤه في مجتمعاتنا على أساس صلات رحمية عائلية عشائرية... تحمل طابعاً أو صفة أنثوية مبطنة وليس كما يقال عنها إنها مجتمعات ذكورية بامتياز...؟
وهل استطاعت الأنثى بما يحمله جسدها من أسرار الخلق أن تحقق غايتها في أن تكون ملهمة الرجل لبناء عالم أنثوي متخفٍ وراء الأبواب كما تختفي أسرار الحياة في داخلها..؟
وهل يمكن اعتبار أن الأمر برمته لا يعدو أن يكون سوى تواطؤ لاشعوري لكلا الجنسين اللذين يحملان رغبة لاشعورية نكوصية نحو الماضي، نحو الرحم...؟
في الواقع كثيرة هي الأسئلة التي يمكن اثارتها حول هذا الموضوع، الأمر الذي يدفعنا ربما للتمحيص أكثر في واقع يبدو من الخارج كأنه مليء بالتناقضات.....
مسلسل باب الحارة الذي، أراه، لعب على أوتار لاشعور جمعي حساسة كانت السبب الأساسي في جماهيريته الكبيرة. ولكني في الوقت نفسه، أعتبره بمثابة تنبيه إلى أن بوابات الماضي المنغلقة على نفسها فشلت، بكل ما تحمله من حميمية، في حماية الداخل لأنها بنيت على أساس رغبات لاشعورية عميقة الجذور. والأهم من ذلك أنها ذات طابع نكوصي ارتدادي وليس خارجي اندفاعي. هذا الطابع النكوصي، الذي شكل مرحلة متأخرة من التطور، لم يعد يتناسب مع واقع التطور الحاصل، فما الذي حصل بعد ذلك...؟
تفككت الأسر الكبيرة الممتدة إلى أسر نووية صغيرة وذلك نتيجة حتمية التطور الخاضع لقوانين طبيعية أخرى خاصة بتطور المجتمع البشري، إلا أنه لم يصاحب هذا التفكك، الذي غدا أمراً واقعاً، أي تغيير أو تطوير ذي شأن يذكر، في منظومة القيم والقواعد الناظمة لحياة الناس المتغيرة والمتطورة. الأمر الذي أدى إلى تفكك ظاهري من حيث الشكل، مع استمرار الاحتفاظ بمنظومة قيم تناسب شكل الأسرة الكبيرة الممتدة، وليس الصغيرة النووية من حيث العمق- فلازال الانتماء العائلي، العشائري، القبلي.. إلخ يحظى بأهمية لا يمكن إغفالها في مجتمعاتنا، على سبيل المثال لا الحصر، الأمر الذي لا يتناسب مع هوية إقامة أسرة نووية مستقلة-.
إذاً يمكننا الاستنتاج أن هذا التفكك الظاهري الواقع لم يفلح في قهر قوة الرغبات اللاشعورية، التواقة إلى الماضي، إلى الرحم الأنثوي الذي انفصلت عنه عنوة، ولم تعد ظروف الواقع المتغير المتبدل والمتطور كما في حالة أي ولادة، بالعوامل المساعدة لاسترداد الأبواب التي تهدمت والتي أعلنت عن ولادة بالقسر، وخروج قسري عن دفء الرحم، ودفء الأسرة الممتدة وحميميتها.
ولم يبقَ أمام الذاكرة الجمعية، الممتلئة بذلك الحنين، من سبيل آخر، لإعادة ترميم الرحم الذكوري، الذي بدا أنه مهدد، من الأسرة النووية، بالتقويض سوى الفكر..
من هنا يمكن القول، إنه من على أنقاض الأبواب التي تهدمت، بدأ الفكر القومي بالتبلور ليشكل البديل المناسب لما جرى هدمه نتيجة التطور الحتمية، وكنتيجة محتّمة لولادة آن أوانها.
وهكذا، وبعد أن تهدمت الأبواب، ولم يبقَ منها سوى آثارها، نشأ الفكر القومي على أنقاضها، في محاولة مندفعة للسعي إلى لم الشمل مرة أخرى، لاستعادة الرحم الكبير مرة أخرى، في محاولة للحفاظ على القيم والقواعد الناظمة للأسرة الكبيرة الممتدة.
وقد قاوم هذا الفكر، بجميع أشكاله، بشراسة مواجهة الواقع، مواجهة واقع الولادة، واقع الانطلاق نحو الخارج، بكل ما يحمله هذا الخارج من تهديدات، وتلقت البرجوازية الناشئة، التي كانت تحمل في ذلك الوقت بذور التحرر من الروابط القديمة، والخروج من رغبات نكوصية لاشعورية، أقسى الضربات بقرار التأميم، وهي لم يكن لديها في الوقت نفسه، القوة اللازمة، ولا الرغبة الحاسمة، في فك ارتباطاتها بصلاتها الرحمية (العائلية... إلخ) الأمر الذي سهّل إخضاعها...
وهكذا أعلنت الرغبات اللاشعورية بحماسة عن فوزها، كما يجري في الكثير من الأحيان، عندما يفشل الإنسان المصاب بأي اضطراب نفسي في إيجاد التسويات الملائمة لحياة نفسية سليمة، فالنكوص النفسي يحمل طابعاً ارتدادياً....
لكن القصة لم تكتمل بعد، لأن الرغبات اللاشعورية الكامنة، خلف إنشاء الأفكار القومية،... أدت إلى التسبب بأذى حقيقي، فالفكر القومي نما على حساب نمو فكر وطني يجمع الأشخاص، ليس على أساس انتماءاتهم الرحمية، بل على أساس قبولهم بواقع الولادة وتخليهم الطوعي والاختياري عن عضويتهم الرحمية، وتحولهم إلى أفراد مستقلين لكي يضحي بإمكانهم انشاء منظومات علائقية قائمة على العيش الفردي المشترَك وليس الجماعي المتشارك..
هل يحق لنا عند هذه النقطة التساؤل لم انهزم الفكر القومي...؟
لما كان لابد لأي صيرورة في عكس اتجاه التطور من الوصول إلى إعلان فشلها في مواجهة واقع تتحكم في تركيبته قوانين خارجة عن قدرة الإنسان على السيطرة..
ففشل الفكر القومي في، لم الشمل، تشكيل الرحم الكبير، الأسرة الكبيرة الممتدة، لا يعدو أن يكون سوى نتيجة طبيعية لعجزه عن مواجهة التطورات والمتغيرات الواقعية الحاصلة، وذلك بسبب الخصائص النكوصية الارتدادية الطابع التي يحملها بين طياته.
ومع ذلك لم يترك انهيار هذا الفكر الفرصة لترسيخ فكر وطني، بل على العكس أدى إلى بروز الجذور الأشد عمقاً وتغلغلاً في الوعي الإنساني ألا وهو الانتماء الطائفي الديني، الذي يمكن اعتباره الحامل الأصلي لبذور الفكر القومي، في مجتمعاتنا بالتحديد.
ولا أعتقد أنه محض صدفة أن يترافق انحسار وفشل الفكر القومي مع اشتداد قوة الحركات الدينية الأكثر صلابة في مواجهة التقدم.
وهكذا أعلنت فكرة الوطن انهزامها الأكبر أمام بناء علاقات أكثر نضجاً في مواجهة المستقبل.
من هنا يبدو أنه بات أكثر يسراً استنتاج أنه لا يمكن لفكرة الوطن أن تنبني وتتبلور على أساس علاقات تسودها صلات رحمية، يغلفها قلق الانفصال عن الذات الجماعية، عن الرحم الكبير والأسرة الممتدة، وإنما على أساس التخلي الواعي والطوعي عن الذات الجماعية الرحمية في سبيل بناء مجموعة من ذوات فردية تواجه قلقاً وجودياً من نوع مختلف، قلق متعلق بماهية الإنسان كفرد مستقل عن الجماعة، يبني ذاته الفردية بشكل مستقل عن صلاته الرحمية (العائلية، العشائرية، القبلية،..) وينشئ، عوضاً عن صلاته الرحمية، صلات قائمة على أساس التعاون الاجتماعي لا الانتماء الجماعي، وعلى أساس التنافس الفردي لا الهيمنة النخبوية ذات الطابع الشمولي، لأبناء يتشاركون بقعة جغرافية معينة ويحملون ثقافة واحدة.
عانت مجتمعاتنا العديد من الانهزامات المتكررة (نكسة حزيران وخسارة الأراضي المحتلة والعديد من الحروب الأهلية...) وما تزال... وتكمن المشكلة في أنه بدل مواجهة هذه الانهزامات يتم الإصرار على عدم الاعتراف بها. الأمر الذي مازال يؤدي إلى انهزامات أخرى (العراق نموذجاً) وإذا تساءلنا من هم المنهزمون فالجواب بالطبع الرجال لأن المجتمع تحكمه ظاهرياً القوى الذكورية...
ترى أيحق لنا التساؤل لم كل هذه الانهزامات وأين تتوارى مسبباتها...؟
ربما من هذه الزاوية، وفي محاولة للإجابة عن هذا التساؤل، يتسنى لنا فهم الآلية التي تم على أساسها إنشاء العديد من الحكومات في مجتمعاتنا الناطقة بالعربية..
لم تنبني هذه الحكومات على أساس عقد اجتماعي، وإنما على أساس زعيم يمثل نموذج الجد أو الأب (الزعيم) الحاكم والمتحكم بموارد أسرته الكبيرة الممتدة، على مساحة جغرافية محددة، وفي هذه الحالة لا يحق لأبناء الأسرة الكبيرة الممتدة الذين تربطهم صلات الرحم (العائلية...) الاعتراض علناً على الطريقة التي يوزع بها الأب (الزعيم) الخيرات وإلا كان نصيبهم الإقصاء والإبعاد بعنف عن المشاركة... وربما أيضاً التصفية، لأنهم بهذا يجسدون تهديداً لسلطة الأب أو الجد (الزعيم)، والأهم لأنهم يجسدون تهديداً لصورة الرحم الكبير المُنشأ، فاشتراكهم ومشاركتهم في السلطة الأبوية كفيل بتقويض نموذج الأسرة الكبيرة الممتدة الرمزي، وكفيل بزعزعة المنظومات القيمية السائدة، والمحددة مسبقاً لأدوارهم المحددة مسبقاً بالطاعة العمياء لسلطة الأب (أليس هذا ما يرغب فيه أي أب، أليس هذا ما يجري تكريسه في مجتمعاتنا طاعة السلطة الأبوية وإيجاد التبريرات أن هي أخطأت).
وبهذا يتم حجز الأبناء وإقصاؤهم عن مشاركة السلطة مع الأب (الزعيم) ومن أجل التأكد من أنهم لن يقووا مجدداً على محاولة المشاركة، يجري العمل دائماً باتجاه التأكد من ولائهم وخضوعهم لسلطة الأب أو الزعيم، لأن الأساس الذي تقوم عليه الأسرة الكبيرة الممتدة التي تمثل نموذجاً لأسر كبيرة ممتدة يشكل مجموعها أسرة كبيرة مجتمعية واحدة مرتبط فقط بوجود اب واحد وزعيم واحد يمكن أن يورث مكانه بناء على صلات مجتمعية قائمة على صلات الرحم (العائلية، العشائرية، القبلية، الطائفية...) وحتى ولو لم يكن الخَلَف جديراً بمكان الأب او الزعيم الأصلي فستحمي التشكيلة المجتمعية دوره وستساعده على القيام بدوره المناط به لكي تحافظ بدورها على تشكيلاتها الرحمية (العائلية، العشائرية، القبلية، الطائفية...) الصغيرة والمنصهرة شكلياً فيما بينها لأن تقويض صورة الأب الرمز في الأسرة العشيرة القبيلة أو الطائفة .. ستكون نتيجته الحتمية تقويض صورة الزعيم والحد من سلطاته التعسفية.
أعتقد أنه بات واضحاً سبب ابتعاد الكثير من الشباب والشابات عن ساحات العمل السياسي المحفوفة بالمخاطر.. لإدراكهم اللاشعوري لطبيعة أدوارهم كأعضاء وليس كأفراد في مجتمع تسوده أسر كبيرة ممتدة بشكل نماذج عديدة (عائلية، عشائرية، قبلية، أو حتى طائفية،) ولمعرفتهم المسبقة للثمن الباهظ الذي يتوجب عليهم دفعه اذا ما فكروا، فقط مجرد تفكير، بالمشاركة الجدية في السلطة الأبوية الأمر الذي يتكفل بقبول أغلبهم الهامش المتاح أمامهم، وبهذا تتواطأ التركيبة المجتمعية الحاملة لبذور وقيم ومنظومات تفكير الأسرة الممتدة ونواظم علاقاتها التي تجسدها قوانين، أعراف ومجموع علاقات عصية على التغيير مع سلطة زعيمه ضد هؤلاء الأبناء المارقين...
للأسف ليس بالإمكان تخيل نموذج سلطة حكومية ديمقراطية، تقبل الاختلاف الناتج عن التفرد، في مجتمع يرث أبناؤه صلاتهم الرحمية...
لهذا لا يشعر الأبناء المحرومون والمستبعدون من المشاركة في السلطة والخيرات طوعاً أو قسراً مع الأب أو الزعيم بأن وطنهم هو المهدد، وإنما انتماءاتهم الرحمية (العائلية، العشائرية، القبلية، الطائفية، ...) هي المهددة. فهم ليسوا من المستفيدين المباشرين أو حتى المشاركين فيما ينتجه الوطن من خيرات في أرضه التي يعيشون عليها فعن ماذا يدافعون..!!!
لذلك فبدلاً من أن يستبسلوا في الدفاع عن الأرض/ الوطن نراهم يستميتون للدفاع عن انتماءاتهم الرحمية، التي نشأوا عليها منذ نعومة أظفارهم. فصورة الوطن لا وجود لها في أذهانهم، لأنها مستبدلة بالانتماءات الرحمية، العائلية، العشائرية، والقبلية....
وللأسف فالثمن الذي يتوجب على الأبناء دفعه، هو ضريبة الاقتتال الدموي بين الأخوة، اذا ما وجدوا أنفسهم فجأة من دون أب يسيّر شؤونهم، فعند ذلك تحوز الولاءات الرحمية المصغرة، التي كانت قبل اختفاء الأب أو الزعيم تبدو كأنها منصهرة فيما بينها، على الأولوية، ريثما يتم إيجاد البديل المناسب لاستمرار بناء وتشييد الصورة الرحمية المضخمة، تحت سلطة زعيم يقوم بدور حامي هذه التشكيلة المجتمعية التي لازالت عصية على التفكك..
وهذا ما سيحدث بالضرورة، عند موت الأب، للأسرة الممتدة، حيث تتقاتل أسر الأخويات المصغرة فيما بينها... أليس هذا ما يحدث في فلسطين والعراق...؟
هل يحق لنا أخيراً التساؤل كيف من الممكن أن يتم التوافق على عقد اجتماعي لأعضاء أسر ممتدة تحكمهم نوازع لاشعورية رحمية نكوصية نحو الماضي السحيق، نحو الرحم الذي لازالوا يرفضون حتى الآن الخروج عن صورته الأولية، وقبول واقع أن الولادة هي انقطاع عن واقع أسبق، ومواجهة الحياة والمستقبل بكل ما تحملانه من تهديدات بتفرد واستقلالية مسؤولة ناضجة..؟
هل هو رفض للولادة والانطلاق نحو عالم خارجي عدواني ومهدِّد، تتطلب مواجهته النمو بنفس الوجهة التي يتخذها الجسد، وليس الاحتماء وراء أنقاض الأبواب والحارات التي تهدمت...؟؟؟؟؟
بانة الصفدي، (لماذا باب؟ ولماذا حارة؟!)

تنشر بالتعاون مع كلنا شركاء  (23/10/2007)

 
< سابق   تال >

أبواب نساء سورية
الصفحة الرئيسية
مرصد العنف
قضايا المرأة
العنف ضد المرأة
قضايا الطفولة
العنف ضد الأطفال
قضايا الأسرة
قضايا الرجل
قضايا المعوقين
المراهقة والشباب
حياتنا الجنسية
قضايا الإيدز
التدخين والمخدرات
قضايا صحية
تربية وتعليم
سكان، تنمية، بيئة
مجتمعيات
فلسفة ورأي
حوار مفتوح
فن وثقافة
إبداعات حرة
كتابك المجاني
كتب وإصدارات
دراسات قانونية
قوانين واتفاقيات
تقارير ووثائق
سؤال وجواب
نشاطات
قضايا الجمعيات
مرصد الإعلام
أدلة وتدريبات
تعاريف ومصطلحات
الاتجار بالبشر
زوايا نساء سورية
زاوية حادة
سكر نساء
بين السطور
وإلى موعد آخر.. كل أحد
همسات صارخة
قالت لي العصفورة
مواطنيات..
شغفي..
علم نفس واجتماع
مقالات ودراسات
رسائل وحلقات بحث جامعية
مراجع باللغة العربية
مراجع باللغة الانكليزية
سير ذاتية
دورات، محاضرات، نشاطات
صفحات أساسية
أرشيف الافتتاحية
سيرة ذاتية للكتاب
كاريكاتير
صفحات خاصة بالجمعيات
رابطة النساء السوريات
مركز البحوث والدراسات
المركز الإنجيلي لرعاية المسنين
نادي دوحة الميماس
إحصائيات المرصد
عدد المقالات: 5996
عدد القراء: 3583650



© 2008 SWO
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.