|
ملف مجلة شبابلك حول الطالب والنظام التعليمي في سورية |
|
|
|
راما نجمة، موريس عائق، مايا جاموس
|
|
2007-10-20 |
|
صفحة 3 من 4 تجارب في التعلم التشاركي: الطالب لم يعد متلقياً والمدرس بات ميسراً موريس عائق
إنها "مهارات الحياة"... هي ما تجعلك ناجحاً في عملك، وليس فقط ما اختزنته من معلومات حول هذا العمل. هكذا على الأقل ما حاول شرحه كتاب "الذكاء العاطفي" حينما ما أراد التمييز بين الطالب الذي يختزن الكثير من المعلومات ويتفوق في تحصيله العلمي وفي درجاته العلمية، وبين الطالب الذي يمتلك عوامل النجاح في حياته ومهنته وعمله... تلك المهارات التي أحدثت تغييراً في النظم التربوية والتعليمية المدرسية، لتتعاضد كلها في سبيل تنمية مهارات الطلاب الحياتية بعد أن كانت موجهة لخزن المعلومات في عقولهم! فالتدريس قديماً كان يقوم على المعرفة التي كانت الغاية، وبناء عليه كان المتعلم هو الوعاء الفارغ وكان المعلم هو المتحكم الوحيد في العملية التعليمية. بينما باتت فلسفة التربية حديثاً تقوم على أن الإنسان هو محور العملية التربوية وهو الغاية منها، فقد أصبح مفهوم التربية يعني إعداد الإنسان للحياة بالحياة نفسها... في سورية تأثرنا بالفلسفة الجديدة، وبات لدينا توجه رسمي للانتقال من نظام التعليم إلى نظام "التعلم" الذي يكون الطالب فيه هو الفاعل وليس المفعول به. وإلى جانب هذا التوجه الرسمي لتجديد الطرق والأساليب التربوية كان هناك برامج ومشاريع عديدة ومحاولات أهلية وشبه رسمية أخرى تساير التوجه الرسمي في العمل على تطوير آليات وطرائق التعليم والانتقال إلى التعلم. ويمكن هنا أن نسلط الضوء على بعض هذه التجارب، ومن أبرزها مشروع وورلد لينكس سورية. أكثر فاعلية في المجتمع تطوير مهارات واستراتيجيات التعليم والتعلم لدى المدرسين في سورية باستخدام وسائل تكنولوجيا الاتصالات هو الهدف. وتحسين مخرجات التعليم والفرص الاقتصادية والتفاهم العالمي بين الشباب ليشاركوا بنجاح في اقتصاد المعرفة هو الرؤية... تبين دانة ديراني، مدير مشروع وورلد لينكس سورية، أن المشروع الذي بدأ في آذار 2005 لتشكيل فرق المدربين بلغ تعداده الـ 50 تواصلوا في المحافظات مع 500 مدرس عبر مشروع رائد، لا يشكل مادة إضافية على المنهاج المدرسي... إنما هو أسلوب جديد لنقل المعلومة للطالب من ذات المنهج السوري، الطالب لم يعد هو المتلقي للمعلومة بل بات صانعاً لها والمدرس بات (ميسّراً) للعملية التعليمية والغرفة الصفية باتت ورشة عمل، وبذلك انتقلنا من أسلوب التلقين في التعليم إلى أسلوب التعلم الذاتي للطالب وهذا يترتب عليه تزويد الطالب السوري بمجموعة من المهارات التي تهيئه ليكون فرداً أكثر فاعلية في مجتمعه وبذات الوقت فرداً أكثر قدرة على تحسين وضعه الاقتصادي وتالياً أكثر قدرة على الحصول على مستوى حياة أفضل؟ ورغم أن أهداف المشروع "طويلة الأمد" كما تصفها دانة ديراني، إلا أنها لا تنكر أيضاً حصول بعض الآثار الآنية؛ "باتت العملية التعلمية مترافقة مع المتعة، هناك متعة في الحصول على المعلومة لدى الطالب ومتعة أخرى لدى المدرس والمنهاج الدراسي بات أسهل وغير ممل حتى لو كان كم المعلومات كبير.. وبذات الوقت لم نؤثر على تحصيل الطالب من العلامات لأننا نقدم ذات المعلومات التي في المنهاج المعلومات لكن أسلوب إعطاء المعلومة تغير..." وتوضح دانة أن التحصيل العلمي ازداد أيضاً لأن الطلاب يستمتعون بالمعلومات وبذات الوقت يحدث التعلم بشكل تشاركي، فالطلاب ذوي التحصيل الضعيف ارتفع تحصيلهم لأنهم تلقوا دعماً من زملائهم... لكنها تؤكد أن التأثير الكبير وبعيد الأمد سيكون على حياة الطلاب عامة؛ "نحن نعرف أن نجاحنا في الحياة بعد التخرج من الجامعة أو المدرسة يكون هو بمقدار ما نملك من مهارات، وما يهمنا أن يتمتع الطالب بمهارات حياتية، مهارات التواصل والحوار والإلقاء ومهارات التحليل التي يفتقرها الطالب السوري... إضافة إلى مهارات معلوماتية ومهارات لغوية ومهارات التفكير العليا (التحليل والتركيب والاستنتاج) كي يصبح الفرد صانعاً للمعرفة، وليس متلق لها". المشروع اليوم في مرحلة التوسع التي تتم بتعاون بين وزارة التربية السورية وبين الأمانة العامة للتنمية وأيضاَ بالتعاون مع وورلد لينكس المنطقة العربية. وبدأ التوسع مع بداية عام 2007 للوصول إلى 1000 مدرس ومدرسة من 200 مدرسة وما يزيد على 110000 طالب وطالبة من كل المحافظات السورية وتدريبهم على تطوير مهاراتهم في التعلم. المشروع يركز على مهارات التعلم التشاركي، إذ يقول الأستاذ غسان فويتي، المنسق الوطني لمشروع دمج التكنولوجيا في التعليم في وزارة التربية؛ "لا نرغب أن يكون الطالب فردياً بعمله وفردياً بنتاجه وبالتالي فردياً حتى باتخاذ قراراته... بل نشجع العمل في مجموعات تتقاسم العمل وتتقاسم اتخاذ القرارات... وهذا بالتأكيد ما سيجعل منهم أشخاصاً أفضل في المجتمع وأكثر تفاعلاً مع محيطهم". الأستاذ فويتي الذي تحدث عن نقص في المحتوى العربي على شبكة الانترنت، بين أن مشروع دمج التكنولوجيا في التعليم، مشروع يساعد وزارة التربية على تغيير أساليب التعليم والتعلم في الغرفة الصفية من التلقين إلى التعلم الذاتي وهو من ضمن استراتيجية وزارة التربية التي تعمل عليها والتي تطمح لتنفيذها في سورية... وأوضح فويتي: "هناك استراتيجية لتحسين طرق التعليم في الوزارة، وبعد أن اطلعنا على المشروع الرائد لوورلد لينكس ووجدناه شريكاً في هذا التوجه، تبين لنا أن نتائج المشروع مهمة إذ بات لدينا فريق وطني على مستوى إقليمي ولديه قدرات كبيرة ووجدنا أن الاستثمار في هذا الفريق أمر مفيد جداً... كما وجدنا في نتاجات المشروع، أن المتعة لم ترافق الطالب فقط أثناء تعلمه، بل أيضاً اكتسب مهارات، والمهارات ممكن أن تبقى مع الطالب في حياته العملية أكثر من المعلومات". وجهة نظر في الحياة والعمل... مشروع "شباب" هو الآخر يعتمد أساليباً تشاركية في برامجه التي تستهدف الطلاب، فالمشروع الذي يهدف لخلق وجهة نظر إيجابية تجاه العمل في القطاع الخاص، يعمل من خلال عدد من برامجه على تأهيل الشباب وخلق ثقافة عامة لديهم للعمل الخاص. المشروع اليوم يتعاون مع وزرا ة التربية أيضاَ لتدريب المدرسين للتواصل مع طلابهم بأسلوب تشاركي... تبين دانيا العشي، مسؤولة برنامج "تعرف إلى عالم الأعمال" في "شباب"، أن الأسلوب التشاركي يثبت المعلومة بذهن الطالب أكثر ويجعله يدرك الفائدة منها، لا بل تعلمه كيف يستفيد منها، بحيث لا تبقى في إطار المعلومة النظرية فقط. وتضيف العشي: "نركز على المحتوى وعلى طريقة الإعطاء أيضاً... لكل أستاذ أسلوبه لكن أيضاً التشاركية هي أفضل الأساليب... نقوم الآن بتدريب عدد من الأساتذة على أساليب تشاركية في التعلم، نعمل على 3 دورات لـ 95 أستاذ و10 موجهين من خمس محافظات... هناك من يتجاوب معنا وهم كثير وهناك من لا يتجاوب ويبقى مقتنعاً بأسلوبه القديم رغم أن الطلاب يتفاعلون مع هذا الأسلوب التشاركي، طبعاً بالمقابل هناك أساتذة يتقبلون الفكرة بل ويبدعون في إنتاج أساليب جديدة يطورونها هم". القائمون على المشروع الذي يعمل على تقديم وجهة نظر أخرى في العمل والحياة، يدركون تماماً أن الأسلوب الأنجع هو مرة أخرى "تقديم مهارات الحياة والتدريب عليها أكثر من ضخ المعلومات عنها... التعلم عن طريق الدراما... إعادة إنتاج المعلومات نظريات وطرائق التعلم الحديثة التي تركز في مجملها على التعلم الذاتي، أنتجت أساليب عديدة، فطالما أن فلسفة التعلم الحديثة استهدفت الإنسان فكان لكل مافي حياته إمكانية ما للمساهمة في تعلمه. فهناك التعلم عن طريق اللعب وعن طريق المسرح وعن طريق التشارك في حل المشكلات... إلخ. الفنان بسام داود، خاض تجربة تدريس مادة الدراما لطلاب المرحلة الابتدائية على مدى فصل دراسي كامل. ورغم أن المادة أدخلت للمنهاج بهدف بناء عرض نهاية العام الدراسي، إلا أن الفنان داود ومن خلال تدريسه للمادة، عايش تفاعلهم معها واكتسابهم المعلومات عن طريقها... فكل فكرة تمثيلية في مشهد معين، كانت تطرح للناقش وتعدل حسب الآراء المختلفة ثم يتم التدريب عليها وهذا يؤدي أن الطالب تلقى الفكرة وعالجها وعدلها وأعاد تقديمها أي يعيدون إنتاج المعلومة، رغم أنهم تحت سن التاسعة كلهم. يقول بسام: "الدراما أو التمثيل كطريقة تعلم تمتاز بأنها طريقة قائمة على الحوار والبناء المشترك للفكرة. والمرحلة التحضيرية كانت الأهم بالنسبة للطلاب من حيث اكتسابهم للمهارات الحياتية واكتسابهم للمعلومات بطريقة الدراما الممتعة. والتي تراعي ميل الطلاب إلى اللعب والتمثيل. فمهارات الإلقاء والتواصل وتقوية الشخصية والقدرة على التعبير عن الأفكار... كلها كانت مهارات مطلوبة أثناء التدريب على العروض الدرامية". بسام لاحظ في نهاية المرحلة التدريبية تغييرات عديدة طرأت على شخصيات الطلاب... بعض من كان خجلاً قليل الكلام امتلك القدرة على المبادرة، وبعضهم بات مميزاً في قدرته على التواصل، وبعضهم تخلص من الحاجز التقليدي الذي ينشأ بين الطالب والمدرس. أخيراً... متنوعة هي طرق التعلم التي تستهدف الإنسان، وكثيرة هي أساليب تعليم "مهارات الحياة". لكن ورغم الجدية التي تظهر على الجهات الرسمية والحكومية في تطوير تلك البنى التي تعمل على بناء الإنسان، إلا أن أسئلة عديدة تبدو مبررة، يمكن أن تتناول إمكانية تأثير باقي مكونات العملية التعليمية على ذلك التوجه الجديد، فالمدارس وبناها التحتية والمناهج (بما تعنيه من محتوى) والامتحانات بشكلها الراهن، إلى أي مدى تتناسب مع التشاركية في التعلم مثلاً؟! وإلى أي مدى تشكل تحديات لها؟! وإذا خرجنا إلى بيئة التنشئة الاجتماعية الأوسع، هل تراها تتقبل مهارات الحوار وتقبل الآخر التي نحاول أن نربي أطفالنا عليها الآن.. أم تدفعها للاصطدام بأول تجربة عملية؟! خصوصاً في بنية اجتماعية تهنئ الطفل المطيع لأبويه الصامت في حضرتهم، وتستهجن حتى من يرفع نظره بحضور من يكبره سناً؟؟؟ |