|
ملف مجلة شبابلك حول الطالب والنظام التعليمي في سورية |
|
|
|
راما نجمة، موريس عائق، مايا جاموس
|
|
2007-10-20 |
|
صفحة 2 من 4 غرفة الصف تحت الإنعاش: عندما يكون التلقين مرادفاً للتسلط والبصم مرادفاً للطاعة!
راما نجمة"في الفصل الثاني من الصف الثالث الابتدائي، كان علي أن أصرخ مع 34 تلميذاً آخر، كل صباح وعند بداية الحصة الأولى، مرددين جدول الضرب من ألفه إلى يائه... كان لدى معلمتنا نظرية تقول أن التكرار يعلم....، وبالفعل تعلمنا جميغاً جدول الضرب، ليس لأننا.... بل لأننا فضلنا أن لا نخسر حبالنا الصوتية، ونبقي على شيء منها نصرخ به في باحة المدرسة.... ، أما في البيت فالجميع كان يردد أن علي أن أحفظ جدول الضرب كإسمي، وكما تمنوا حفظت الجدول كإسمي... ومثلما لم أعرف يوماً لماذا كان على أهلي أن يسموني هذا الإسم بالتحديد، لم أعرف يوماً، لماذا 9 ضرب 4 يجب أن تساوي 36 بالتحديد"، قال هذا رائد الأسطا، بحنق، قبل أن يكمل "وبالجامعة لسا على أضرب"... رائد طالب في السنة الرابعة في كلية التربية، لكن مسألة الحفظ، ما زالت تؤرقه، فخلال المراحل الدراسية التالية، أصبح الاستظهار مرادفاً لكلمة الدراسة "لم يتوقف الأمر عند نظريات المربعات والهندسة والجبر الدقيقة، وكل قوانين الفيزياء العلمية التي أصبحت غيبية بقدرة قادر، بل حتى في المواد الإنسانية الرقيقة التي لا تحتمل هذه الصلابة والجمود، بل تقوم أساساً على الشك فيها وتفتيت يقينياتها".أشطر طالب بالصف... قد يعلن إفلاسه لسنوات وسنوات، كانت العملية التعليمية تدور في حلقة "التمدرس" الذي يختصر التعليم بالتلقين، والتعلم بالقدرة على تخزين المعلومات، وهو ما يسميه عالم التربية باولو فريري "بالتعليم البنكي" أي إيداع المعلومات دون القدرة على استثمارها، ما يسمى اقتصادياً ... بإعلان الإفلاس. لقد وصف أحد المدرسين نظام التعليم التقليدي بأنه يسجن عقل التلميذ في حذاء صيني ضيق يمنعه من الانطلاق والانتشار والشمول، فيما كتبت أم تلميذ رسالة إلى وزير التربية تطلب منه أن لا يحول ابنها إلى ببغاء يحمل شهادة تفوق وامتياز. تقول المعلمة إيمان البرادعي "تقوم طرائق التدريس السورية على الطرائق الكلامية اللفظية أكثر مما تقوم على الطرائق التطبيقية العملية، التلقين والمحاضرة والملخص من قبل المدرس والاستظهار والصم والسلبية من قبل المتعلم، ويمثل ذلك على طول الخط نقيضاً من مفاهيم المدرسة الحديثة، القائمة على التعلم الذاتي، والتعلم بالمشاركة وبالتعاون، وبالبحث، واكتساب المعرفة وتنمية طرق التفكير النقدية والتحرر من اليقينات المسبقة ومن البدائل المحدودة إلى البدائل المتعددة، ومن التفكير الأحادي إلى التفكير المعقد، لا يعني ذلك اختفاء دور المعلم، بل يتحول إلى ميسر، لكنه ليس المحور ولا محتكر المعلومة، بل الطالب هو المحور، والمعلومات فضاء لا متناهي". ولا تتعلق المشكلة هنا، بنظام التعليم بحد ذاته، بل بما ينتج عنه من مخرجات بعد انتهاء الفترة التعليمية، حيث يؤسس الأسلوب السائد حالياً إلى أجيال سلبية معتادة على التلقي، وعدم الجدل، والخنوع للسلطة الأعلى، والقبول بالمعلومات على أنها حقائق غير قابلة للشك. وإذا كان ديكارت قال "أنا أفكر إذاً أنا أشك"، فالنظام التعليمي في سورية قائم في كثير من مفاصله على منع الشك واعتباره تهمة، فالتاريخ العربي هو التاريخ المشرق الذي ورد في الكتب المدرسية، أما تاريخ سورية الحديث فهو يختصر بعدة صفحات تملؤها الأدلجة، وأبيات الشعر يحفظ شرحها صماً معها، ولا يترك مجال للتأويل الآخر، ولمسائل الرياصيات حل واحد هو ما يكتبه الأستاذ على السبورة، فالتلميذ المجد ليس من يطرح الأسئلة الملائمة، بل الذي يعطي الأجوبة الصحيحة، هذا، إن كان هناك وقت للأسئلة والحوار والمناقشة النقدية، فالمناهج السورية تمتاز بكتبها ذات الوزن الثقيل، وهي لا تترك فرصة للمعلم إلا أن يلقي الدرس ويكتب بضع كلمات على اللوح، ثم يسأل طلابه إن كان أحد لم يفهم أو لديه سؤال وغالباً لا يجد أي إصبع مرفوع. وبذلك تلعب المدرسة دور إيديولوجي في إعادة إنتاج علاقات القوة والسيطرة وإنتاج قيم الطاعة والخضوع ليترافق محو أمية الطالب مع محو شخصيته.... هل نبالغ؟؟لماذا لون المقاعد بني يا معلم؟ في التقرير الوطني للتنمية البشرية 2005، كتب الدكتور يوسف سلامة وهو أستاذ في قسم الفلسفة بجامعة دمشق "ما يزال التعليم في العالم العربي مرتبطاً بالذاكرة والاستحفاظ والتذكر، ومن البين أن التعليم عندما يصبح مرادفاً للحفظ والاستظهار فهذا معناه ببساطة أنه يوجه إلى شخصية سلبية مستقبلة مستهلكة، كل ما عليها أن تفعله هو أن تتقبل المعلومات الواردة إليها من الخارج تقبلاً لا نقاش فيه، وهذا التقبل السلبي ذو دلالة مزدوجة: فهو من ناحية يدل على إنكار صريح لحق العقل أو الفرد في أن يكون له رأي فيما يتعلم أو أن يكون له موقف مما يلقى إليه من معلومات..... ومن ناحية ثانية يدل على أن المصدر الذي يمد المتعلم بالمعلومات، أصبح سلطة لا معقب عليها في تقرير مصير المتعلم والتحكم بمسار أفكاره، وهي سلطة فوق النقد بسبب الموقف السلبي للمتعلم، لتنتج لنا بيئة هشة جوهرها الطاعة والامتثال". فمبدأ الطاعة والقبول يسيطر على المدرسة ابتداءً من القبول بالمعلومات الواردة في الكتب بشكلها وصيغتها "الرسمية" وحفظها عن ظهر قلب كحقائق مطلقة، إلى القبول بالأستاذ كحاكم مطلق في غرفة الصف، إلى استهلاك وابتلاع كل القيم الموجودة في المجتمع والانصياع لها. عندما يبدأ التلاميذ تجربتهم الأولى مع المدرسة يتعلمون أول دروس "نفذ ولا تعترض"، الطابور نفسه كل صباح، الشعارات نفسها، ألوان الملابس الواحدة، لون المقاعد البني الذي لا يتغير، والحائط ذي اللون البيج الذي لن يروا غيره مهما تغيرت صفوفهم، حتى دفاترهم يجب أن تكون ذات لون واحد، ويبقى السؤال الحائر: لماذا هذا اللون بالذات؟ لماذا هذا المقعد بالذات؟ يبقى هذا السؤال حتى يصبح بديهياً، ليس بحاجة إلى إجابة، بل التوقف عن التساؤل، هذا اللون هو الصحيح، لأنه لا يسمح بلون آخر، وهذا الجواب هو الصحيح لأنه لا يوجد جواب آخر.... إنها آلية غاية في التعقيد.... لكن من منا لا يعرفها؟ ومن منا لم يجربها؟.التلقين يستنزف المدرس أيضاً تشير أكتاف الأطفال الحانية إلى أثقال كتبهم المدرسية، المحكومة بطغيان الكم وحشد المعلومات، كأنها المصدر الوحيد للمعرفة الذي سيقرأه الإنسان في حياته، وتوحي غرف الصف التي ترن فيها الإبرة، بأن التفاعل الصفي الموجود حالياً إذا سميناه تفاعلاً، قائم ومحكوم بالعلاقة التلقينية التقليدية بين المعلم والمتعلم التي تجعل هذا الأخير يستجيب باكتساب عادة البصم، لا يهتم بالإدراك والمعرفة بل بالاستنساخ والحفظ فقط، من أجل قهر "الرعب الامتحاني"، حتى لو كان ما يحفظ من أجل الامتحان ينسى بسرعة مع انتهاء الامتحان. يقول الأستاذ اسماعيل فرج أن المعلم ايضاً ضحية لأسلوب التلقين "الذي يقلص حرية المعلم الأكاديمية ويهدرها ويعفيه من الللجوء إلى نشاطات من خارج الحجرة الدرسية، أو مصادر من خارج الكتاب المدرسي، كما أن التلقين يمنع المدرس من اكتشاف الفوارق بين طلابه، ولا يسمح للمعلم بأن يقارب موضوع الدرس مع المشكلات المحلية، بشكل يدفع الطالب إلى التفكير بمحيطه وبيئته، بشكل علمي"، ويرى الأستاذ فرج أن "المعلم الناجح هو من يستطيع أن يجعل طلابه يستغنون عنه، ويبدؤون التعلم الذاتي، فيما الكتاب المدرسي الناجح هو الذي يدفع الطلاب إلى قراءة غيره وعدم الاكتفاء به، كي تحدث عملية التحول من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها". فالتلقين ليس علاقة صفية تدريسية، بل يوصف بأنه علاقة سلطوية مجتمعية تحرم المتعلم من أي ملكة نقدية تمكنه أن يكون شخصية مستقلة، هو نوع من تسلط تربوي يضع الطلاب في دائرة استلاب شاملة، ويرتبط التلقين بذلك بكل أطراف العملية التعليمية: المعلم، المنهاج، طرق التدريس وتقنياته، التفاعل الصفي، نظام الامتحانات وحتى البناء المدرسي.لسنا بأحسن حالاتنا... لكننا نحاول ولا يبدو النظام التعليمي السوري بأحسن حالاته، وتشير الإحصائيات والتقارير الصادرة عن وزارة التربية إلى عدد من النقاط الحساسة، فهناك مئات من المدارس الطينية والبراكات، وهناك حوالي 3 آلاف من مدارس المعلم الوحيد، ذات الغرفة الصفية الواحدة، ومازال متوسط عدد الطلاب لكل مدرس بعيد عن الرقم الذي وضعته اليونسكو والمتمثل بعشرين إلى خمسة وعشرين طالب لكل مدرس، أما المعلمون فتقر الوزارة بأن معظمهم يحتاج إعادة تأهيل خاصة بالمجال المعلوماتي، إضافة للتأهيل التربوي، ومن جهة أخرى هناك أكثر من عشرة آلاف وكيل يعمل كمعلم، وهم غير حاصلين إلا على الشهادة الثانوية، يترافق ذلك مع تدني رواتب المعلمين وانخفاض مكانتهم الاجتماعية والمادية، مما يؤثر وبشكل فج وحاد على العملية التدريسية، وينقلها لفضاءات مشوهة من الدروس الخاصة ودورات التقوية خاصة في سنوات الشهادات، أما المناهج، فإن آخر تقويم للتحصيل اشتركت فيه سورية 1996 لمادة الرياضيات مثلاً، لم يكن لها ترتيب مقبول، وكانت بعيدة عن المتوسط الدولي، فالطالب السوري كان يتميز بحجم المعلومات النظري التي كان يمتلكها، إلا أنه كان عاجزاً عن التطبيق العملي الواسع، رغم أن هدف التعليم بالتأكيد، ليس جني المعلومات، بل الاستفادة منها وإعادة إنتاجها.بدأت وزارة التربية منذ حوالي السنتين بإعادة النظر بالمناهج، وكل ما يرتبط بها من تأهيل معلمين، وإدخال التكنولوجيا إلى المدارس، وتطوير البناء المدرسي، وأساليب التدريس، يقول معاون وزير التربية لشؤون المناهج، الدكتور علي الحصري، أن المناهج القديمة أدت دور فعال في تخريج أساتذة وأطباء ومهندسين، لكن مع تبلور نظريات التعلم والتعليم، أصبحت سورية متخلفة عن دول العالم في هذا المضمار، لذا جهزت وزارة التربية طاقم وطني مائة بالمائة ليقوم بهذا التطوير، وضمن هذا الإطار وضعنا معايير وطنية، وهو إجراء لم يكن موجوداً من قبل، لتكون هذه المعايير مرجعية، لكل ما يسمى مناهج، أساليب وطرائق التدريس، مواصفات المعلمين، التقييم ، والكتب، وهذه المعايير تفترض الوصول لنتائج معينة، بحيث يمكن أن يكتشف النظام التعليمي أخطاءه بنفسه ويصحهها،... هذه المعايير التي أقرت سواء على المستوى القيادي في سورية، أو على المستوى الأكاديمي، تنظر للعملية التعليمية على أنها تفاعلية، وليست باتجاه واحد فقط، وتتطلب تنمية قدرات المتعلمين وتشجيع التعلم الذاتي، واستعمال التكنولوجيا والبحث عن المعرفة" ويقر الدكتور الحصري بأن المؤسسات التربوية تقوم الآن على تحفيظ المعلومات لصبها في الامتحان، وأن استرتيجيات العرض قليلة، إلا عند الضرورة واستراتيجيات الكشف تكاد تكون غير موجودة، لكن معاون الوزير يعد بنقلة نوعية ستبدأ أوائل العام 2009، ويضيف "المتعلم ضمن المعايير الجديدة هو مشارك ومنتج للمعرفة وليس مجرد متلقي، وسيكون هناك اهتمام كبير بالتعلم الجماعي أي ضمن فريق، للتخلص من أمراض الفردية والتسلط، إضافة للتدريب على الحوار وسماع وجهات النظر المختلفة، وحل المشكلات بعدة طرق، ونقض الفرضيات". إلا أن وزارة التربية تقر أيضاً بالصعوبات التي تواجه هذا الانتقال، سواء من حيث تكاليفه المادية الكبيرة، أو من حيث إعادة التأهيل، أو الجانب الأخطر الذي يتعلق برفض الجديد، والتخوف منه. |