|
بسام القاضي
|
|
2007-10-12 |
ما إن تخرج كلمة "مساواة" لتدل على مطلب بات عالمياً بمساواة المرأة بالرجل، بصفتهما ينتميان للنوع نفسه الذي صاف أن سمي: إنسان، حتى تزورّ العيون وتبرم الشفاه وتثور الحمية في الأدمغة "الملتهبة"، كما لو أن باب جهنم قد فتح!
ولأننا اعتدنا على أن نكون مطيعين، ونمسك العصا من وسطها حتى حين لا يكون لها وسط، فإننا نسارع للتأكيد أننا لا نقصد المساواة، بل نقصد التكافؤ والعدالة والتكامل بين هذين الكائنين الغريبين والمنفصلين والمختلفين كما لوكانا كائنين ينتمي كل منهما إلى نوع مختلف، أو إلى كوكب مختلف!لنبدأ من الواقع: تقول الأرقام أن امرأة من كل أربع نساء سوريات تتعرض للضرب من قبل ذكور هم، على الأغلب، ذكور العائلة نفسها! وأن مئات من النساء السوريات يذبحن سنوياً على سكين "الشرف" الذي هو مجرد علكة في أيدي الرجال الذين يعملون "السبعة وذمتها" ثم يقتلون ابنتهم أو أختهم لأنهم شاهدوها تشرب فنجان قهوة في حديقة عامة مع شخص غريب! أو لأنها تريد الزواج ممن لا يريد "المالكون" أن يزوجوها إياه! أو لأن لها حصة قانونية من الإرث لم "ترض" أن تتنازل عنها للكائن السامي "الرجل"! وأن أكثر من 50 % من حالات الطلاق في سورية هي طلاق تعسفي تجد المرأة فيها نفسها خارج الأسرة بغض النظر عن رأيها! وبينما يشكل عملها السنوي داخل المنزل، فيما لو قدر بالنقود، أضعاف ما يقبضه زوجها من راتبه في وظيفة من ذوات الدخل العالي، ترمى في الشارع حين الطلاق كما لو كانت قطعة أثاث مستعملة: دون أي حق لها بأي مما بنته بعرقها وسهرها، اللهم إلا من فتات مزرٍ يسمى "نفقة" غالباً ما لا تكفي حتى مواصلات سرفيس! وأن القسم الأعظم من العمل الزراعي المنزلي تقوم به النساء (وأغلب العمل الزراعي في سورية هو عمل منزلي يعتمد على ملكية الأسرة)، وليس لهن من ملكية هذا العمل إلا ما لا يذكر! وطبعاً ليس لهن من مردود المحصول إلا ما يتكرم به "سي السيد"، الذي قد يكون الأب أو الأخ أو الزوج، أو كلهم مجتمعين، ما يتكرم به "بجود" يستحق الإشادة! وليس هذا إلا غيض من فيض التمييز الواقع ضد المرأة، سواء في الواقع اليومي، أو في بعض القوانين التي تنتمي إلى عصور ما قبل الحضارة!ثم لنتساءل: ما الذي تختلف به العنصرية القائمة على العرق أو الدين عن العنصرية القائمة على الجنس؟! في الواقع لا تختلف سوى بأن العنصرية القائمة على الجنس هي استعباد تاريخي يمتد على مساحة الساعات الأربعة والعشرين من الحياة برمتها، بينما قامت جميع الأنظمة العنصرية الأخرى على استهلاك عدد أقل من ساعات الكائن المعتبر "أدنى"! ولا تنفع هنا أية محاولة للإمساك بتراث يقول كلمات جميلة في المرأة، أو يتغزل بها، أو يدعي "منحها" ما لم يمنحه لها غيرها! بل إن هذه المحاولة تشكل تأكيداً ساطعاً على "عنصريتنا" لأن أية محاولة لعدم الاعتراف بالإنسانية الكاملة للمرأة، هي تأكيد تام لكونها "كائناً أدنى"!ببساطة ليس هناك سوى خيارين بسيطين وواضحين: إما أن المرأة هي إنسان، وبالتالي لها كل ما للرجل من حقوق وعليها ما عليه من واجبات. وهذا هو المعنى الوحيد لمبدأ: تكافؤ الفرص الذي يشكل جوهر العدالة الاجتماعية. وإما أنها أي "شيء" آخر، حتى وإن استخدمنا أجمل ما تضمنته اللغة من كلمات، وبالتالي فنحن نمارس عنصرية لا لبس فيها. فأيها نختار في القرن الواحد والعشرين؟!
بسام القاضي، (مساواة.. أو عنصرية)تنشر بالتعاون مع مجلة شبابلك (العدد 29- تشرين الأول 2007) |