|
"باب الحارة".. باب على الهاوية! |
|
|
|
هنادي زحلوط
|
|
2007-10-12 |
أصبحت شارته صفارة إنذار، حين يسمعها الرجال والنساء يتركون أشغالهم ليجلسوا كمن أصابهم المسّ أمام التلفاز، العاملون في الأسواق، في المحالّ التجارية والصناعية، النساء في المطابخ وغيرها، كل يسرع ليسجد كبوذي عتيق في طقس المتابعة التلفزيونية التي تلاحق كل حركة والتفاتة، فكف بضربة الكف والطّلاق؟..
إنها المرة الأولى التي أترحّم فيها على كتب التاريخ المدرسية التي كنّا نبحث فيها عن الصور المشرقة النادرة في خراب تاريخنا لانتشال معنوياتنا التي تحطمت وهي تتدحرج في وادي الواقع العربي السّحيق! ولكن، هل صورة الرجل الديكتاتور كانت ضالّة الناس في هروبهم من هذا الواقع الذي حطّمنا رجالا ونساء؟ وهل قدمت بعض العزاء والسلوى؟ وإذا كان الواقع يستدعي مثل هذه المسلسلات ابتداء من سلسلة الفانتازيا إلى المسلسلات التاريخية، القديمة منها والمعاصرة، فباب الحارة لا يمكن وضعه ضمن الفانتازيا لأنه يعلن أنه يعالج فترة محددة من تاريخنا الحديث هي فترة الانتداب الفرنسي، ولا يمكن وضعه ضمن المسلسلات التاريخية لأنه يحوي الكثير من المغالطات ولا يركّز على المشكلات الاجتماعية بحدّ ذاتها بل يضخّم مشكلات "الأبطال" إلى حدّ ننسى معه وجود الانتداب الفرنسي والثورة السورية والمناشير المناهضة للاحتلال والبيوت الدمشقية التي كانت مكانا لاجتماعات الثوار السرية، وكانت زواياها مستودعات لذخيرتهم! هذا التجاهل للتاريخ كانت قد سبقته إليه مسلسلات أخرى ربما كان أولها أيام شامية الذي بني على هاجس استعادة البطل لشعر شاربيه كرمز للرجولة، وربما لن يكون آخرها المسلسلات التي تناولت سير حياة أعلام في الأدب والفن كمسلسل نزار قباني ومسلسل جبران خليل جبران وغيرها والتي ركزت على الحياة العاطفية للبطل وبالغت في عدد علاقاته الغرامية وتأثيرها لدرجة أصبح معه فعله الإبداعي مجرد ردة فعل على نجاح أو فشل هذه العلاقة أو تلك! و"باب الحارة" يبالغ أيضا في تضخيم مشكلات أبطاله، وفي الديكور، والماكياج، وصخب الأصوات إلى درجة مزعجة جدا وغير منطقية مطلقا! وصورة الرجل المتسلط كان لابد لإبرازها بهذا الشكل الملفت من وضع صورة المرأة الذليلة! والتي لا تفكر بشيء سوى إرضاء زوجها ابتداء من المطبخ وانتهاء بألفاظ الطاعة للثوار، فهل هذه هي الحارة الدمشقية التي شارك رجالها في الثورة ثوارا وصحفيين وتجارا؟ وهي ذاتها التي شاركت نساؤها في دعم الثورة حينا ببيع حليّهن لتأمين السلاح للثوار، وحينا آخر بالمشاركة في توزيع المناشير وفي القيام بالمظاهرات النسائية؟ هنا تكمن خطورة "باب الحارة"، برأيي، في تأسيسه وبشكل علني لنمط مبتدع من المسلسلات التي تلغي تاريخنا وتعمل فيه قصقصة وتشويها، لتشكّل بدلا منه صورا مخيفة لأبطال متخلفين ومتهورين وثرثارين، لا يمكن أن ينتجوا إلا المزيد من الخراب، تحت اسم البطولة التي تغذي اللاوعي كما الوعي لتسهم في مزيد من تدهورنا نحو الهاوية، التي كلّما قلنا أننا وصلنا إلى قاعها فوجئنا أننا لا نزال قادرين بعد على التدهور أكثر، وان لم نصحو ونتشبث بالقيم الإنسانية، فإننا في طريقنا الطبيعي نحو قاع سحيق.. سحيق!
هنادي زحلوط – ("باب الحارة".. باب على الهاوية!) خاص: نساء سورية |